رجل أعمال معروف بازدهار أعماله، لكن قلّة تعرف كم تزدهر تضحياته في صفوف “القوات اللبنانية” منذ أكثر من 30 سنة لا سيما في مرحلة النضال 11 عامًا من أجل حرية “القوات” وفك أسر قائدها الدكتور سمير جعجع. هو من بين الجنود المجهولين في “القوات” الذين عملوا ويعملون في الظل، يلتزمون الكواليس كي يبقى دورهم أفعل وأكثر تأثيرًا. فادي خليفة مسؤول منطقة الحدت في قضاء بعبدا في “القوات اللبنانية” نموذج من الرفاق الذي لم يفهم كثر من اللبنانيين دوافع تطوعهم الكلي للدفاع عن لبنان.
في هذا الحديث محطات كثيرة من عمر فادي خليفة الذي نذره للمقاومة وفاء للقضية والشهداء و”الرمز” سمير جعجع كما يحب أن يسميه.
من ثكنة كفرشيما في العام 1982 بدأت مسيرته في “القوات اللبنانية”. دفن 7 شباب شهداء من رفاقه في منطقة الحدث – بعبدا كان الحدث الأقسى الذي حفر في ذاكرته وجعاً لا ينساه حتى اليوم. إستشهدوا في حرب الجبل وتركوا المقاومة أمانة في عنقه هو وباقي الرفاق “القواتيين”. درس إدارة الأعمال والمحاسبة وعندما حصل على شهادته الجامعية تفرّغ في صفوف “القوات اللبنانية” بدل أن ينطلق في سوق العمل وينمّي أعمال عائلته التي كانت مزدهرة ولا تحتاج الا الى جهد الابن لتزدهر أكثر. كانت القضية والحفاظ على الوجود المسيحي أهم من المصلحة الشخصية فتطوع لها عن كامل قناعة.

في 14 شباط 1989 وعندما بدأت حرب الالغاء يروي فادي خليفة “علمت أن بلبلة ما تسيطر على صفوفنا وهناك ترقب لعمل هجومي ما من قبل العماد ميشال عون، لم تكن الصورة واضحة للقيادة لتزويدي بالتعليمات فاتخذت مبادرة شخصية ونشرت الشباب على طول المثلث من غاليري سمعان الى الحدث، وبذلك أقفلت الطريق على قوات ميشال عون عندما بدأت هجومها علينا. دامت المعركة 3 أيام وبمبادرة من الدكتور بيار دكاش تم انسحابنا الى منطقة الأشرفية فبقينا بعيداً من المنطقة الى ما بعد سقوط عون بسنتين او أكثر. في هذه الفترة كنت قد سافرت الى كندا وعدت بعد سنتين، من دون ان ينقطع التواصل مع الدكتور سمير جعجع.
عندما بدأ التضييق عليه في غدراس وبدأت عمليات سحب الشباب كنت من بين الأوائل الذين أوقفوا في منطقة الحدث. أمضيت يومين في التحقيق والضرب والتعذيب وأطلق سراحي بعد أن وقّعت على تعهّد بعدم تعاطي العمل السياسي. بعدها صارت التوقيفات روتينية تطغى عليها محاولة إخضاعنا عن طريق التهديد المستمر، يعني الدعوات على فنجان قهوة، من دون قهوة بالطبع، واحتجازنا طيلة اليوم في غرفة منفردة لترويضنا… ومع ذلك بقينا على نشاطنا السياسي بالتأكيد بعدما كنا انتقلنا مع شباب الثكنة من العمل العسكري الى العمل المدني. نحو 40 شاباً عملنا معاً بعدما تسلّمت شركة الوالد وطورناها لتتعاطى تجارة مواد البناء. كان من الصعب عليهم أن يضايقونا في أعمالنا لأنها كانت واسعة ومتطوّرة بطريقة لا يمكن لمضايقات مخابراتية أن تعرقلها فكانوا “يستقربون” بالتصويب علي شخصياً.
مع اعتقال الدكتور جعجع تضاعفت الضغوطات علينا في المنطقة بحكم قربنا من وزارة الدفاع. كانوا يخافون أن نخطط لأي عمل أمني حول الوزارة، لذا بقيت عيونهم مفتوحة علينا باستمرار. لذلك لم نكن نجتمع أكثر من إثنين لأن انضمام الثالث قد يوحي لهم أننا في صدد تنظيم عمل أمني ما”.

هل تمكنت أجهزة المخابرات آنذاك من شلّ نشاطكم؟
بعد اعتقال الحكيم لا أنكر أننا عانينا من الضياع التام. فعلى إثر توقيفه إجتمعت بالدكتور طوني كرم وكان مسؤولاً عن منطقتنا وهو صديق العمر، وعندما استعرضنا واقعنا اسودت الدنيا في وجهنا، فقرّرنا ان نتوجه الى غدراس للقاء السيدة ستريدا ولنقف الى جانبها. إلا أننا أدركنا لاحقاً ووفق المعطيات الأمنية أن الحكمة تقضي بأن نبقى بعيدين عنها لأن العيون مفتوحة علينا وعليها من قبل أجهزة المخابرات اللبنانية وسلطة الوصاية السورية التي كانت ناشطة في منطقتنا.
بقينا مكبلين ونعيش فترة غيبوبة قسرية الى أن بدأت الأمور تتضح أكثر، لا سيما مع الانتخابات البلدية الاولى. فبدأنا بتكوين نواة “قواتية” لأن القواتيين كانوا كثراً في المنطقة لكن لا يجرؤون على الظهور. وبكل بساطة حملتُ أنا علم “القوات اللبنانية” ووقفت مع رفيق آخر في ساحة الحدت يوم قداس الشهداء الأول في حريصا، بعد دقائق بدأ تواصل الشباب معي والكل تواعد على اللقاء في حريصا بشكل منفرد من دون أن نؤلف “كونفوا” قواتي كما سرت العادة في باقي المناطق. ومن فوق من قداس الشهداء تكونت النواة الأولى لعودة نشاطنا في المنطقة.
بالطبع استدعيت في اليوم التالي وبعد مراجعة أفلام الفيديو الى فنجان قهوة في مكتب المخابرات وأبلغت أن المشاركة في القداس جريمة وتصرّف غير مقبول! وهذا ما زادني تصميماً، وصلابة في التعاطي معهم.
بدأنا على أثر ذلك لقاءات دورية مع الشباب، وخضنا الانتخابات البلدية في الدورتين وفزنا أنا ورفيق قواتي آخر في الدورة الثانية بمقعدين في المجلس البلدي في الحدث. قبل هذا الفوز أي يوم السبت تشكل “كونفوا” من الفي سيارة بدا كشريط واحد من عين الرمانة الى الحدث والحازمية وبعبدا وأقمنا مهرجاناً لـ”القوات” في ساحة الحدث. في تلك اللحظة كنا على مسافة أمتار من الحكيم وهو سجين تحت الأرض ونحن نحمل صوره فوق الأرض وكلنا ينتابنا خوف عليه من أي رد فعل من قبل سلطة الوصاية التي تعتقله. في كل هذه النشاطات كنا على تواصل مستمر مع ستريدا التي كانت تنقل لنا أجواء الحكيم وتوصياته التي حدّدت لنا إطار التحرك بأفضل ما يمكن في تلك المرحلة وبأقل أضرار ممكنة. كان الحكيم يدير المعركة النضالية من داخل السجن رغم الضغوط والقيود التي كانت مفروضة عليه وبما أمكن من التواصل بالكلام والإشارات مع ستريدا لنفهم ما هي الخطوات المطلوب تنفيذها.
استمر هذا الوضع الى أن وصلنا الى إستحقاق الانتخابات النيابية الفرعية في منطقة بعبدا بعد وفاة النائب بيار حلو، وانقسمت الآراء بين دعم المرشح هنري حلو أو مرشح “التيار العوني” حكمت ديب. أنا كنت من المؤيدين لدعم هنري حلو، لأنني كنت أدرك أن تفاهمنا معهم لن يكون إلا على أساس مصالح آنية، وبالفعل خيارنا هو الذي نجح”.
عانت “القوات” من حصار مادي خانق وكان يتعذّر على ستريدا تأمين حتى تكاليف المحامين أو المساعدات الاجتماعية للشباب المحتاجين. يحكى أن دورك كان جذرياً في عملية التمويل أيام الضيق كيف كنت تفعل ذلك؟
كنت أسعى الى جمع الأموال والتبرعات من متمولين ورجال أعمال يؤيدون خط “القوات اللبنانية” لكنهم يفضلون أن يبقوا في الظل. وبهذه الطريقة تمكنا من المساعدة في دفع تكاليف المحامين في قضية الدكتور جعجع وفي قضية أنطوانيت شاهين وفي تغطية مصاريف قداديس الشهداء والمهرجانات القواتية.
نحن كنا من المنظمين لصفوف “القوات”، صحيح، لكن الحالة الشعبية من الملتزمين بالقضية والمناصرين لها كانت أكبر منا بكثير، وبقيت كرة الثلج تكبر الى أن خرج الحكيم من السجن وكان الإحتفال الكبير. فقد أقمنا مهرجانًا في ساحة الحدث تماماً كالذي أقيم في بشري، موج من القواتيين ملأ الساحة التي إشتعلت سماؤها بالمفرقعات و”صواني” البقلاوة وزعت على المارة على وقع أناشيد “القوات” بالتأكيد.
في المقابل لا يمكنني أن أنسى تاريخ 14 آذار 2005 والمسافة الزمنية التي استمرت من 14 شباط تاريخ استشهاد الرئيس رفيق الحريري الى تاريخ ثورة الأرز. في تلك الايام الحاسمة كانت مشاركتنا شبه يومية في اعتصامات ساحة الشهداء. وأذكر أن صورتي مع مجموعة من شباب الحدث تصدرت الصفحة الأولى لجريدة النهار ونحن نتخطى حواجز “الكونسرتينا” التي كان يضعها الجيش اللبناني لمنع دخولنا الى الساحة. أذكر أيضاً أنني في 12 آذار اجتمعت بالدكتور طوني كرم وبحثنا في طريقة المشاركة بتظاهرة 14 آذار التي عرفنا أنها لن تكون عرضية، وقرّرنا ان نطلب من كهنة الكنائس في المنطقة ان ينادوا للمشاركة في التظاهرة الشعبية تحت شعار “الحرية والاستقلال”، وكان ذلك بالتنسيق مع “التيار العوني”. يومها تعهدت أنا بالناحية اللوجستية لمشاركتنا في التظاهرة، وقرّرنا أن ننجز أكبر وأضخم علم لبناني يكون نقطة التقاء للمشاركين من المنطقة، “فخيطنا” علمًا بطول 5 أمتار مع قاعدة له تصل الى عشرة أمتار. لكن الطريف أن العلم الذي اعتبرناه إنجازاً ضخماً لم يشكّل نقطة في بحر الناس التي ضاقت بها الساحة. يومها حجزنا كل باصات المدارس في المنطقة ومع ذلك لم تكف، فقررنا أن ننطلق مشياً على الأقدام من الحدث الى ساحة الشهداء. أما أنا فبقيت آخر المغادرين للبلدة التي لم يبق فيها إنسان تقريباً، الكل نزلوا الى الساحة كباراً وصغاراً، وأذكر أنني كنت أنتقل على دراجة نارية لتسهيل انتقالي من حي الى آخر بين الزحمة التي تخنق الطرقات.

كرجل أعمال ماذا يعني لك أن تكون بين الشباب “القواتي” الذي ينفّذ مهمات ميدانية؟
ربما لأن خلفيتي عسكرية وانا كما يقال متعدّد الفوائد في العمل Polyvalent، وأستلم الملف من الألف الى الياء عندما أقرّر العمل.
يذكرني هذا السؤال بكلام قديم للنائب حكمت ديب. ففي العام 1981 كنت اتفقّد بيتنا بعد جولة قصف على بلدتنا لم يبق فيها حجر على حجر، كنت أمشي صوب البيت ومعي بندقيتي الـ”فال” فالتقيت به وكان يتفقد بيته أيضاً يومها قال لي: “شو صاير عليك انت؟ أنا محلك بقعد بكسروان، بقعد بالقليعات، شو صاير عليك تقعد هون بالحرب”؟ فسألته لماذا يقول لي هذا الكلام فرد: “بيّك معو مصاري ومعك سيارة ومرتاح مادياً شو قاعد تعمل هون روح قعود فوق..” فأجبته “ولووو الحدث بحاجة إلنا وهي بخطر ولازم ندافع عنها” فقال “ماشي الحال خليهن هني يدافعوا!!!” وكان يعني بالطبع شباب “القوات” الذين يعتبرهم من فقراء المجتمع المسيحي، هو يعتبر كما هو سائد في العالم أن المقاتلين هم من الشباب غير المتعلّم والفقير الذي لا يجد له فرصة عمل إلا القتال. بينما نحن في “القوات” الشباب هم النخبة من كافة الفئات ومن المتعلّقين بالأرض والقضية لا بالأرصدة في البنوك والمنافع الشخصية الضيقة! هذه هي “القوات اللبنانية” التي بدَّيتها على حياتي الشخصية ومصالحي المادية التي جندتها أيضًا لمصلحة “القوات”.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.