#adsense

من يجرؤ … فَلْيَنتَقِدْ

حجم الخط

لفتني اليوم كيفيّة تناول أحد مقدّمي البرامج الهزليّة على الـLBC معظم السّياسيّين اللبنانيين في كيفيّة تبديل مواقفهم السياسيّة وفقًا لمصالحهم الخاصّة، ولإضفاء المزيد من الموضوعيّة على نقده السياسيّ السّاخر استشهد بمواقف النّائب وليد جنبلاط المشهور بتبديل مواقفه السياسيّة. لكن ما لفت أكثر في حديثه أنّه لم يتناول رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” الدكتور سمير جعجع ولا بكلمة، لو حتّى على سبيل السّخرية والمزاح في هذا الموضوع. لن أتكلّم لا عن “القوّات” ولا عن رئيسها في عمليّة صلابة المواقف، فأنا من هذه المدرسة وشرف لي بأن أكون. لكن الإشكاليّة المطروحة فيما لو كان كلّ السّاسة اللبنانيّين بصلابة مواقفهم على غرار صلابة المواقف القوّاتيّة، كيف سيكون المشهد السّياسي اللبناني؟

من البديهيّ أنّ هذا ما ننشده اليوم في مجتمعنا اللبناني، لا بل الأكثر قناعتنا تامّة ومطلقة بهذه الطروحات التي ورثناها عن أجدادنا، إنّما المشكلة الأساسيّة تكمن في الفكر اللبناني الماركنتالي على حدّ قول الدكتور شارل مالك، ذلك الفكر الذي يرى في كلّ ما هو خارج على القانون ” شطارة”. ولن نعدّد الأمثلة في هذا السياق، قد لا تنتهي.

يطلقون شعارات رنّانة وفضفاضة وسرعان ما يتخلّون عنها عند أوّل مفترق يطلب منهم فيه دفع ضريبة. كنّا نتفهّم بالماضي القريب والبعيد أولئك الذين لا يملكون المروءة ليدفعوا ضريبة الدّم. أمّا اليوم، فهناك فئة، للأسف ملحوظة جداً في مجتمعنا، ترفض حتّى دفع ضريبة في بعض مواقفها الصلبة على حساب مصالح شخصيّة ضيّقة جداً. هذه الفئة لا نتفهّم مبرّر استمرار وجودها إلى حينه في لبنان.

منهم من ثَبُتَ في مواقفه الإقليميّة وبدّل توجّهاته السياسيّة الضيّقة بعد أن دغدغوا أحلامه برئاسة الجمهوريّة. ومنهم أيضاً من اعتاد على نمط الخوف من عِبَر التّاريخ لأنّه يعرف أنّه لن يستطيع المواجهة في ظلّ سيطرة الإقطاع السياسيّ عنده. ومنهم أيضاً من نقل البارودة من كتف إلى كتف. ومنهم من يعلن العداء ويتفاوض على أسراه من تحت الطاولة ثمّ يعود فيرسلهم إلى بؤر الموت لأنّه لا يثق بهم. ومنهم ومنهم ومنهم، وطبعاً طبعاً طبعاً نحن لسنا منهم.

يسألون اليوم “القوّات اللبنانيّة” عن مواقفها من مختلف القضايا المطروحة، يستمعون إلى الآراء ولا ينفّذوا منها شيئًا في حينه، لكن بعد فوات الأوان، يعودون من جديد ليبحثوا عن كيفيّة تنفيذ ما طرحته “القوّات” أوّلا. ولعلّ ملفّ النّفايات أصدق دليل، هذا من دون الغوص إلى صلب الأزمات الوجوديّة والمصيريّة التي لولا “القوّات اللبنانيّة” لما بقي لبنان اللبنان الذي نعرفه اليوم.

أمّا بالنّسبة إلى ملف رئاسة الجمهوريّة، فلقد أخذت “القوّات” الطريق الصحيح من خلال السيّر بعمليّة الترشيح وفق الأصول الدّستوريّة المتعارف عليها في كلّ معايير الأنظمة الدستوريّة، وفق برنامج معلن لمرشّحها، ولم تخض عمليّة مفاوضات خارج الحدود لإسقاط تسوية تستفز دماء كلّ الشهداء.

وقانون الإنتخابات لهو دليل صادق على طريقة عمل “القوّات” انطلاقاً من الصلابة في الموقف، ومن مراعاة أرض الواقع وهواجس الشركاء في الوطن، كما دائماً لأنّنا نؤمن بالشّراكة في هذا الوطن، ونريد دولة قادرة عصريّة قويّة فكان الطّائف وكان ما كان من بعده.

تتعدّد الأمثلة في هذا السّياق من الآداء الذي لا يتناسب مع الفكر اللبناني اليوم. من هذا المنطلق، نحن بحاجة إلى بثّ نوع جديد من الثقافة والتربية الوطنيّة تنطلق ممّا قاله غبطة أبينا البطريرك الدّائم مار نصرالله بطرس صفير: “أنظروا ما بإمكانكم أن تعطوا وطنكم، وليس ما بإمكان وطنكم أن يعطيكم”. وهذا ما لم تنكفئ عن تقديمه “القوّات اللبنانيّة” اليوم، على كلّ اللبنانيين أن يقدّموا لوطنهم وليس لأوطان الجوار التي سيبقون فيها أغراباً، بغضّ النّظر عن أواصر القربى وروابط الدمّ والمصالح الشخصيّة. وهذه هي أسسنا الوجوديّة النّابعة من صلب وجودنا الحرّ في هذا الشرق، فمن يجرؤ … فلينتَقِدْ .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل