#adsense

سجون وساحات – سميرة عزيز صالح: كان عزيز حلماً جميلاً في حياتي

حجم الخط

قبل 10 أعوام و5 أشهر استشهد عزيز في ضهر العين مع قريبه طوني عيسى وانتهى حلم سميرة. “عزيز كان حلماً جميلاً، هكذا توصّف الزوجة واقعها اليوم بلا عزيز و”حنّية” عزيز وهدوء عزيز وحب عزيز لها الذي بدأ في حرب الجبل وأزهرت براعمه على رغم حرب المحاكمات والاتهامات والسجن في وزارة الدفاع. سميرة ما زالت تتنشق عطر عزيز ليكون الصباح ولتستمد من ذكراه نبض القلب والقدرة على انتظار موعد اللقاء الجديد.

في بيت عزيز وسميرة صور عروسين يكبر حبهما وسع المسافات بين السماء والأرض. وحدها تستقبلك بأبهى حلّة لتحكي قصة العريس وبطولاته الهادئة، قصة “قواتي” ألصقت به تهمة المشاركة في إغتيال الرئيس رشيد كرامي فقط لأنه كان إداريًا في جهاز الأمن في “القوات اللبنانية” إبان الحرب. وبعد جلجلة وصلب وتعذيب… كانت براءة وقيامة مع يسوع المسيح ووالدته مريم التي نذر لها العمر لتُبلسم جراحه وتخفّف آلامه وهو في السجن بلا ذنب.

في هذه السطور تروي سميرة قصتها مع عزيز الذي إغتيل مرتين ليحيا… في قلبها. 

سميرة خوري صبية من كفرقطرة التحقت بمركز “القوات اللبنانية” في البلدة عندما علمت أن “القوات” تطوّع فتيات في سلاح الإشارة، فخضعت لدورة إشارة وحلّت في المرتبة الأولى. المفاجأة الكبرى كانت لوالدها الذي غافلته وهو في عمله وخرجت من البيت والتحقت بالقيادة في رويسة النعمان فهو كان رافضًا انخراطها في صفوف المقاومة لا لأنه لا يؤيدها بل لأن سميرة تخجل أن تأكل في البيت فكيف ستتأقلم مع حياة العسكر؟ هناك تعرفت على عزيز الذي أرسل من القيادة في عين تراز لتوصيلها مع رفيقة لها الى كفرقطرة. أحبته من النظرة الأولى لوسامته ولباقته والأهم لأنه يحب السرعة في القيادة، وهي كذلك. تضحك كثيرًا وتروي، قال لنا “بتروحوا معي على دير القمر وأنا وراجع بردكن عالبيت؟ فقلت له فورًا “أنا بروح”! ومذاك إذا لم يكن عزيز الذي سيُقلّنا الى البيت أبدّل رأيي ولا أخرج من الثكنة”!

تعود اليها صور الماضي وتلمع عيناها فرحًا. تكمل، “مع حرب الجبل تهجّرنا الى دير القمر وعشنا حصار المئة يوم، وبعد وصول الحكيم وإخراجنا من الجبل تفرّقنا في بيروت. بعد مدة فتّش عليَّ عزيز بطلب من القيادة والتحقنا بثكنة قرب القطارة في بلدة رام”، حيث بدأت قصة الحب تكبر لتستمر 10 أعوام ويتزوج الرفيقان في العام 1993 بعد ليلة عيد الذكارى أو السكارى وليمازحها طيلة العمر معاً “لو ما كنت سكران ما كنت تجوزت”؟ تضحك سميرة وتتذكّر كم كان عزيز “هنياً” يحب الحياة والموسيقى والرقص والسهر… وتكمل “كنت كلما عصّبت يقلي ليش معصّبي كل شي بينحل المهم صحتك منيحة! كان الحق معو كل مشكلة الها حل الا الصحة…” وتغرق بالدمع عندما تتذكر من جديد أن خسارتها عزيز لم ولن تعوّض.

بعد انتهاء الحرب ودخول “القوات اللبنانية” في مشروع بناء الدولة كحزب سياسي سافر عزيز للعمل في الخارج بغية تسديد بعض الديون التي تراكمت عليه بعد الزواج، لكن لم يمضِ أكثر من بضعة أشهر حتى قرّر العودة. سميرة تمنّت عليه أن يتريث لأن دولة الوصاية آنذاك كانت بدأت باعتقال بعض الرفاق أما هو فكان رده “ليش يا سميرة بدي خاف وما إجي أنا مش عامل شي تيكمشوني”.

عاد عزيز الى بيته في مشروع “القوات” في ضبيه الذي تحوّل مسرحاً للمداهمات بعد حادثة تفجير كنيسة سيدة النجاة. فاضطر الزوجان لترك البيت خوفاً من تلفيق تهمة ما في حقهما كما حصل مع كثر من الرفاق. بعد عامين وفي 25 حزيران 1996 كانا في بيت ذوي عزيز في ضهر العين بعدما إعتقدا أن عهد الإضطهاد قد ولّى، إلا أن قوة من مخابرات الجيش وصلت وإعتقلته. بعد شهر من التفتيش عنه عرفت سميرة وأهل عزيز أنه موقوف في وزارة الدفاع. تتذكر هنا جلجلة الاعتقال وتقول: “كنا نزوره أنا ووالداه لكن كان يسمح لشخص واحد فقط بمواجهته فكنا نتداور أسبوعياً على رؤيته من خلف الزجاج… عزيز الشاب الطويل المتجسّم صار بعد أسابيع أضعف مني وأقصر مني… ولا كأنو عزيز. أول مرة طلعت لعندو، شفتو لابس قميص كم طويلة وغريبة مش إلو، وهو بيشوّب كتير وبيحب الشتي ما بيطيق الصيف، سألتو “لمين هالقميص ومش مشوّب”؟ عزيز ما رد، وأنا وراجعة عالبيت فكرت كيف بسألو هالسؤال، أكيد ما كان بدو يخليني شوف شو عاملين فيه من الضرب.

أنا كنت لما آخدلو تياب وشراشف رش عليهن Parfum حتى يشم ريحة حلوة، ريحة البيت، هودي رايحين عند عزيز… (تختنق، تخنق دموعها وتكمل الرواية بابتسامة). كنا نلتقي فوق بستريدا وزوجة رفيق سعادة وخيو وزوجة طوني الشدياق وأهل الحكيم بالطبع، ونحكي عن القهر اللي جامعنا. عمة عزيز كانت تصرّ على زيارته، وكنت كل مرّة أقول لها ان من الأفضل الا تراه هكذا لأنها كانت تحبه كثيرًا. مع ذلك أصرّت فحصلنا لها على إذن ودخلت معنا الى المواجهة. عندما دخل عزيز بقيت في مكانها فقلت لها “شو بكي ليش ما سلمت على عزيز” فردت “تيجي عزيز، مش ممكن حدا يقنعني هيدا عزيز…”! كانت تنتظر أن ترى شابًا يزن 110 كيلو فوجدت رجلاً هزيلاً لم يبق منه إلا 60 كيلو”!!

“عزيز كان يحب السمكة الحرّة كنت قوم الساعة 3 الصبح وأشويا وأعملا تياكلا طازة. بس أخلص حضر حالي لنمشي الساعة 7 من الشمال لنوصل عالعدلية ونقعد مرات ساعتين ثلاثة تيتحنّنوا علينا ويعطونا إذن المواجهة ونطلع عالوزارة. كان الدكتور سليمان لبّس والاستاذ عبدو أبو طايع يضلّو يقولولي تحضّري انت كمان ما بتعرفي اي يوم ممكن يطلبوك. كانوا عم ياخدو كل عناصر جهاز الأمن. منشان هيك كنت ما صدق اني طلعت وشفت عزيز، بس ما صدق كمان اني فليت من عندو وما اعتقلوني انا كمان. بقي هيدا الخوف مرافقني حتى أعطيت شهادتي بالمجلس العدلي. من بعدا قويت، قبل كنت خاف، حسيت إنو خلص مرق القطوع”.

سميرة تعود وتشكر الرب أنها كانت محظوظة ولم تسجن زوراً كما فعلوا بأنطوانيت شاهين!

تكمل الرواية “يوم جلسة النطق بالحكم لم يكن عزيز في الجلسة بالطبع، والدكتور لبّس بجوّ الحكم بالبراءة، وأنا كنت متأكدة أن حكم البراءة سيصدر. بدأ القاضي بتلاوة الحكم، كنت أسمعه وأنا أصلي في الوقت نفسه. في اللحظة التي قال فيها القاضي “ونعلن البراءة لعزيز صالح” تركت القاعة وركضت من الطابق الرابع الى المدخل وقلت للعسكري “عطيني سلوليري عمول معروف” هنا كنت استمديت القوة من براءة عزيز، ورحت أتصل بالجميع وأصرخ “عزيز براءة، عزيز طلع براءة…” في هذا الوقت كان الجميع يستمع لوقائع المحاكمة عبر “لبنان الحرّ”.

بعد انتهاء الجلسة توجهنا انا وزوجة طوني شدياق الذي برّئ أيضًا والمحامين الى وزارة الدفاع لإتمام معاملة اطلاق سراحهما. سألوا عزيز “مين بتحب يجيبك من جوا المحامي ولا سميرة” قلن “أكيد سميرة” فدخلت للمرة الأخيرة عالسجن لجوا ونطرتو بغرفة. خفت لأنه تأخر، كان في الغرفة ضابط ينظر الي من وقت الى آخر ويعقد حاجبيه وفي فمه كلام. الى أن نطق وقال “تاني مرة ما تكذبي” فأجبت “أنا ما كذبت ولا بكذب كل اللي بعرفو حكيتو وهيدي الحقيقة” فصرخ “أنا مش عم أحكيكي تتردّي! سكتي” فقلت في نفسي “الهيئة عزيز رح يطلع من الحبس وأنا باقية هون” وتعود لتضحك كثيرًا لأن شرّ البلية ما يضحك!

لحظة خرجنا من الوزارة كان عزيز يركض مسرعًا كأنه يحاول أن يطير من سجنه. كان يوم 25 حزيران 1999، ثلاث سنوات في السجن بالتمام.

على الطريق الى الشمال مررنا بكنيسة سانت ريتا في سن الفيل وسيدة لبنان في حريصا لنفي نذورنا. ولم ندخل البيت في ضهر العين قبل أن يزور مار شربل في بقاعكفرا وسيدة بزعون التي يحبها عزيز كثيرًا. في ضهر العين كان استقبال المحبين لا يوصف، البقلاوة والشمبانيا… واستمر يتقبّل التهاني أياماً طويلة، نشكر الله على محبة الناس.

“مرة كنا بالسيارة قلتلو عزيز فيي إسألك سؤال؟ قلي سميرة بعرف شو بدك تسألي وأنا تعبت من الأسئلة. نشكر الله إني طلعت وصحتي منيحة. ودوّر غنية ملحم بركات “تعا ننسى تعا ننسى” وقلي “تعي ننسى”. هلأ بقول يا ريتو بعدو بالحبس وما راح. عالقليلة قبل كنت أطلع وشوفو”.

تتابع سميرة: “بعد خروجه من السجن بدأنا حياة جديدة فأسس عزيز عملاً جديداً في تجارة السيارات وعدنا الى بيتنا في المشروع في ضبيه. بعد مدة بدأت العمل في المشروع وتسلمت السنترال والفواتير وكل الأمور الإدارية. فصار عزيز يذهب يومياً الى عمله في ضهر العين وأنا في عملي أيضاً قرب البيت. عندما كان يعود في المساء كنا نخرج للسهر لأنه يحب الحياة ولا يحب النوم، وعندما كنت أقول له “يا عزيز لازم ننتبه شوي عالمصروف” كان يضحك ويرد “أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب” الآن أقول نشكر الله انو كنا نروح ونسهر هو ياهن اللي عشناهن…”.

الى أن كان يوم الجمعة 1 تموز من العام 2005، شربنا القهوة صباحًا، ثم بدأنا نتحضر للخروج كل الى عمله. قبل أن أخرج كنت أحاول نزع ورقة الروزنامة ليوم جديد فلم أجد تاريخ 1 تموز، كان هناك 30 حزيران و2 تموز فقط! فصرخت لإخبره وهو بهدوئه المعتاد قال “شو عليّ بيكون صار غلط”! أوصلني الى المكتب ووقف يتكلم مع أحد الشباب، أنا وقفت أنتظره عند شرفة المكتب. لا أنسى شعوري تلك اللحظة عندما إنطلقت سيارته وغابت عن نظري، أحسست أن شيئاً من روحي غاب. لم أدرك في تلك الثواني ما سرّ ذاك الإحساس. دخلت الى العمل وقلبي مقبوض، معصبة وتعبانة… الساعة أربعة إلا تلت اتصل بي عزيز من بيت أهلو وقلي عم اتغدا، فقلت له “ما تتأخر” لأننا كنا مدعوين على العشاء، فقال لي “ما تعتلي هم كوني انت حاضرة بكير بوصل ومنضل ماشيين، رح إنزل جيب حلو من طرابلس” قلت له فوراً “ما تنزل بالليل ع طرابلس منجيب من هون”. كنت سعيدة لأنه أطال الحديث معي فبالعادة هو لا يطيل الكلام فصرخ ضاحكاً “عم قول شو صاير يا عمي طوّلت الحكي، يللا هلأ بشوفك بخاطرك”. عند السادسة عدت الى بيتي، وعند الثامنة سمعت في نشرة الأخبار عن حادثة إطلاق نار في ضهر العين وإصابة عزيز عيسى وطوني صالح، هكذا أذيع اسماهما يومها، فصرخت “يا عدرااا” وطلع صهري بوجي فسألته أن يأخذني الى الشمال. كان بـ”الفان” أتى مع أختي ليعطيني الكبّة النية التي أوصيته عليها لأن عزيز يحبها، فانطلقنا في طريقنا الى مستشفى الهيكلية حيث نقل إليها وأجريت له عملية لإنقاذه كما قالوا لي. رأيت موجاً من الناس أمام المستشفى، في الداخل أهل عزيز والأقارب .. بعد قليل وصل استاذ إيلي كيروز، حاول ان يهدِّئني. وفيما الممرضة تحاول أن تشكني إبرة مهدئ للأعصاب… سمعت في الصالون أحدهم يقول “إسألوا سميرة أيّا قياس بيلبس عزيز…” عرفت في تلك اللحظة أن كل شيء إنتهى. كان عزيز حلماً في حياتي، لا كلام يمكن أن يصف طيبة عزيز ورجولته وحبه الكبير”.

لا تنتهي القصص التي ترويها سميرة لتقول أن عزيز لم يكن ليؤذي نملة حتى، “كنت إذا دعست نملة أمام الباب يقول لي: شو بدك فيها تركيها ما عملتلك شي”! وتكمل “لذلك أنا متأكدة أن عزيز لم يؤذِ أحداً في حياته ولا أنتظر إلا عدالة السماء”.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل