
أكّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أن “البطريركية وضعت بين أيدي رجال السياسة والشعب اللبناني ثلاث وثائق بمثابة خريطة طريق نحو قيام دولة مدنية عصرية قادرة ومنتجة بمؤسساتها الدستورية والعامة، مبنية على الديمقراطية السليمة، دولة القانون والحقوق والواجبات بالمساواة بين الجميع”.
وقال الراعي خلال رسالته بمناسبة عيد الميلاد: “كانت الوثيقة الأولى “شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان” (2009) لتثقيف ضمائر المواطنين وتوجيه الممارسة السياسية نحو جوهرها وأهدافها ودورها في خدمة الإنسان والمجتمع، وكانت الثانية “المذكرة الوطنية” (9 شباط 2014) لتهيئة عهد رئاسي جديد يمتد نحو الاحتفال بالمئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير في أول أيلول 2020. فأكدت على الثوابت الوطنية، ورسمت أسس المستقبل وفقا للأولويات. وكانت الوثيقة الثالثة “مذكرة اقتصادية: اقتصاد لمستقبل لبنان (25 اذار 2015)، بعد مرور سنة من دون انتخاب رئيس للجمهورية، وأمام الوضع الاقتصادي الذي ينبئ بالخطر الكبير بسبب تعاظم الدين العام، والشلل الاقتصادي الحاصل، وتزايد حالات الفقر، وكثافة هجرة الأدمغة والقوى الحية، وإغراق البلاد بالنازحين الذين بات عددهم مع اللاجئين نصف سكان لبنان”.
واضاف: “لقد رحب الجميع، وفي مقدمتهم رجال السياسية والاقتصاد والعلم، بهذه الوثائق الثلاث، واعتبروها خريطة طريق متكاملة. لكن سرعان ما تبخر الترحيب وخنقته المصالح الضيقة، وشله العجز عن اتخاذ أي قرار جريء وشجاع وحر”.
وانطلاقا من هذه الوثائق أعلن الراعي عن مطالب ثلاثة، وهي أولا: “انتخاب رئيس للجمهورية في أسرع ما يمكن، باعتباره مسؤولية وطنية جامعة لا تنحصر بالمسيحيين عامة والموارنة خاصة”، مشيرا الى أن “الرئيس هو رئيس للدولة، لا ممثل لطائفة”، داعيا “الكتل السياسية والنيابية إلى مقاربة جدية للمبادرة الجديدة المختصة بانتخاب الرئيس. فإنها تتصف بالجدية كما هو ظاهر في عامل الثقة والأمل الذي أحدثته على المستوى النقدي والمصرفي، وفي الدفع الجديد للتفاهم بين فريقي 14 و8 أذار. فبات على الكتل السياسية والنيابية أن تلتقي حول هذه المبادرة، من أجل كشف الأوراق بموضوعية وشجاعة، واتخاذ القرار الداخلي الوطني، والذهاب إلى المجلس النيابي وإجراء عملية الانتخاب وفقا للدستور والممارسة الديموقراطية”، سائلا: “ما معنى وجوب “سلة أو تسوية متكاملة” مع انتخاب الرئيس؟ ومعلوم أن البرنامج الأساس لرئيس الجمهورية هو احترام الدستور، وضمانة عمل المؤسسات العامة، والحفاظ على وحدة الوطن وعلى استقلاله وسيادته وسلامة أراضيه (المادة 29 من الدستور)، وحماية العيش المسترك، ورفض أي فرز للشعب أو التجزئة أو التقسيم أو التوطين بأي شكل أو نوع كان (مقدمة الدستور: ي و ط). دور الرئيس تحقيق تصميم اللبنانيين على قيام الدولة الديموقراطية البرلمانية المدنية ومؤسساتها، وتحفيز دور المجتمع المدني في مسيرة النهوض الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي”.
أما المطلب الثاني، فوضع قانون انتخاب جديد، وهو من مسؤولية مجلس النواب كسلطة تشريعية، بحيث يأتي وفقا للميثاقية اللبنانية، فيترجم المشاركة الفاعلة في تأمين المناصفة الفعلية، ويضمن الاقتراع الحر وحق المساءلة والمحاسبة، ويؤمن التنافس الديموقراطي، ويلغي فرض نواب على طوائفهم بقوة تكتلات مذهبية (مذكرة وطنية، صفحة 12، فقرة 23). فلا يحق للمجلس النيابي التلكؤ عن وضع هذا القانون، لكي يصار على أساسه إلى إجراء الانتخابات النيابية في بداية ولاية الرئيس الجديد”.
والمطلب الثالث، هو التزام الحكومة بممارسة مسؤولياتها كسلطة إجرائية وفقا للدستور، وتفعيل عمل المؤسسات العامة، ومنع الفوضى والفساد فيها وتحفيز مسؤولية المواطنين، ومعالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، وإخراج المواطنين من حالة اليأس وفقدان الثقة بوطنهم. ومعلوم أن عمل الحكومة يواجه الكثير من العثرات، بسبب غياب رئيس للجمهورية لكونه السلطة الإجرائية الأولى بموجب الدستور. ولذا ما فتئ رئيسها يطالب في كل جلسة ومناسبة بانتخاب رئيس للبلاد لكي يستقيم عمل الحكومة”، مؤكدا أنه “لا تستطيع الحكومة إهمال قضية النازحين السوريين إلى لبنان الذين كان عددهم في العام الماضي مليون ونصف المليون، وقد ازداد ربع مليون بالولادات الجديدة، وأصبح عدد الطلاب السوريين أربعماية ألف طالب، كما أشارت ورشة العمل التي عقدت في المجلس النيابي في 15 كانون الأول الجاري، وكشفت حجم الثقل الاقتصادي والاجتماعي على لبنان وتداعياته السلبية على اللبنانيين. وفيما نحن متضامنون إنسانيا مع الإخوة النازحين ومع حاجاتهم المعيشية، فإنا نخشى، إذا طال بقاؤهم في لبنان، أن يستغلوا من قبل المتطرفين والتنظيمات الإرهابية لأهداف تخل بالأمن والاستقرار، وأن يروا نفوسهم مقحمين على ارتكاب جرائم لكسب المال وخلق الفوضى وزعزعة المجتمع”.
وشكر الراعي الله على القرار 2254 بشأن سوريا الذي صدر عن مجلس الأمن والخاص بإيقاف الحرب وإيجاد الحلول السياسية وتهيئة الظروف المؤآتية للعودة الآمنة للاجئين والنازحين خارجيا وداخليا إلى مناطقهم الأصلية وتأهيل المناطق المتضررة، الا أنه أكد أننا “لا نرضى بأن تكون عودة النازحين “طوعية” كما جاء في نص القرار. فما ينطبق على اللاجئين إلى أوروبا وغيرها لا يمكن أن ينطبق على النازحين إلى لبنان للأسباب المذكورة أعلاه، ومنعا للمطالبة فيما بعد بتوطينهم ومنحهم الجنسية اللبنانية. بل يجب أن تكون العودة إلزامية، لكي يحافظوا على حقوقهم في وطنهم، وعلى هويتهم الوطنية، الثقافية والحضارية”.