
تحالفت السَّمسرات مع الصَّفقات السَّوداء في لبنان لتخنق بوادر دخان أبيض مجبول بأحلام المواطنين. امتلأ فراغ الاستحقاقات الدُّستوريَّة بأطنان ملفَّات الفساد.
مبدأ قيام الدَّولة ضُرب، مفهوم الاستقلال اختُرق، الجمهوريَّة تحوَّلت إلى جمهور والقوانين عليها السَّلام. بات “وطن الرِّسالة” يحتاج من جديد إلى مار يوحنَّا بولس الثَّاني علَّه يتمكَّن من إعادة لهذا الوطن رسالته.
تحرَّك الحراك المدنيّ ليصطدم بحائط الشِّعارات الكثيرة حيث لم تجد المجموعات لنفسها آليَّة عمل موحَّدة تنطلق من خلالها. انتفض بعض الوزراء على الدَّولة وحمَّلوها مسؤوليَّة التَّقاعس عن حلِّ أزمة النّفايات ليكتشفوا بأنَّهم جزء من هذه الدَّولة. نقف اليوم أمام هذا الواقع العجوز لننفض بنظرتنا الشَّابة الغبار عن ترهُّل ضرب مفاهيم الحكم في لبنان.
لقد تحوَّل هذا البلد الصَّغير إلى مصنعٍ للفساد بجميع أشكاله وألوانه. إنَّ محاربة الفساد لا يمكن أن تكون انتقائيَّة موسميَّة، بل هي نهج حياة كامل مستمرّ. من هنا، لا بدَّ لنا من تزكية مصلحة البلاد على المصالح الشخصيَّة، لا بدَّ من الوفاء للنضال المشترك عوضًا عن المجاهرة بالأجندات الخاصَّة، لا بدَّ من المحافظة على دم الشُّهداء الذِّين ارتوت مبادئ ثورة الأرز من دمائهم كي تحيا ويحيا لبنان. لا بدَّ من تطهير مؤسَّسات الدَّولة اللبنانيَّة من منطق الرَّشاوى، وعدم مداومة الموظَّفين وتغليب المحاصصات في التَّوظيف على مبدأ الكفاءة.
نقف اليوم جميعاً أمام أطروحات لتوصيف الوضع السَّائد في لبنان من دون القيام بمبادرات فعليَّة من أجل ضرب ذهنيَّة الفساد.
من هذا المنطلق، لا بدَّ لنا من مراجعة ذاتيَّة دقيقة، نغوص من خلالها في إحصاء حول عدد المخالفات اليوميَّة التِّي نقوم بها جميعًا من أجل تسهيل معاملاتنا وتسريعها، في رضوخنا لحلول مجتزئة خوفًا من تسمية الأمور بأسمائها، ومن خيانتنا لمبادئنا وقيمنا. إنَّ الحلّ الجذري لهذه الآفة التِّي تنخر المجتمع هو أوَّلًا عبر انتخاب رئيس للجمهوريَّة يحظى أوَّلًا بغطاء مسيحي يتبعه غطاء وطني، لا أن تكون الوعود والشُّروط الدَّافع وراء الاختيار. فعمليَّة النُّهوض بالمجتمع يجب أن تستتبع بإقرار الحكومة الإلكترونيَّة وتطبيق اللَّامركزيَّة الإداريَّة الموسَّعة اللذين ينزعان فتيل التَّسويات والاتجار بالمواطنين.
إنَّنا اليوم أمام منزلق خطير حيث تحوَّل الفساد إلى نمط حياة اعتاد المواطن اللبنانيّ على قبوله والتَّعايش معه. إنَّ هذا الوضع الشَّاذ يحتاج إلى وقفة ضمير فعليَّة وإلى العمل على بناء مفهوم الدَّولة وقيم المؤسَّسات.
رئيس مصلحة الطلاب في “القوات” جاد دميان