.jpg)
تعمي الغيرة المصحوبة بالشكوك نظر العديد من الأزواج وتصمّ آذانهم. ويتوجّس الغيور من أنّ الشريك يمكن أن يخونه مع أيّ شخص قد يقترب منه أو يدخل إلى حياته، ما يجعله يسعى دائماً إلى عَزله وكبحِ علاقاته الاجتماعية. ومهما حاول الشريك تفسيرالوضع وطمأنة حبيبه الغيور إلّا أنّ مبادراته هذه لن تجنّبه المشاكل المستقبلية التي قد تندلع مجدّداً عند حدوث أيّ موقف «مشكوك بأمره» يُشعل نوبة غيرة جديدة. وتتدرّج قوّة الغيرة وتختلف بين شخص وآخر، وتكون مرَضية عند البعض فتؤدّي إلى تدمير استقرار علاقة أو حتّى أسرة.عندما تنعدم الثقة بين شريكين يُقرع جرس الخراب وتسود المشاكل حياتهما مسبّبةً بموت الحب. الزوج الشكّاك يضع دائماً زوجَه تحت المجهر في كلّ حركاته، ما يجعل الطرفَ المشكوك به يتردّد في إخبار أيّ شيء عن حياته الاجتماعية أمام شريكه خوفاً من أن يُساءَ فهمه أو يُتّخَذ دليل ضدّه. ولذلك كثيراً ما تسوء العلاقات ويَكثر القلق النفسي والاكتئاب في حياتهما لعدم وجود الجوّ الأُسري المريح.
صراع مع الذات
يُعرِّف أحد علماء النفس الغيرة بأنّها «عندما لا تريد أن تخسر ما تملكه أو تعتقد بأنّك تملكه. فالغيرة في الحب مشكلة تواجه حياة الثنائي وهي صراع مع الذات. أنت لا تَغار من الآخر لأنه يتصرّف بهذه الطريقة بل تخاف أن تخسره. هذا الخوف تقف وراءه عوامل عديدة، من بينها وجود معركة يقودها الغيور مع نفسه».
هي تغار
إنْ تأخّرَ في العودة من العمل فهو مع أخرى وإنْ كان هناك بقعة على ملابسِه فلها تفسير غير بريء، وقد تستيقظ في الصباح الباكر لتلمسَ السيارة وتتأكّد إنْ كانت ساخنة ممّا يدلّ على أنّه استيقظ وتسلّل لمقابلة امرأة أخرى وهي نائمة.
فهي تفتّش ملابسَه وأوراقه وهاتفَه الجوّال كلّما سنحَت الفرصة. وعلماً أنّ غيرةَ الزوجة مبرّرة أحياناً لشعورها أنّه لا يبالي بها، يرى الزوج بدوره أنّ الشكّ المبني على الظنون والأوهام والتكهّنات سببٌ للانفصال وقد يؤدّي إلى ارتكابه العنف ضدّها في حالات مرَضية.
تعترف لينا لـ«الجمهورية» وهي معلّمة اللغة الفرنسية في إحدى المدارس وعمرُها 28 عاماً: « كانت أمّي تغار كثيراً على والدي وتطارده طوال الوقت. ولرُبّما اكتسبتُ هذه العادة السيّئة منها.
تعرّفتُ إلى شاب يكبرني بضع سنوات، وعلِمتُ بأنّ حياته كانت صاخبة بعلاقات عاطفية عابرة كثيرة لها طابعٌ جنسيّ أكثر من عاطفي أو غرامي. ولكنْ على رغم تأكيده لي مرّات عديدة بأنّه يحبني وتخلّى عن حياته السابقة، إلّا أنّ لهفتي تجاهه وخوفي المستمر من خسارته جعلاني أخسره فعلاً.
فلم أتمكّن من ضبط مخاوفي وأصبحت أطارده طوال الوقت متوَجّسةً بأنه يخونني وبأنّه قد يتعرّف إلى أخرى في أيّ وقت فتأخذه منّي. كنتُ أذهب إلى مكان عملِه لأتأكّد من أنّه فعلاً موجود هناك وأراقب سيارته لأتأكّد من أنّها مركونة أمام منزله في الليل». وتضيف لينا بحزن: «هذا الخوف المرَضي جعله يَنفر منّي ويَرحل».
ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الزوجة قد تضبط غيرتَها العمياء خوفاً من خسارته. فقد تعي بعد افتعالها المشاكل لكسب المزيد من اهتمامه أنّه بات يَنفر منها أو يصَعّد من تصرّفاته التي تثير غيرتَها بدل التوقّف عنها، ما يَدفعها إلى تجنّب مواجهته مرّة أخرى. وتَكبتُ المرأة غيرتها أحياناً وتدرك أنّ «هذا الموجود» وأنّ إصرارها لنَيل المزيد من الاهتمام لن يوصلاها سوى إلى انهيار الأمور أكثر فأكثر.
هو يغار
أكّدت دراسة حديثة أنّ الرجل يغار بقدر ما تغار المرأة، ولكنّه يعبّر بطريقة مختلفة. فهو لا يفتّش في أغراضها عن أدلّة تدينها، بل يرى في طريقة لباسِها وإبرازها لنفسِها ما يثير غيرتَه، فيبدأ بإعطائها الملاحظات حول مظهرها أو بعض تصرّفاتها الجريئة. ويصل إلى اتهامها أو حتّى تجريمها، ويمكن أن تتحوّل غيرته هذه إلى هوَس. وتتجلى غيرة الرجل من خلال السيطرة.
يكشف جهاد لـ«الجمهورية» وهو موظف في أحد المصارف، تخطّى الأربعين من عمره، بأنّه كان يهوى الإيقاع بالنساء في صباه. ولكنّه اختار له فتاةً وفيّة ومحتشمة بلباسها وتصرّفاتها فتزوّجَها وتوقف عن عيش المغامرات.
ويوضح «إذا ما رأيتُها تتكلّم مع أحد الرجال باهتمام أشعر بغيرةٍ شديدة وأتشاجر معها». يعبّر معظم الرجال أصحابُ المغامرات العاطفية الكثيرة والعابرة في ماضيهم عن غيرة كبيرة تجاه زوجاتهم. في هذا الإطار يؤكّد المحلل النفسي الفرنسي جان بيار وينتر أنّ هذا الرجل «يتّهم الزوجة برغباته الخاصة.
فبالنسبة له توازي الخيانة الفكرية الخيانةَ الفعلية. هو يشعر بالذنب ويَقمع رغبته بخيانتها ويغار ويتّهمها في المقابل بالرغبة بخيانته». وقد تحدّثَ عالم النفس الشهير فرويد عن هذه الغيرة في كتابه Névrose, psychose et perversion.
تخطّي الغيرة
يؤكّد المعالج النفسي الفرنسي لقضايا الأزواج جيرار لولو أنّ «شعور أحد الأزواج بالغيرة قد يكسرالروتين، ولكنّ فرط الغيرة يتعِس الذات والآخر». ويقدّم لولو نصائح للأزواج تساعدهم في تخطّي الغيرة الشديدة لديهم.
ويعتبر أنّه بهَدف محاربة الغيرة يجب محاربة الأسباب التي تَجعلنا نغار، ومنها:
أوّلاً: عدم تقدير الذات ونقص الثقة بالنفس، ما يجعل الغيور يشعر بأنّه لا يساوي كثيراً ولا يتمتّع بمزايا كافية لجذبِ الآخر وإبقائه. فكلّما اقترب أحد من حبيب الغيور وتحدّث معه أو ابتسم له، يُخيّل للغيور أنّه قد يكون أكثر حنكةً منه وأقوى في إطار جذب الشريك وحتّى أخذِه. لذا يجب أن نبنيَ أنفسَنا ونعمل على تقوية شخصيتِنا وتقدير مزايانا سبيلاً لتخطّي الغيرة. ويمكن للشخص الغيور جداً طلبُ المساعدة من أختصاصي يساعده في زيادة ثقته بنفسه.
ثانياً: للتخلّص من الغيرة يجب على الشخص أن يأخذ بعين الاعتبار أنّه كبير وناضج بما فيه الكفاية. ومن الطبيعي بالنسبة لطفل لم يتجاوز الثلاث سنوات أن يخاف من أن يُترَك، وينتظر من أمّه أن تعتني به وتمنحَه الوقت وتحيطه بالحنان.
فولد متروك هو ولد ضائع. لكن عندما يصبح الشخص في العشرين أو الثلاثين من العمر يكون خوفه من أن يُترك غيرَ مبرّر. فبإمكانه المدافعة عن نفسه وتخطّي ترك أحدهم له وحتّى إيجاد شريك آخر.
ثالثاً: يدفعنا الحبّ إلى الكِبر على صعيد العواطف.
وعلى كلّ شخص أن يدرك أنّ الحب ليس مشروطاً: أحبّك لأنك تحبّني. فمن علامات النضوج في الحب تَقبُّل أن نحبّ الآخر من دون مقابل، وأن نترك له حرّيته. فلا يمكننا أن نضعَ شخصاً «في قفص» لأننا نحبّه، وبوضعِه «في قفص» لن يسعى إلّا إلى الخروج والهرب.
يُذكَر أنّ الغيرة بحسب محلّلين نفسيين وجهٌ من وجوه الحب المطلوبة لأنّها تضفي الحب على الحياة الزوجية. لكنّها عندما تتجاوز حدودها الطبيعية تتحوّل إلى شكّ وتوَلّد ثغرةً كبيرة بين الطرفين قد تودي بحياتهما المشتركة إلى الهاوية. فالزواج لا يقوم بين أشواك الشكّ، والحوارُ الهادئ هو أساس بعثِ الثقة والطمأنينة، بالإضافة إلى العمل على استعادة الثقة بالنفس.