كنا هناك  – سعيد غنطوس: أصابتني رصاصة قناص فعدت الى المعركة وأصبته

ولد سعيد غنطوس في العام 1944 في منطقة الصيفي، انخرط في صفوف المقاتلين منذ بداية الحرب في العام 1975 فانتسب إلى حزب “الكتائب” في البداية ثمّ انتقل إلى صفوف “القوّات اللبنانية” فور تأسيسها. تفرّغ للعمل العسكري فباتت الثكنة منزله والمصفّحة سيارته والمقاومة قوته اليومي فأورث أولاده إيمانه بالقضية.

يشير سعيد إلى أنّه اختار الانتساب إلى حزب “الكتائب” “لأنّه كان الحزب الأقوى آنذاك، آمنا به ورأينا فيه مستقبل لبنان، كما بالرئيس الراحل الشيخ بشير الجميّل. أسست مع الرفيقين جورج مزرعاني ويوسف نعمة وآخرين ثكنة كسرجيان في العام 1976 في عين الرمانة، وفور اندلاع الحرب تفرّغت للثكنة”.

في بداية الحرب كان المقاتلون يفتقرون للأسلحة والذخيرة فكانوا يشترونها من مالهم الخاصّ أو يأتون بالأسلحة المتوفرة في منازلهم ومعظمها أسلحة صيد. يذكر سعيد أنّ “أوّل مدفع B10 ودوشكا اشترينا هما في صيف العام 1975 وكان سعرهما 23000 ل.ل. آنذاك. عندما ذهبت لشراء الأسلحة اصطحبت معي الرفيقين طوني وريشار، كنا نجمع المال أوّلاً من الشركات الكبيرة الداعمة لنا ومن بعض رجال الأعمال ومن الأشخاص المقتدرين مادياً ثمّ نعاين الأسلحة التي نريد شراءها. عندما أتينا بالمدفع الأوّل والدوشكا إلى الثكنة زغردت النساء وبدأ الناس يحتفلون فهذه كانت مفاجأة كبيرة للمقاتلين لأنّه لم يكن لدينا ما يكفي من الأسلحة والذخيرة لمواجهة المعتدين”.

عن أوّل معركة شارك فيها يخبر سعيد: “كانت معركة المطاحن في بيروت في العام 1976، بعد اقتحام الفلسطينيين للمطاحن انطلقنا من الثكنة فوراً فدخلنا الى المبنى وقاتلناهم في الداخل على الرغم من أننا كنا نقاتل جيشاً منظّماً يستخدم أسلحة حديثة، استمرّت المعركة يوماً كاملاً، لغّمنا الأدراج قبل خروجنا فقتل على إثر انفجار الألغام الكثير من المسلحين ولكن للأسف استشهد الرفيق ابراهيم السبتي من صفوفنا”.

يتابع: “وفي معركة ثانية في المطاحن استشهد الرفيق بيار مطر الذي مات قنصاً برصاص الفلسطينيين، فحوّلنا اسم ثكنة كسرجيان إلى اسم “ثكنة الشهيد بيار مطر” تيّمناً به “.

 

تنقّل سعيد بين العديد من الجبهات يذكر منها تلّ الزعتر، جسر الباشا، سوق الغرب، الشحار الغربي، حرب الـ100 يوم، معركة الـDatsun على غاليري سمعان حيث أصابه قناص في رجله.

عن إصابته يروي سعيد: “توجّهنا أنا والرفيق سمير سلوان إلى مكان وقوع المعركة، أردنا الدخول من جانب مفرزة سير بعبدا صوب شركة النستلة، قبل دخولنا أرض المعركة أصابني قناص في رجلي، كانت الإصابة طفيفة ولحسن حظّي أن الرصاصة لم تخترق العظام، نقلوني إلى المستشفى وعالجوني بسرعة، وعندما انتهينا أخذت بندقيتي وعدت إلى ساحة المعركة فأطلقت النار على الشخص الذي قنَّصني وأصبته”.

عندما اندلعت الحرب كان سعيد متزوّجاً ولديه ولدان: “بسبب تفرّغي للحرب وانشغالي دائماً بالثكنة لم يكن لديّ الوقت الكافي للذهاب إلى المنزل ورؤية رولان وناتالي فكنت في بعض الأحيان أرسل أحد الرفاق لاصطحابهما إلى الثكنة فيمكثان معي هناك وأعلّمهما استعمال الأسلحة، حتى أنني كنت أصطحبهما معي في المصفّحة خلال بعض المهمّات”.

عن حرب ال100 يوم يخبر سعيد: “حاصرنا السوريون من كلّ الجهات، كنت وقتها مسؤول ثكنة عين الرمانة.  أكثر ما أذكره هو مشهد الشوارع خلال هذه الحرب. عندما كنت أذهب مع الشباب لجلب الذخيرة كنا نغيب لمدة ساعة أو ساعتين فنعود لنرى الشوارع في مشهد مختلف جدّاً، المباني مهدّمة والسيارات مكسّرة والجثث على الأرض والفوضى تعمّ الشوارع. لم نكن نستطيع دفن الموتى أو نقل الجثث إلى المستشفيات، كانت القذائف تنهمر علينا كالمطر”.

تسلّم سعيد غنطوس منصب مسؤول في الشرطة المدنية منذ العام 1983 وكانت مهماتها منع المخالفات وملاحقة مرتكبيها وتحصيل حقوق الناس.

من أكثر الذكريات المضحكة التي يذكرها سعيد هي تلك التي حصلت معه في الشرطة المدنية. “في إحدى المرّات رصد الشباب رجلاً يجلس الى جانب الطريق ويبيع سكاكين وملاعق وأدوات أخرى، ولما علمنا أنها مسروقة اقتاده الشباب إلى المركز وأدخلوه إلى مكتبي، وضعوا الأغراض التي كانت معه على طاولتي؛ بعد استجوابه تأكّدت أنه سرق الأغراض. طلبت من أحد مساعديّ أن يهتم بأمره فسأله “من أين سرقت الأساور التي معك؟”، تعجّب السارق وصار الشباب يضحكون فهو لم يكن معه أساور بل سكاكين وملاعق.

مرّة أخرى اقتاد الشباب أحد السارقين وقد أبى أن يعترف بأنّه سرق، أرسلت أحد مساعديّ وكان يتكلم بلهجة سورية لاستجوابه، لم يعترف السارق بفعلته فاضطررت إلى استجوابه شخصياً وعندما دخلت إلى الغرفة التي وضعوه فيها قلت له “شو باك؟ صرت باعتلك كذا محقّق” فقال لي “هلّأ كان عم بيحقّق معي ضابط سوري”. فقد اعتقد أنّ السوريين يعتقلونه”.

يقول سعيد: “دخلت الحرب وانخرطت في صفوف المقاتلين لأنني أردت الدفاع عن منزلي وأهلي وإخوتي وأرضي وبلدي والوجود المسيحي، استفزنا تسلّح الفلسطينين ومحاولة استيلائهم على أراض لبنانية واعتداءاتهم المتكرّرة علينا”.

من أكثر المشاهد المؤثّرة التي يذكرها سعيد “استشهاد الرفيق طوني حرب خلال معركة محمصة صنين، كان طوني يقف تحت شرفة أصابتها قذيفة ووقعت عليه فقتل فوراّ، كان طوني متأهلاً وأباً لطفلة صغيرة، تأثّرت باستشهاده كما باستشهاد الكثير من الرفاق فداءً عن لبنان”.

حزن سعيد كثيراً بسبب اعتقال الدكتور جعجع: “كانت لحظات صعبة جدّاً على المسيحيين، لكن ذلك لم يمنعني من البقاء على ايماني بالقضية التي قاتلنا من أجلها ودفعنا ثمنها دماء رفاقنا. أحد المحققين في قضية الدكتور جعجع كان يدعى جورج غنطوس وكنت أعرفه شخصياً، أخبرني مرّة أنّه خلال التحقيق سأله “يا سمير كنت وزير أوّل مرّة وتاني مرّة، شو ناطر ما بترجع وزير؟ ليش وصلت لهون؟” فأجابه الحكيم “رح ترجع تشوفني وزير ورئيس للجمهورية كمان”. لكن جورج غنطوس توفيّ ولم يرَ الحكيم مرشّحاً لرئاسة الجمهورية”.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل