.jpg)
مع كاسة “المغلي”، اعتدنا ان نبارك “نشالله بتشوفو ريس متلك يا ريس (القاضي)” أو “جأرتو جأرة ضابط متل بيو”. وكذلك إعتاد الاهل عندنا ان يضغطوا على اولادهم، “لازم تدرس محامي متل بيك مين بدو يدير المكتب” أو “بيك ربى زبونات حرام تضيعهم”… أو… أو … وأو فأحد اوجه مساوئ مجتمعنا وإهترائه وتخلفه ظاهرة “الوراثة” العمياء في العمل والمواقع والمناصب. صحيح إن الفرد إبن بيئته وقد يتأثر بأهله وعملهم، ويكونون قدوة له، ولكن في معظم الاحيان تفرض التقاليد والضغوط المجتمعية على بعضهم إكمال مسيرة الاهل المهنية على حساب ميوله الشخصية وأهوائه وطموحاته وأحلامه.
التوريث في الحياة الخاصة شأن ذاتي، أما التوريث في الحياة العامة فهو يعني كل واحد منا وعلى حساب كل واحد منا. والمشهد السياسي عندنا من الاسوأ في هذا الاطار، حيث الوراثة متفشية بشكل كبير، وكأن المنصب السياسي أو المقعد النيابي “مطوّب” باسم هذه العائلة أو تلك. مشهد سريالي في الالفية الثالثة، بيك إبن بيك إبن بيك مع شيخ إبن شيخ إبن شيخ مع أفندي إبن أفندي إبن إفندي، وكل الالقاب البالية تجتمع سوياً لترسم مستقبل الوطن، فأكرم وأنعم. بالطبع من حق أحفاد البيك والشيخ والافندي أن يتعاطوا الشأن العام ويصلوا الى أعلى المناصب، شرط ان يكون جواز عبورهم الى تلك المناصب كفاءاتهم الذاتية لا “إخراج القيد” العائلي…

وفي خضم هذه الوراثة البيولوجية المقيتة التي تنتهك في معظم الاحيان كرامة الانسان وحقه وتضرب مبدأ العدالة والمساواة، ثمة وراثة من نوع آخر، وراثة شجاعة ونخوة وعطاء وتضحية، وراثة مخاطر ومشقات…
فيوم عيد الميلاد، وحين كنت والعائلة الصغيرة نستعد لغداء العيد ويليه جولة معايدات على الاقارب، إندلع حريق قرابة الظهر في مطعم “تيكو تيكو” في ساحة الدكوانة. بحسي المهني سارعت الى المكان، لأراسل الموقع، كان هناك سيارة للدفاع المدني من مركز المدينة الصناعية في البوشرية وعنصران يعملان على إخماد النيران. رجل مخضرم وشاب يتعاونان على إنقاذ البشر والحجر. وبعدما نجحا في مهمتهما، دفعتني حشريتي الى الدردشة معهما وهما من فضلا لهيب النار عن دفء المنزل والعرق والتعب عن الولائم، وكان الصدمة.

إنهما كريستيان خباز المتطوع في الدفاع المدني منذ ثلاثين عاماً مليئة بالحروب والانفجارات والحرائق والانهيارات، حيث اخذ خياره في خضم الحرب اللبنانية عام 1986 في خدمة الانسان عبر التصدي للنيران. كريستيان الشاب المندفع تزوج ورزق بولد وبنت. وها هو روني الذي ابصر النور عام 1989 يرث شجاعة ونخوة وإندفاع والده، وينخرط بدوره في الدفاع المدني عام 2007…
كريستيان يتغلّب بإنسانيته على قلق أبوته وأنانيتها، ويترافق ووحيده في المهمات الصعاب، يصارعان السنة النار والركام والدمار… بين كريستيان وروني وراثة إنسانية حضارية، وراثة الشجاعة وخدمة الانسان، وراثة تجسد أجمل صورة للميلاد.
خاص بالصور: حريق في مطعم “Tico Tico”


