
أين أخطأ رئيس تيار “المردة” النائب والوزير السابق سليمان فرنجية في سلوك الطريق نحو قصر بعبدا؟ كيف بدأت قصة التسوية أو الفرصة التي رسمت أمامه؟ وكيف انتهت؟ هل مل الإنتظار كمرشح محتمل؟ هل حاول تجاوز العماد ميشال عون رئيس تكتل التغيير والإصلاح الذي هو عضو فيه؟ هل تسرّع ووقّع في التجربة؟ من شجعه على هذه المغامرة غير المحسوبة النتائج؟ وهل خاض معركته الخاصة أم معركة “حزب الله” من وراء الستار؟ وأي طريق أخرى كان عليه أن يسلك نحو القصر الذي عرفه طفلاً أيام حكم جده الرئيس وعاد إليه نائباً ووزيراً في العام 1993 بعد انتخابات العام 1992 التي كانت التحدي الأكبر للمقاطعة المسيحية الشاملة؟ وهل خسر فرنجية بعد هذه المقاطعة المسيحية الشاملة لطرحه مرشحاً للرئاسة؟
من الطبيعي أن يعتبر فرنجية نفسه مرشحاً للرئاسة. ومن حقه أن يسعى لذلك. ولكنه دائماً كان يتصرف ويعلن أن الأولوية هي للعماد ميشال عون وأنه لن يتخطاه قبل أن يعلن الجنرال نفسه عزوفه عن خوض غمار المعركة وأن حظوظه في ظل الظروف التي يمر فيها لبنان وسوريا هي إما تكون صفر أو تكون مئة في المئة وكان لا يزال يتصرف على أساس أنها صفر. طبعاً كان فرنجية يربط بين هذه النسب وبين ما يحصل في سوريا: إذا انهار النظام كلياً تبقى حظوظه صفراً وإذا انتصر يصبح هو الرئيس حتماً. وفي ظل هذه المعادلة بقيت أحلام الرئاسة تدغدغه ولكن من دون أن يستسلم للحلم بقي يتصرف بواقعية.
فجأة حصل ما لم يكن في الحسبان. وقرر فرنجية أن ينتقل من الواقع إلى الحلم. عندما تسرب أن النائب وليد جنبلاط قال في لقاء لشخصيات من الحركة الوطنية في منزل توفيق سلطان “أنه يفضل أن يكون سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية لأن ما في قلبه على رأس لسانه” اعتقد كثيرون أن في الأمر مزحة من رئيس الحزب “التقدمي الإشتراكي”. ولكن فرنجية تعاطى مع الموضوع وكأنه ترشيح جدي وأكثر من الشكر لزعيم المختارة معتبراً هذا الترشيح “دينة برقبتي” إلى درجة اعتبر معها كثيرون أن فرنجية ذهب أكثر مما يجب في شكر جنبلاط الذي لم تجمعه به سابقاً إلا علاقات سيئة لم يكن يوفره فيها جنبلاط من انتقاداته اللاذعة.
بعد أيام على هذه الواقعات كان فرنجية يلتقي الرئيس سعد الحريري في باريس.
الإثنان أرادا أن يبقى اللقاء سرياً. ولكن أيضاً حصل ما لم يكن في الحسبان. دخل الحريري إلى الفندق المتفق عليه من مدخل خاص ودخل فرنجية من مدخل آخر للتمويه ولكن أكثر من طرف كان مستعداً لتسريب الخبر الذي أحدث صدمة في عدد كبير من الأوساط السياسية التي اعتبرت أنه تم تجاوزها في الشكل قبل أن يتحول اللقاء إلى ما يمكن تسميته مبادرة أو تسوية أو فرصة للأزمة الرئاسية.
تقول المعلومات المتعلقة بهذا الأمر إن فرنجية أطلع مسبقاً “حزب الله” على ما سيقدم عليه وأن الحزب أصلاً كان في أجواء ما سيعرض على فرنجية لأن المداولات شملت رئيس النظام السوري أيضاً. ففرنجية قطب من أقطاب 8 آذار وليس حليفاً أو متدخلاً في التحالف. نصحه الحزب بأن يذهب إلى اللقاء لجس النبض والوقوف على حقيقة ما يعرضه الحريري عليه من دون أن يتعهد بشيء.
من الطرف الآخر كان الرئيس سعد الحريري وقبل خمسة أشهر تقريباً فكر بموضوع ترشيح فرنجية بعدما وصلت عملية محاولة الإتفاق مع العماد ميشال عون إلى الطريق المسدودة. ولكن الأمر لم يلق قبولاً لا لدى “القوات اللبنانية” ولا لدى المملكة العربية السعودية لذلك بقي مجرد فكرة. قبل شهر أو شهرين بدأت تسري بين بعض السفراء نظرية الخوف على الإستقرار الأمني وأنه لا يمكن أن يستمر هذا الإستقرار الهش من دون تأمين الإستقرار السياسي من خلال انتخاب رئيس للجمهورية وعلى هذا الأساس عادت الحيوية إلى طرح فرنجية. استطلع الرئيس سعد الحريري الأجواء السعودية ولاقت الفكرة قبولاً في البداية ولكن على أساس أن لا يتم تجاوز التوافق المسيحي. ولذلك انطلقت العملية في ظل تحفظين أو موافقتين مشروطتين من “حزب الله” ومن المملكة. عندما تسرب خبر اللقاء جرت محاولة التقدم بسرعة ولكن المحاولة اصطدمت بسلسلة من الإعتراضات.
بحسب المعلومات أن فرنجية لم يعط تعهداً كاملاً بأن يكون الرئيس سعد الحريري رئيساً للحكومة طيلة سنوات عهده الست ولم يتعهد بأي قانون للإنتخابات لأنه يرتبط بمواقف الكتل النيابية واعداً بالفصل بين علاقته الشخصية برئيس النظام السوري بشار الأسد وبين علاقته الرسمية كرئيس للجمهورية. خلال يومين أو ثلاثة فقط كانت التسوية تترنح. عارضت “القوات اللبنانية”. تمسك العماد عون بترشيحه. تريث “حزب الله”. تم توضيح المسألة للمملكة العربية السعودية فتبدل الموقف من المباركة إلى التحفظ بانتظار تأمين التوافق المسيحي. حتى السفراء الأجانب الذين كانوا يسعون إلى هذه الخطوة أعادوا النظر بمواقفهم إلى حد أن أحدهم أبلغ أن بلاده ضدها “ولكن لا تنتظروا منا أن نعلن ذلك”. أكثر من ذلك. قالت المعلومات أيضاً أن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند المشغول بالإنتخابات الفرنسية قال للنائب فرنجية خلال الإتصال الهاتفي الذي أجراه معه بعدما كان استقبل الرئيس سعد الحريري أن عليه أن يؤمن الإجماع المسيحي أولاً.
ربما كان هذا هو الخطأ الأساسي الذي ارتكبه النائب فرنجية. بحسب المعلومات لم يكن هناك توافق بين “الأقطاب” الأربعة الذين التقوا في بكركي على حصر المنافسة بينهم وعلى تأييد الشخص الذي يستطيع أن يؤمن تأييد الأكثرية. فالعماد عون كان طرح حصر المنافسة بينه وبين الدكتور جعجع والدكتور جعجع كان طرح الإتفاق على مرشح توافقي. وبالتالي تعتبر بعض الأوساط أنه كان على النائب سليمان فرنجية قبل أن يذهب إلى باريس أن يؤمن الإجماع المسيحي حوله وأن يحصل على تأييد بكركي والعماد ميشال عون والدكتور جعجع ليكون ترشيحه منطلقاً من قاعدة تمثيل الشارع المسيحي ليكون المرشح القوي. بدلاً من ذلك اختار أن يذهب إلى اللقاء وحيداً. وبعدما ارتكب غلطة باريس ذهب إلى غلطة ثانية عندما زار النائب وليد جنبلاط في منزله في كليمنصو ليعطي من حيث يدري أو لا يدري صورة وكأنه مرشح القيادات غير المسيحية وليعيد إلى الذاكرة الطريقة التي تم فيها اختيار الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود في ظل عهد الوصاية الذي كان هو أحد رموزه وأركانه. أكثر من ذلك ذهب فرنجية في اتجاه قصر بعبدا وهو يصر على تحالفه مع النظام السوري وعلى انتمائه لـ8 آذار متمسكاً بخياراته السابقة ولذلك لو كان يريد فعلاً أن يجتاز الطريق نحو القصر كان عليه أن يعلن تخليه عن هذه الشعارات من أجل أن يكون رئيساً وسطياً مقبولاً وحكماً لا فريقاً. وما عزز هذا الغلط خروج رموز عهد الوصاية للتبريك والتبشير بعودة النظام الأمني خصوصا مع إعلان النائب عاصم قانصوه عن “أسد في سوريا وشبل في لبنان” ضارباً بعرض الحائط محاولة تمرير انتخاب فرنجية.
لو بقي الرفض محصوراً بـ”القوات اللبنانية” لكانت المسألة أسهل على خرق الإعتراض ولكن الطريقة التي تم فيها الترشيح غير المكتمل حتى وحدة المسيحيين كلهم تقريباً ضده ولم توحد حلفاءه حوله. ولذلك كان لا بد من إعادة الحسابات. صار “حزب الله” يريد أن يعلن الرئيس الحريري ترشيح فرنجية رسمياً ليبني على الشيء مفتضاه. وصار على فرنجية أن يحصل على مباركة الحزب حتى يعلن الرئيس الحريري ترشيحه.
عندما تحدث الرئيس سعد الحريري مع الدكتور سمير جعجع هاتفياً للبحث في الموضوع كان هناك رفض مباشر للخطوة. ولكن الحديث بقي في إطار المجاملات وتخللته ممازحات وانتهى إلى اعتذار جعجع عن الذهاب إلى باريس لمتابعة البحث. وعندما أيقن “حزب الله” أن عقدة العماد عون لن تنحل آثر الإبتعاد عن التسوية مفضلاً أن يبقي على علاقته مع عون. في حساباته الإستراتيجية رأى الحزب أن وصول فرنجية إلى قصر بعبدا في ظل أجواء المعارضة المسيحية يكسبه رئيساً ويخسره ما معه من الشارع المسيحي من خلال ورقة التفاهم مع العماد عون. كان يريد فرنجية رئيساً ولكن مع شعبية عون وهذا ما لم يحصل.
هل انتهت التسوية؟ هل يمكن أن تتجدد بطريقة أخرى؟ هل المطلوب الوصول إلى الإختيار بين العماد عون أو النائب فرنجية؟ هل خلخلت التسوية الفاشلة أركان 8 و14 آذار؟
لقد نجحت في هز العلاقات بين أركان الطرفين. “حزب الله” سيحاول ترميم العلاقة بين العماد عون والنائب فرنجية. “القوات اللبنانية” حريصة على استمرار 14 آذار. الدكتور جعجع في عشاء القطاع العام في معراب يوم الجمعة 4 كانون الأول الحالي اختلى بالنائب جمال الجراح وكرر في أكثر من مناسبة حزبية حرصه أيضاً على العلاقة الجيدة مع الرئيس سعد الحريري مهما واجهته من صعوبات. ولكن في موضوع الإختيار فذلك بحث آخر والمسألة مفتوحة على احتمالات كثيرة لن تكون من ضمنها جلسة 16 كانون الأول.