
لعل أبرز ما سجلته الأسابيع الثلاثة الاخيرة من انعدام للتوازن في التحالفات وضبابية في المواقف وخلط اوراق في الاصطفافات، حيال ما اصطلح على تسميته بالتسوية الرئاسية سلسلة من العبر التي يمكن استخلاص بعضها وفق الاتي :
اولاً: فشل معادلة انتقاء المرشحين من بين الأقطاب الموارنة الأربعة، فالتجربة الحية أثبتت بما لا يقبل الشك أن ما طرح في لقاء الاقطاب في بكركي منذ اشهر، جاء ناقصاً ان لم يكن خاطئاً، لأن المهم ليس في حصر الترشيحات للرئاسة بين الأقطاب الأربعة بقدر ما المهم أن يضع كل قطب سقفاً لتنازلاته ان هو اختير ليكون مرشحاً لرئاسة الجمهورية، ولا شك أن كل قطب مرشح يبقى بالنتيجة ملتزماً سياسات ونظرة فريقه السياسي على صعيد أي لبنان نريد وكيف نريد هذا اللبنان واي دور له يمكن الاتفاق عليه، وهما اهم نقطتين يدور حولهما الخلاف الوطني والاصطفاف العامودي بين 8 و14 اذار منذ اكثر من عشر سنوات. فالمواضيع الأخرى تكاد تكون كلها موضع اجماع لدى أي مرشح الى اي فريق انتمى كالنهوض بالاقتصاد والاوضاع المعيشية والاجتماعية ومواجهة الفساد الى ما هنالك من ملفات ساخنة وعالقة، فالملفين الخلافيين الذين يهمان الأفرقاء السياسيين هما الذين لم يحصل توافق على كيفية تدوير الزوايا بشأنهما، ان وصل اي منهم ( الاقطاب اربعة ) الى السدة الاولى، ولذلك لم يكن كافياً في بكركي أن يحصر الترشيح للرئاسة بهؤلاء الاقطاب الاربعة ما لم يستتبع ذلك تحديد سقف البرنامج الرئاسي الذي يمكن على ضوئه لهذا او ذاك من المرشحين الاستحصال على شبه اجماع او تواق شبه اكثري للترشح .
ثانياً: ما حصل دلنا بوضوح الى حقيقة ان رغم كل الاصطفافات الوطنية الطابع والعابرة للطوائف والمناطق يبقى هذا الاصطفاف اسير العصبية المذهبية والطائفية عند ادنى سؤ تفاهم او اختلاف، حيث لا يلبث من يتكلم وطنياً وسيادياً أن يعود الى قمقمه المذهبي للدفاع عن موقف زعيم من هنا او نهج سياسي من هناك، ولو ادى ذلك الى انفراط عقد او خلط تحالفات او اصطفافات، ما يعني ان البعض ليس الى الان في مواقفه وقناعاته الذاتية على قدر الترفع الى مستوى النظرة الجامعة ليس الى ما يلائم فريق بل الى ما يلائم الوطن بمكوناته وشرائحه بدأ من الحليف القريب. فالانفعالية والمناصرة العمياء ونقل القناعات من كتف الى كتف لضرورات اللحظة والولاء لزعيم او مسؤول سياسيلا يمكن أن تبني على المدى البعيد تحالفات ثابتة ونهائية وراسخة، ان لم يدرك كل فريق ضمن اي تحالف هواجس ومتطلبات واحتياجات الفريق الاخر، فكيف بالحري إن كان الفريق الاخر رفيق الدم والنضال والمصير. فالتجربة دلت على هذا الصعيد انه وبقدر ما هي بعض التحالفات بظاهرها قوية ومتينة بقدر ما هي في باطنها بحاجة الى تدعيم وتحصين وتوحيد لتجنب التفرد والافتراق والدعسات الناقصة التي قد تتجاوز احياناً المنطق والمفهوم والمقبول .
ثالثاً: إن ما جرى خلال الأسابيع الثلاثة الاخيرة يحمل في طياته اكثر من تساؤل حول حقيقة ما اذا كانت طبخة الرئاسة قد نضجت فعلاً ام لا ولو انه انقضى عليها زمن طويل.
فموقف “حزب الله” الفريق الاكثر ارتياحاً الى الفراغ الرئاسي في هذه المرحلة، لا يجد في استمرار دعمه ترشيح النائب العماد ميشال عون الا تقاطعاً لمصالحه مع مصلحة الاخير، اذ برفض الحزب تأييد المرشح سليمان فرنجيه حليفه وحليف العماد عون – وعضو تكتله – انما يرفض اي خروج للرئاسة الأولى من عمق ازمة فراغه، طبعاً من دون ان ننسى لعبة المصالح الشخصية ايضاً والتي تجد صداها اكثر في التنافس الذي تحول كذلك بين الحليفين “اللدودين” عون وفرنجيه .
وقد لا نذيع سراً ان قلنا ان مأل العلاقة بين الرجلين اثر التسوية الرئاسية لم يكن ليصل الى هذا الحد من التبدل لولا رغبة لدى الرئيس نبيه بري في التحرر ضمنياً من الزامية تأييد العماد عون كمرشح 8 اذار الاوحد، تماشياً مع رغبة حليفه “حزب الله”، وقد ساهم اندفاع الوزير وليد جنبلاط في مكان ما على محاولة تحقيق نوع من “انقلاب ابيض” متعدد الاهداف على حصرية ترشيح النائب عون ضمن فريق 8 اذار بالدفع الى اطلاق ترشيح فرنجية وتسويقه في اذكاء التحفظات المبدئية التي تتحكم بالعلاقة بين الرابية وعين التينة .
لكن يبقى ان تجربة التسوية الرئاسية الاخيرة قد اثبتت بنهاية المطاف ان المهم لم يعد في التوافق على مرشح بقدر ما بات المهم التوافق على اي مرشح ولاي مشروع، وهنا البيت القصيد، إذ من الآن وصاعداً لابد من النظر الى مرشحين من خارج حلبة الاقطاب …
