الدولة في عطلة. وهذا أمر لا يتعلق بفترة الأعياد فحسب. فالعطلة مستمرة منذ العام 2005 ربما. إذ اعتاد اللبنانيون على سلطات معطلة وصراعات لا تهدأ. وعليه، لا أحد يتوقع أن تدور عجلة الانجازات. كما تقفل 2015 تفتح 2016. «إنجاز» النفايات الذي تباهت به الحكومة في نهاية العام ستستمر مفاعيله في بداية العام المقبل. والمبادرة الرئاسية التي تسير ببطء ستستمر بالسير بالسرعة نفسها. هل ستتوقف أم ستصل إلى قصر بعبدا؟ لا أحد يملك الجواب، وإن يصر أصحابها أنها ولدت لتحيا.
وليد جنبلاط يجلس في كليمنصو متأملاً الفراغات المحيطة. يفضل القراءة على الانغماس في السياسة. يبدو مرتاحاً إلى إقرار ترحيل النفايات «بسعر معقول، بعد أشهر من التخبط، الذي تتحمل مسؤوليته كل الطبقة السياسية».
أما في المبادرة الرئاسية، فيقول إنه لن يسقط ورقة سليمان فرنجية، مع إقراره أنها في هذه المرحلة وصلت إلى حائط مسدود. وإلى أن يصبح هنالك معطيات جديدة تسمح بالتفاؤل بإمكانية وضع الحلول على السكة، يدعو الجميع إلى التركيز، مع بداية العام، على تفعيل آلية عمل مجلس الوزراء والاهتمام بقضايا الناس.
الصورة الرئاسية واضحة أمام رئيس «الاشتراكي»: الحريري طرح المبادرة بموافقة السعودية.. وإيران رفضتها، وهذا كان كافياً لتجميد الأمر. لا يملك جنبلاط تصوراً واضحاً لكيفية إعادة تحريك الملف الرئاسي، لكنه يقول: «من يدري، ربما بعد رفع العقوبات يبيعونها إلى الأميركيين». مع ذلك، لا يوافق من يعتبرون أن المنطقة وضعت على سكة التسويات، التي يمكن أن يكون لبنان أحد انعكاساتها. «في العراق الأزمة كبرى والحلول لا تزال بعيدة، علماً أن المخاض الحالي لا يعني سوى أن العراق متجه إلى التقسيم، بغض النظر عما إذا كان يؤدي إلى نشوء دويلات أو فدراليات. في سوريا لن يكون النظام قادراً على الحفاظ على وحدة البلد، أضف إلى أن الفرز الطائفي صار أمراً جلياً».
وإذ يأسف جنبلاط لأن «النظام الذي هجر 7 ملايين سوري، سيكون جزءاً من أي تسوية»، فهو يحمل المسؤولية الكاملة إلى الرئيس باراك أوباما الذي «لم يشأ يوماً إطاحة النظام، بل فضل ترك الشعب السوري يعاني من إجرامه، رافضاً تزويد المعارضة، عندما كان الجيش الحر يقودها، بالسلاح النوعي».
في اليمن، لا ينظر جنبلاط إلى المفاوصات التي تجري حالياً كنهاية للحرب الدائرة هناك. المصالح والارتباطات المتناقضة والمتضاربة تعيق أي حل جدي هناك.
وسط كل هذه العواصف التي تضرب المنطقة، كان جنبلاط يأمل أن يؤدي طرح اسم فرنجية إلى إخراج لبنان من تداعيات ما يجري حوله، لكنه يقر أن الأمور لم تكن بهذه البساطة، لا سيما أن «حزب الله» كان حاسماً في رفض الدخول في أي تسوية جزئية، وهو بذلك أعلن صراحة أن لبنان ملف مرتبط بملفات المنطقة. يقر جنبلاط أن التسوية الشاملة كانت متعذرة، لذلك فضلنا البدء بحسم مسألة رئاسة الجمهورية لعلها تفتح الباب أمام حل القضايا الباقية.. لكن المحاولة لم تنجح.
ذلك أصبح من الماضي اليوم، وربما صار جنبلاط مقتنعاً أكثر «أننا بحاجة إلى دوحة جديدة»، لكن المشكلة أنه لا توجد دول مستعدة أو قادرة على لعب هذا الدور حالياً، في ظل الانقسامات الحادة التي تحكم المنطقة». ماذا عن سلطنة عُمان التي تلعب دوراً وسطياً بين المحورين؟ يقول جنبلاط مبتسماً: عُمان جميلة وطقسها جميل.
الحديث عن تغيير النظام اللبناني ليس مزحة بالنسبة لجنبلاط، فهو «قوي جداً وتعديله مع اتفاق الطائف احتاج إلى حرب، ولا نريد حرباً جديدة». للمناسبة، يأسف جنبلاط لأنه لن يكون أمام الدول المجاورة سوى اقتباس النظام اللبناني السيئ.
يقر جنبلاط أنه «مِنِّي وبالجر لا أحد يملك مشروعاً وطنياً. هكذا مشروع بحاجة إلى مناخ وطني وهو ما ليس متوفراً في ظل الخلافات المستحكمة وفي ظل سعي كل طرف إلى تثبيت نفسه»، مذكراً أن لبنان حصل يوماً على فرصة التحول إلى وطن مع البرنامج الوطني للحركة الوطنية، لكنه أسقط سريعاً على يد الإقطاع الديني.
ومن هذا المنطلق يكرر جنبلاط موقفه المعروف من قانون الانتخاب، والذي كرره على طاولة الحوار: أنا لست متحمساً للنسبية. ففي بلد طائفي حيث المحادل والمال يتحكمان بالعملية الانتخابية لن تتأثر المكونات الكبرى بالنسبية كثيراً، لكن المكونات الطائفية الصغيرة كالدروز، ستكون أكثر المتضررين. ولذلك، يكشف جنبلاط أنه في طور الإعداد لمشروع جديد. هل هذا يعني أنه قرر الخروج من عباءة القانون المختلط الذي وقعه مع «القوات» و «المستقبل»؟ يوضح جنبلاط أنه لم يخرج منه لكنه يعمل على التحضير لتعديله.
وبالرغم من أن «المستقبل» يكرر أن الاقتراح المقدم يراعي الخصوصية الدرزية بشكل جلي خاصة أنه يلحظ ضم بعبدا إلى عاليه والشوف، إلا أن جنبلاط يشير إلى أن ثمة إشكالية في مسألة ضم بعبدا وهي لم تحسم تماماً.
هذه هموم جنبلاط هذه الأيام. واقعيته تجعله يركز اهتمامه على كيفية حماية الطائفة، فيما يحصر أحلامه بكيفية المحافظة على لبنان الكبير. يقول: «أنا الذي عشت الحلم العربي الكبير مع جمال عبد الناصر لم يعد بإمكاني التفكير بأكثر من حماية لبنان، بعدما سقط العرب سياسياً وأخلاقياً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية».
يختم: «بعدما هجر العرب بعضهم البعض، لم أعد أستغرب أن تعمد إسرائيل إلى تهجير إضافي يطال فلسطينيي 48، فنحن أعطيناها الحجة لتقول إن العرب هجروا بعضهم فماذا يمنعنا من تهجير الفلسطينيين؟».