تتضارب المعلومات حول مسار العلاقة السعودية ـ الإيرانية في هذه الفترة، خصوصاً في ظل تناقض المعطيات حول المواقف والإجراءات المعلنة والتي تعطي مؤشرَين متعارضَين: واحد يقود إلى الاستنتاج أن هناك جهوداً لترتيب هذه العلاقة، والآخر يشير إلى أن التوتر هو الذي يحكم العلاقة بين الرياض وطهران. فاستعجال السعودية تعيين سفير جديد لها في العاصمة الإيرانية يتزامن مع جهود تبذل من دول عديدة صديقة للعاصمتَين بهدف رأب الصدع، وهو ما ترافق مع توجه سعودي واضح لإقفال ملف تدخلها العسكري في اليمن. في المقابل، فإن التدابير التي تتخذها السعودية أو تسعى إلى اتخاذها بحق «الحرس الثوري الإيراني» و «حزب الله»، تشير إلى مستوى عال من التوتر وتوغل سعودي في المواجهة مع إيران.
قبل اسابيع، كانت كثُرت التكهنات بشأن اللقاء، الذي لم يكن مرتباً له مسبقاً، بين وفدَي إيران والسعودية الى اجتماعات فيينا السورية، حتى أن البعض رسم «سيناريو» لنتائج ايجابية حتمية ستطال لبنان كنتيجة عملية لهذا اللقاء.
الرواية المتداولة في بعض الأوساط في بيروت تقول إنه «أثناء وجود وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف وأعضاء الوفد الايراني في بهو الفندق الذي تنزل فيه الوفود المشاركة في اجتماعات فيينا، فوجئ الجانب الإيراني باندفاع الوفد السعودي برئاسة وزير الخارجية عادل الجبير باتجاهه، قبل أن يجلس الوفدان سوية أمام اعين الجميع، في لقاء استمر 12 دقيقة بالتمام والكمال وانتهى الى خلاف حاد».
وتقول الرواية إن الجبير توجه في بداية اللقاء إلى ظريف بالقول: «انتم تدعمون الحوثيين في اليمن وتخرّبون استقرار المنطقة»، وردّ ظريف مبتسماً: «أنتم منذ أكثر من 50 سنة في اليمن، أنتم أينما دخلتم يدخل الإرهاب وتنظيم القاعدة وراءكم».
تضيف الرواية إن النقاش احتدم بين الجانبين، فحاول الجبير استدراك الموقف عبر الإيحاء بأن القصد هو البدء بتفاوض لبحث كل الملفات العالقة. وقال الجبير لظريف: «أوجه إليك دعوة رسمية لزيارة المملكة العربية السعودية وللتباحث في كل القضايا»، فكان الردّ: «إذا زرت السعودية بعد فاجعة منى أنتهي في إيران.. أنتم لا تعلمون مدى الغضب الإيراني».
تؤكد الرواية أن الملف اللبناني لم يحضر في لقاء الـ12 دقيقة المتوتر، وكل ما في الأمر أن الإدارة الأميركية نصحت القيادة السعودية بما يلي:
1 – الملف النووي الإيراني صار وراء ظهر العالم أجمع. لقد تمّ توقيعه ونفذت بنوده والرهانات بهذا الخصوص هي سراب لن يؤدي إلى أي نتيجة، لا بل ستنعكس سلباً عليكم في ظل حجم المصالح بين دول العالم وإيران، لا سيما الاقتصادية والاستثمارية.
2- اذهبوا وتفاهموا مع الإيرانيين حول أمن المنطقة الذي لا يمكن أن يستتب بلا إيران، خاصة في ظل مشكلتكم المتفاقمة في اليمن.
وتوضح مصادر ديبلوماسية مطلعة أن «وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يسعى إلى إيجاد خرق مع الإيرانيين، بناء على النصيحة الاميركية، وهو حاول في فيينا، كما حاول مع السفير الايراني المعتمد لدى الرياض، لكن الايرانيين في الوقت الحاضر ليسوا في وارد إعطاء السعوديين أي مكاسب، فهم يعرفون أن الاشتباك ما زال في أعلى درجاته، والقمة بين المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية السيد علي خامنئي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين كرّست شراكة استراتيجية كبيرة، وبالتالي ليسوا في وارد تقديم هدايا، خاصة بعد فاجعة منى التي وصلت بالخامنئي إلى إصدار بيان يتضمّن تهديداً ضمنياً بالحرب. كما أن الشعب الايراني يعيش فاجعة حقيقية، والتوصيف الايراني يقول إن العلاقات الايرانية ـ السعودية لم تكن في هذا السوء يوماً».
تجزم المصادر أن «كل كلام عن تسوية إيرانية ـ سعودية حول لبنان ليس موجوداً، وخير دليل القرار السعودي بوضع مقرّبين من حزب الله على لوائح الارهاب وإنزال قناة المنار عن قمر عربسات». أما التسوية المفترضة في لبنان، فصار جلياً أنها جمّدت في الوقت الحاضر من دون أن تنتهي.