#adsense

كنا هناك ــ نبيل وجوهرة: رفقة عمر ونضال

حجم الخط

هما من ضيعتين مختلفتين لكن ما جمعهما هو حبّهما وإيمانهما والتزامهما بالقضية الواحدة فكان التعارف في ثكنة ضبية في العام 1983. نبيل شلهوب وزوجته جوهرة مقاومان التزما بـ”القوّات اللبنانية” وبقضيتها كما بقائدها الدكتور سمير جعجع. حكاية عائلة مقاومة نسجاها معًا من دون خوف أو تردّد على رغم كل الصعوبات التي مرّا بها، حكاية ترويها الذكريات الجميلة والأليمة. من قضاء زغرتا وقضاء الكورة إلى ميفوق فضبية ترافقا وأكملا مسيرتهما معًا فأورثا ابنتيهما التزامهما بـ”القوّات اللبنانية”.

تخبر جوهرة أنها تهجرت من عين عكرين – قضاء الكورة كما الكثير من العائلات في أقضية الشمال. في العام 1978 أخرجنا والدي، شقيقاتي وأنا، من المنزل لأن السوريين كانوا يدخلون إلى البيوت للاعتداء على الفتيات والنساء، فكان القرار بتهريبنا. أذكر يومها أنني كنت في 16 من عمري، أوصلنا والدي إلى ضيعة شناطة وقال لنا بالحرف الواحد “دبروا حالكن، بتروحوا على ميفوق وبتسألو عن شاب اسمو سمير جعجع وبتلتحقو معو وشو ما بقول بتعملو”، بكل بساطة من دون أن يشرح لنا شيئاً ونحن لم نكن نعلم لا من هو سمير جعجع ولا ما هي “القوات اللبنانية” وما الذي كان يحدث. وهكذا كان، أوقفنا سيارة وتوجّهنا إلى ميفوق وعندما سألنا عن “الحكيم” وجدناه مع الرفاق في الدير، كان مسؤول منطقة الشمال فعرّفناه عن أنفسنا والتحقنا بثكنة ميفوق. منذ تلك اللحظة وأنا ملتزمة مع “القوّات اللبنانية” ولا زلت وسأبقى ملتزمة حتى آخر يوم في حياتي. كنت من الأوائل الذين انتسبوا وكان رقم بطاقتي 1 في مجموعة الشمال”.

أما بالنسبة لنبيل فيخبر أنه انتسب في البداية الى حزب “الكتائب”، “لأننا رأينا فيه حزباً كبيراً وجامعاً. تهجّرنا في المرّة الأولى في العام 1975 من ضيعتنا عشاش إلى ضيعة أردة في قضاء زغرتا وهناك تعرّفت إلى حزب “الكتائب” والتحقت بدورة أمز. لكنني منذ العام 1978 انتقلت إلى القطّارة والتحقت بـ”القوّات اللبنانية” ولا زلت الى اليوم منتمياً لهذا الحزب قلباً وعقلاً وروحاً ولكنني لم أتعرّف إلى سمير جعجع حتى العام 1980″.

 

التنقّل بين مراكز “القوّات”:

منذ التحاقها بـ”القوات” انضمّت جوهرة إلى سلاح الإشارة فانتقلت من ميفوق إلى القطّارة ثم خدمت في مركز بشعلة ومن هناك انتقلت إلى مركز ضبية وعلى الرغم من أنها تزوّجت وأنجبت فتاتين إلّا أنها بقيت في الخدمة، انتقلت بعدها إلى مركز الفيدار ثمّ مركز أوبرلي، ومنه إلى مبنى الأركان ثم إلى الصندوق الوطني. آخر يوم خدمة لجوهرة في “القوّات اللبنانية” كان يوم حُلَّ الحزب.

وتقول: “لم أعتبر يوماً عملي في مراكز “القوّات” بمثابة وظيفة أضع فيها شروطاً على القيادة بل كنت أقوم بالكثير من الأعمال داخل المركز. كنت أحمل شهادة في المعلوماتية وهذا ما ساعدني على العمل بالتدقيق بما يدخل من مواد إلى مؤسسة “القوّات”، كما عملت على أرشيف وثائق الحزب. لكن خدمتي لم تتوقف عند هذه الأعمال فكنت أغسل ثياب المقاتلين وأرتبها وأطهو لهم وأنظّف المركز وأغسل الصحون”.

وتضيف: “تركت منزل والدي في 16 من عمري والتحقت بـ”القوات”. كان سمير جعجع الأب والأخ والرفيق والحنون، تربّيت معه، كبرت معه وليس مع أهلي، تعلّمت منه الكثير، كل الصفات الجيدة أخذتها من الحكيم. لا يمكنني أن أخرج من “القوّات اللبنانية”، أنا أتنفس “قوّات”، هذا الحزب يجري في دمي. عند لقائنا الحكيم للمرّة الأولى في الأرز بعد خروجه من الاعتقال تأثّرت كثيراً، لم أصدّق عينيّ، غمرته من كل قلبي. تأثّرت لدرجة أنه أغمي عليّ وبقيت متوعكة يومين، لم أكن أصدّق أنهم سيتركونه يخرج حيّاً”.

التعارف والزواج:

عن تعارفهما في الثكنة وزواجهما يخبر نبيل: “عرفت جوهرة قبل زواجنا بكثير ولكن كرفيقة فقط وذلك في مركز ضبية – مجلس أقاليم الشمال، كنت ألقي عليها التحية من بعيد ولم نكن مقرّبين من بعضنا. في أحد الأيام طلب مني رفيقي ماريو مرافقته لزيارة جوهرة وشقيقاتها في بيتهنّ. ذهبت معه فتعرّفت إليهن عن كثب، بعد يومين قلت لماريو “عجبتني هالبنت روح تنزورن مرّة تانية” قاصداً جوهرة؛ أمضينا السهرة في منزلهن وعند خروجنا قلت لجوهرة ممازحاً “عجبتيني وبدي ياكي إذا مش بالمنيح بالقوّة”. بعد ستة أشهر في تاريخ 20 أيار 1984 خلال حرب الجبل تزوّجنا في كنيسة الصعود في ضبية، عند 1:00 ظهراً خوفاً من القصف وتعريض حياة الناس للخطر، وأثناء تلقينا التهاني عند باب الكنيسة بدأ القصف فهرب الناس”.

في 16 آذار 1985 ولدت الفتاة البكر صولانج فيما ولدت جيسي قبل حرب الإلغاء بستة أشهر، كانت جوهرة تأخذ صولانج معها إلى مركزي ضبية والفيدار خلال خدمتها.

ذكريات مؤلمة:

أكثر الذكريات المؤلمة التي رافقت نبيل وجوهرة هي تلك التي حصلت في أوّل يوم من حرب الإلغاء، وعنها يخبر نبيل: “كنا نسكن في أحد شاليهات الرابية مارين، خرجت جوهرة باكراً كعادتها الى مركز الأوبرلي وفور وصولها أخبروها بأن سيارة أحد المسؤولين القواتيين أصيبت بسبب انفجار وبأن حرب الإلغاء قد بدأت”.

تقاطعه جوهرة قائلة: “بلّغت الشباب في المركز أن زوجي مع البنتين في الشاليه والسيارة معي وعليّ أن أتوّجه إلى المنزل لأخذهم والمغادرة فوراً”.

يتابع نبيل: “كان عناصر في الجيش قد أحاطوا الرابية مارين، عندما رأيتهم توجّهت صوبهم فعرفني الضابط المسؤول عنهم وقال لي “بعدك هون؟” فأجبته “وين بدي روح؟” محاولاً إيهامهم أننا لن نهرب. كان عمر ابنتي صولانج 4 سنوات أما جيسي فكان عمرها 6 أشهر، جمعت بعض الأغراض لنا في حقائب ثم توجّهت إلى الطريق مع الفتاتين تحضيراً لخروجنا بسرعة من المجمّع”.

كانت جوهرة تصلّي لتصل إلى عائلتها قبل أن تقفل الطرقات، “وجدت نبيل واقفاً على الطريق مع الفتاتين وأغراضنا، صعدوا في السيارة وتوجّهنا فوراً إلى منزل أصدقائنا في البربارة وبتنا الليلة الأولى عندهم؛ لكن ذلك لم يكن الحلّ المناسب”.

يغصّ نبيل وتدمع عيناه مقاطعاً زوجته “لم يكن لدينا إلا حلّ واحد وهو إرسال الطفلتين إلى منزل أهل جوهرة في الكورة. أقفل السوريون وقتها الطرقات المؤدية من الشمال في اتجاه بيروت مانعين بذلك أهالي الشمال من ترك منازلهم والانتقال إلى أماكن أخرى، كانت الطرقات مفتوحة فقط في اتجاه الشمال. توقّفت على حاجز البربارة وطلبت من الرفاق أن يوقفوا أي سيارة متّجهة إلى الشمال؛ أوقف شاب سيارة كان يقودها رجلٌ من الكورة، توجّهت إليه وسألته “مين بتعرف من عين عكرين؟” عدّد لي أسماء من ضمنها عمّ زوجتي، فقلت له “بدي ابعت معك غرض على عين عكرين”، فتحت باب سيارتي وأخرجت الطفلتين ووضعتهما في سيارته. اندهش الرجل لأنه لم يكن ينتظر أن يكون الغرض طفلتين، طلبت منه أن يوصلهما إلى منزل عمّ زوجتي، تأثّر الرجل كثيراً وبدأ يبكي. لو لم نكن مقاومين مؤمنين بالقضية وبدورنا الذي لعبناه على مدى عامين لما تركنا ابنتينا بعيدتين منا وذهبنا لتلبية الواجب، هناك تضحيات أكبر من هذه بكثير لكن الابتعاد عن الفتاتين كان صعب جدّاً”.

بقيت صولانج وجيسي عند جدّيهما مدّة ستة أشهر وعندما التقيتا بوالديهما بعد تلك المدّة لم تتعرفا إليهما.

بعد اعتقال الحكيم:

عن تلك الفترة يشرح نبيل “بعد اعتقال الحكيم بقيت في المنزل ستة أشهر، كانت الحياة صعبة جدّاً، رفضنا المجتمع اضطررنا إلى الهرب عدّة مرّات، كنت أتساءل في بعض الأحيان “هل يستأهل هذا المجتمع أن نقاتل ونموت من أجله؟ أهكذا يعاملوننا بعد كل التضحيات؟” لكن ذلك لم يمنعنا من تربية ابنتينا على حبّ “القوّات اللبنانية” فكنا دائما نخبرهما عن مجد وبطولات المقاومين، أورثناهما حبّنا للمقاومة”.

تؤكّد جوهرة “حلّ الحزب لم يضع نهاية لنشاطاتي الحزبية فاستمريت بالمشاركة في المسيرات التي تطالب بالحرية للدكتور جعجع وفي الزيارات إلى بكركي، لم نوقف زوجي وأنا يوماً نضالنا. وقد أورثنا هذا النضال إلى ابنتينا، فهما كانتا تشاركان أيضاً بالنشاطات التي كانت تقيمها “القوّات” خلال اعتقال الدكتور جعجع. أنا مستّعدة اليوم للعودة إلى المركز في حال اضطررنا إلى ذلك، نعم إذا أتت الأوامر من القيادة ستجدوني أوّل من سيلتحق بصفوف المقاتلين وسأسهر الليالي في الثكنة”.

خلال حرب الإلغاء احترقت شاليهات الرابية مارين ومن ضمنها شاليه نبيل وجوهرة فاحترق الكثير من الصور التي تحمل الذكريات الجميلة، لم يبقَ منها سوى القليل القليل لتخبر قصّة مقاومة جميلة، أما الذكريات الأهم فتبقى في القلب والعقل.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل