#dfp #adsense

متري: “الساحة” انتقلت من لبنان إلى سوريا

حجم الخط

يرى الوزير السابق والأكاديمي الدكتور طارق متري أن فرص نجاح التسوية الليبية «تحت السؤال ومحفوفة بالمخاطر واحتمالات نجاحها ليست عالية» نافياً ان تكون تسويات المنطقة «مرتبطة ببعضها البعض لأن لكل بلد أسبابه وخصوصيته الداخلية».

ويعتبر أن اغتيال زهران علوش أضعف صدقية العملية السياسية في سوريا وأن ظلالاً تخيّم على السلوك الروسي وأهدافه مثل تعزيز النظام السوري وعدم سقوط نظام الأسد، مشككاً بنجاح المفاوضات المقبلة في 25 الجاري في جنيف وصولاً إلى نتائج حاسمة وبأنه لن يكون هناك تفاوض حقيقي..

متري لم ير تغييراً في السلوك الإيراني يقدم إيران إلى سياسة «مسؤولة» في المنطقة مؤكداً ان ابتكار تسوية داخلية لبنانية «ممكن لكنه معقد مع طرف داخلي صار طرفاً إقليمياً، ما يصعب الفصل عن التسويات الإقليمية ويربطه بها.

ويدعو إلى وفاق داخلي «حقيقي صريح ومعلن لا يكتفي بمنع الانفجار الهش ويبني على الأفكار المطروحة بشأن رئاسة الجمهورية لأن الشغور الرئاسي يعكس أزمة وطنية متوقفاً عند الدور المهم الذي يمارسه رئيس الجمهورية كسلطة معنوية».

 

هنا نص الحوار:

[بداية ماذا عن فرص نجاح التسوية الليبية المطروحة؟

يقول متري «أنا من الذين يقولون إن تسوية عرجاء خير من لا تسوية. لكن فرص نجاح التسوية الأخيرة هي برأيي تحت السؤال وذلك لأسباب عدة: أولاً لأن هناك قوى سياسية لا يستهان بها ومدعومة من مجموعات مسلحة أو مجموعات مسلحة مدعومة من قوى سياسية تعارض الاتفاق. وفي بلد مثل ليبيا في واقعه المعقد ويختلط فيه الوضع الداخلي بتياراته الإيديولوجية والسياسية وتبايناته الاجتماعية وانقساماته القبلية والاثنية، وفي بلد لم يعرف التجربة الديموقراطية، ولم يكن مكاناً صالحاً لتبلور عمل النخب السياسية والقوى السياسية على قاعدة الحداثة، وفي بلد لا توجد فيه مؤسسات، لا جيش ولا شرطة، من السهل فيه تخريب أي اتفاق.

ويضيف: «لا أعرف حجم الكتلة المعارضة بالتحديد، لكن أعتقد أنه توجد كتلة وازنة غير موافقة على التسوية وراجت في ليبيا كما راجت عند اللبنانيين في حالات مشابهة، وراجت لدى فئات ليبية كما قلت واسعة مقولة أن الاتفاق مفروض على الليبيين من الخارج وغير معبر عن إرادتهم الفعلية. والليبيون لديهم حساسية تجاه الآخر، أياً كان الآخر وتجاه ما يسمى «الاستعمار الجديد».

ثانياً، أن الاتفاق نص على تأليف حكومة وحدة وطنية ومعروفة طريقة تشكيل مثل هذه الحكومات الائتلافية. الحكومة المطروحة يستثنى منها معارضو الاتفاق، وهي حكومة ليست جامعة، وبالتالي هي حكومة يصعب عليها أن تحكم، لا بل حكومة يصعب عليها أن تأتي إلى العاصمة، وليس عندها ذراع أمنية، واستطراداً هي حكومة مضطرة إلى الاعتماد على الدول الغربية، التي أيدت العملية السياسية. ويجري الكلام هنا عن تشكيل قوة عسكرية يتشكل جسمها الأساسي من الإيطاليين ومن دول غربية أخرى مؤيدة للتسوية السلمية بنسب متفاوتة. وهذه القوة تملك الجهوزية للتدخل عسكرياً من جديد في ليبيا إذا ما اقتضت الحاجة.

يضيف متري، لكن طبيعة هذا التدخل ليست واضحة. البعض يتحدث عن منطقة خضراء والتدخل من أجل ضرب داعش وحماية المرافق العامة من مطارات ومرافئ لا سيما المرافئ النفطية منها. وجود قوات أجنبية سيؤدي إلى تقسيم الليبيين بين مؤيدين ومعارضين للتدخل مجدداً، لذلك تنفيذ الاتفاق قد يكون محفوفاً بالمخاطر واحتمالات نجاحه ليست عالية».

 

التسويات غير مترابطة

[ بالتزامن مع بداية التسوية الليبية يجري الحديث عن ملامح تسوية في لبنان وأخرى في سوريا وكأن تسويات المنطقة مرتبطة ببعضها؟ ما رأيك؟

«لا أعتقد ذلك، ولكل بلد خصوصيته السياسية ولكل بلد أسبابه الداخلية. في ليبيا ثمة قلق دولي من فوضى متصاعدة سمحت لمجموعات داعش أن تزيد من نفوذها على الأرض الليبية. داعش يسيطر على سرت وقريب جداً من العاصمة ومن الميناء النفطي أو ما يسمى «الهلال النفطي». ثم تأتي موجات الهجرة غير الشرعية التي تقلق الأوروبيين والدول المجاورة، وهناك مشاكل قانونية داخل دول الاتحاد الأوروبي حول طبيعة الآليات القانونية المعتمدة والقواعد التقليدية في احترام حقوق الإنسان، وهناك أسباب أخرى دفعت القوى الغربية لإنجاح العملية السياسية. في المسألة السورية الأمر مختلف، وأنا من الذين يعتقدون أن اغتيال زهران علوش يضعف صدقية العملية السياسية».

ويعود متري إلى أيلول الماضي إلى خطابي باراك أوباما وفلاديمير بوتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اللذين ظهرا على طرفي نقيض إزاء الأزمة السورية.

ويضيف «لكن الوزير جون كيري قال «نستطيع العمل مع الروسي بالنسبة الى الوضع السوري». من المرجح وقد صار الأمر معروفاً أن الروس أبلغوا الأميركيين برغبتهم بالتدخل العسكري في سوريا آخر شهر أيلول 2015، وحددوا الهدف بمنع انهيار الجيش السوري لأن التسبب بفوضى كبيرة في سوريا لا يستفيد منها إلا داعش. ربما أضافوا هدفاً آخر أبلغوه للأميركيين أنه بعد تحقيق الهدف الأول، أي منع انهيار الجيش السوري، سيأتون ببشار الأسد إلى مائدة المفاوضات. لكن السلوك العسكري الروسي منذ تلك الفترة إلى حين اغتيال زهران علوش يوحي بأن التدخل العسكري لم يكن هدفه فقط منع انهيار مؤسسة الجيش، بل الهدف هو تعزيز النظام السوري وعدم سقوط الأسد».

ويستطرد متري: «أنموذج الطلعات الجوية الروسية الكثيفة أمامنا وروسيا تحاول أن تشكل مناطق فراغ ما بين بشار الأسد وبين داعش. وهذا يلقي ظلالاً من الشك على العملية السياسية في سوريا. بأي حال تفصلنا ايام عن 25 الجاري، وسنرى إذا مضت العملية السياسية قدماً في سوريا أم لا، والمعارضة السورية والجماعات المستقلة أيضاً لديها شكوك من حولها وتقول بأن مصير مؤتمر 25 سيكون مشابهاً لما جرى في جنيف واحد أي تعقد جلسة واحدة، كما حصل أيام الأخضر الإبراهيمي، والوفد السوري الذي يمثل النظام لن يفاوض فعلياً سيجلس الطرفان في غرف منفردة، ولن يكون هناك تفاوض حقيقي برأيي».

 

التسوية اللبنانية والمناخات الإقليمية

[وفي لبنان؟

لا يبدو متري في موقع المتابع لتفاصيل الأفكار المطروحة التي تظهر ملامح التسوية المطروحة. ولكن يحدد رؤيته: «أي تسوية مطروحة ستعكس بالضرورة المناخات الإقليمية، وتحديداً مسار العلاقات الثنائية تحديداً بين المملكة العربية السعودية وإيران». ويضيف: «العلاقات السعودية الإيرانية هي اليوم في أسوأ حالاتها، ومشروع الاتفاق الثنائي في اليمن متعثر و«مش ماشي»، واجتماع «يال» في سويسرا في الأسبوعين الماضيين الذي جمع ما بين الطرفين الحكومة اليمنية والمعارضة لم يستطع ان يتبنى وقف إطلاق نار بين الطرفين ولا إطلاق الأسرى، لا يظهر تقارب سعودي إيراني «أنا مش شايفو». ويستطرد متري: «في إيران وجهتا نظر سياسيتان ما بين الإصلاحيين وجماعة الحرس الثوري وأنا لست أكيداً أن المعتدلين وهم يمثلون أكثرية الشعب الإيراني ويمثلهم حالياً الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، لست أكيداً أن هذا الفريق يملك بيديه سياسة إيران الإقليمية. لغاية الآن لا يبرز هذا الأمر بوضوح. على النقيض من ذلك هناك توتر بين إيران والسعودية.

لذلك اسأل هل اللبنانيون وحدهم قادرون أن ينجزوا تسوية داخلية.. نظرياً أنا أقول ممكن.. لكن دعني أستخدم «ربما» مع أشياء أخرى. «ربما»، هناك تفاوض إقليمي يجري في مكان ما ولكن بحكم معرفتي للفرقاء المعنيين أن المتحاورين اللبنانيين لم يدخلوا في نقاش جدي حول تسوية لبنانية».

ويضيف: «تصريح السيد حسن نصرالله أراح اللبنانيين بعض الشيء ولكن لم يطلق عملية تسوية جدية وفي الواقع بمجرد أن طرفاً لبنانياً صار طرفاً إقليمياً تلقائياً الأمر يعكس تداخلاً ما بين التسويتين الداخلية والإقليمية، لذلك أقول: لا جذر فعلياً إقليمياً لملامح تسوية لبنانية، أو مناخاً إقليمياً يمكن ملامسته يصب في مصلحة التسوية المطروحة، لذلك إذا أردت تسوية عليك أن تعمل جيداً على الوضع الإقليمي ومناخاته المؤاتية».

 

السياسة الخارجية الايرانية على حالها

[ ألم يفتح الاتفاق النووي الغربي مع إيران باب التسويات واسعاً في المنطقة؟

– «لدي استنتاج نظري في ما أراه وأسمعه وأنا التقيت مسؤولين إيرانيين تربطني بهم صداقة ومنذ أيام قليلة وهم من المقربين من الرئيس روحاني، وهؤلاء قالوا لي بالحرف «نحن نريد من رفع العقوبات ان تجعل إيران بلداً عادياً ينفتح على العالم والشباب الإيراني مثل أي شباب عالمي وليبرالي في فرنسا أو لبنان يريد أن ينفتح على العصر وعلى العالم الجديد.. وإذا ما تم ذلك وانصرفنا لتنمية بلدنا والانفتاح على العالم هذا حتماً «سيقود إلى سياسة إيرانية مسؤولة في المنطقة».

ويضيف: «نحن لا نريد مشاكل، هذا ما سمعته من أصدقائي الإيرانيين الذين التقيتهم أخيراً، وهذا الكلام يقوله الإصلاحيون أو الليبراليون.. لكن لغاية الآن باستثناء بعض التصريحات المقتضبة جداً لوزير الخارجية ظريف ولقائه القصير لربع ساعة مع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير.. لغاية الآن «لا شيء بلغة الجسد الإيراني وبلغة السلوك السياسي الإيراني يوحي بإنتاج سياسة خارجية إيرانية مقبولة في الإقليم».

ويستطرد «بالعكس من ذلك نرى انخراطا إيرانيا أوسع في الصراع السوري.. لذلك أنا لا أرى أن إيران مستعدة أن تنتج سياسة أكثر اعتدالاً وأكثر مسالمة مع الجوار العربي. قد لا استبعد ذلك، لكن السؤال متى ندخل في هذا الطور؟ قد ندخل إليه في مراحل لاحقة».

ثم أن الاتفاق النووي بذاته كان محصوراً بالملف النووي. صحيح انه أدى إلى تشكيل مناخ جديد في العلاقات الدولية. لكن هذا الاتفاق لم يرافقه بحث في أي مشكلة أخرى بالضرورة. ولم يتخلله تبادل أوراق أخرى غير متخصصة فنياً بغير الملف النووي وهندساته التقنية والفنية، ولم يستتبع بمواضيع أو ملاحق تناقش دور إيران في بعده الإقليمي والاستراتيجي في المنطقة ككل».

ويخلص: «إيران لن تتبرع بتقديم سياسة مهادنة وسياسة مسؤولة، من دون مقابل ومن دون مفاوضات معها والمفاوضات معها لم تحدث إلى الآن».

 

لبنان يستعيد دوره كممر

[ قلت أن ابتكار تسوية داخلية بمعزل عن التسويات الإقليمية أمر ممكن، خصوصاً أن تأخر التسوية في لبنان كلفته عالية وهناك Processus مع مجموعة أفكار طرحت أخيراً، ما هي حدود قدرة الفرقاء الداخليين على الفعل؟

ـ «من حسن حظنا نحن اللبنانيين أنه ولغاية الآن لم ينفجر على أرضنا الصراع السني الشيعي الذي كاد فائض العنف السوري وما يجري في الداخل السوري أن يجرفنا إليه، ويفيض إلى الجوار وأن يتسبب به، وأيضاً ما يجري في العراق من فرز مذهبي حاد وذلك برأيي يعود لأسباب كثيرة:

ـ تعلم اللبناني من أخطاء الماضي وملامسة وعي عام بعدم تكرار تجربة الحرب الأهلية.

ـ «حزب الله» لم يرغب أن يفتح معارك أخرى وهو يقاتل في سوريا، وهو يتصرف بطريقة مسؤولة داخلياً.

ـ لبنان منذ سنوات طويلة كان يشكل ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية. الآن الساحة في سوريا هي المفتوحة لتلك الصراعات. ولبنان فقد دوره كساحة وهو يستعيد دوره كممر وكبلد خدمات مصرفية، ومطار ومرفأ ويشكل حاجة سورية والسوريون مستفيدون من الرئة اللبنانية. كل هذه العناصر مجتمعة جمدت العنف، العنف السوري الذي كان يمكن ان ينتشر في لبنان من حمى السلم الأهلي.

أما في ملف النازحين والعودة الطوعية فيقول: «ان ثمة من «حول قضية اللاجئين السوريين الى قنبلة موقوتة، وثمة من تعامل بعنصرية مع الملف وحوّل اللبنانيين الى ضحايا تلك المآسي. ولكن ما حصل ان الانفجار، تحديداً انفجار اللجوء السوري لم يحصل ولم ينفجر الملف السوري حتى مع وجود مليون ومئة ألف لاجئ، وأكثرهم حقيقة من النساء والأطفال نحو (350،000) والبقية منهم يمارسون مهنة الحراسة وعمال بناء.. بالمحصلة لم ينفجر البلد نتيجة ذلك. هذا من حسن حظنا جميعاً.

ثم ان لبنان لديه الكثير من الأزمات ما يكفي لينفجر. الأسباب الأربعة التي ذكرت منعت الانفجار، ويجب البناء عليها لكي يصبح منع الانفجار دائماً وليس هشاً عبر وفاق حقيقي معلن وصريح غير الاكتفاء في منع الانفجار.

 

[ إذاً يمكن البناء على ذلك؟

ـ بالتأكيد، ولكن أبعد من موضوع تسوية داخلية على رئاسة الجمهورية أو تعطيل عمل الحكومة أو المجلس، هذا ليس شيئاً خارقاً بحد ذاته».

 

خيارات المسيحيين

[ لكن تأخر انتخاب رئيس للجمهورية ووضع الحكومة كما هي والمجلس النيابي ألا يعكس مأزقاً مسيحياً معيناً موازياً المأزق الوطني؟

– «هذا يعكس أزمة وطنية ويعكس أزمة الكل وخصوصاً المسيحيين. ما يهمنا حقيقة هو الناس المسيحيين بعيداً عن القيادات السياسية والقوى السياسية الرئيسة التي تشكل 30 أو 40 بالمئة منهم. فيما الأكثرية من المسيحيين لا علاقة لها بتلك القوى الفاعلة أو ما يسمى «نادي الأقوياء».

ويضيف متري: «فكرتان تتنازعان أو يتنازع عليهما المسيحيون منذ عصر النهضة وما قبل، وهما اللتان تحكمان خياراتهم وخصوصا حول موضوع رئاسة الجمهورية.

ـ الفكرة الأولى تقول إن على المسيحيين ان يتكتلوا ويرصوا صفوفهم ويتكلوا على أنفسهم وقواهم الذاتية وبمنطق من يريد الحفاظ على الطائف والمناصفة والبناء عليها، مع قانون انتخاب نيابي ينتخب فيه المسيحيون ممثليهم، وبمنطق تيار القوى الذي يحافظ فيه المسيحيون على خصوصيتهم.

ـ الفكرة الثانية تقول ان المسيحيين لعبوا دوراً أو أدواراً في النهضة العربية وأثروا في تحديث المجتمع العربي بتنويره واعتنقوا قضايا العالم العربي والانتماء العربي وساهموا في نشوء الأحزاب والنقابات، وكسبوا مواثيق حقوق الانسان وتحرير المرأة ولعبوا دوراً قيادياً وطليعياً في الثقافة والفنون بمعنى القيم العالمية والانسانية وانتشروا وابدعوا..

الفكرتان متصارعتان الى الآن، بين النزعة الأقلوية والانتماء الضيق، وبين فكرة وهي ابداعية سياسية ترفض القول ان المسيحيين اقلية وذلك بانتمائهم العربي والانساني الواسع.

 

مواصفات الرئيس ودوره

هذا ينسحب على موضوع رئيس الجمهورية ودوره كبير جداً برأيي.. دوره المؤثر في كل المجتمع اللبناني وهو في خدمة هذا المجتمع ككل.

الفئة الأولى تريد رئيساً قوياً، واحداً من قائمة الأربعة أو الخمسة.

الفئة الثانية تريد رئيساً حكيماً مؤثراً وفاعلاً بمعزل عن أعداد المسيحيين المتناقصة في البلد و «هذا آخر همها».

البعض يريد للنظام اللبناني بعد الطائف رئيساً للجمهورية مثل رئيس المانيا. نظرياً انا اميل الى رئيس جمهورية يكون هو المرجع الأخلاقي لكل اللبنانيين ويحتكم اليه بالقضايا الكبيرة كما هو الحال في المانيا.

رئيس جمهورية يكون عالماً أو فيلسوفاً، أو رجل دين أو عالماً أو غيره.

رئيس الجمهورية في المانيا لا يسمع عنه كثيراً ، يحتكم اليه بالقضايا الكبرى والمصيرية التي تواجه الناس والأمة ككل.

لا نريد ان نصل في لبنان الى هذا الحد المعمول به في المانيا ولكن ما اردت ان اقوله ان موقع رئيس الجمهورية غاية في الأهمية. أنا اتكلم نظرياً ولا اعطي رأياً حاسماً بالمرشحين ولا الاسماء المقترحة، انا لست نائباً ولا زعيماً سياسياً..

نظرياً ومبدئياً نحن بحاجة لرئيس جمهورية يحترمه كل اللبنانيين. رئيس للجمهورية لديه من السلطة المعنوية والشخصية القانونية، التي يفرضها على كل القوى بالقانون والدستور، وعلى نحو لا يمكن ان يرفض التعاطي معها أي فريق سياسي بالبلد او مهما كان قوياً لأنها تستند الى قوة القانون والدستور التي تشكل قواعد عمل رئيس الجمهورية، رئيس الجمهورية يستخدم صلاحياته الدستورية كاملة. قد لا يتوقف البعض عند أهمية ان يترأس رئيس الجمهورية طاولة مجلس الوزراء مجتمعاً.

البعض يستخف بدور رئيس الجلسة، وهو الذي يلملم الأفكار ويوجه النقاش ويذكر بالاساسيات ويدفع ببعض القضايا الرئيسة، رئيس الجلسة أمر غاية في الأهمية هذا دور كبير يمارسه رئيس الجمهورية وسلطة معنوية كبرى اذا عرف بحكمته كيف يمارسها.

للأسف ما يجري في الوسط المسيحي يعكس عمق أزمة وحلقة مفرغة: من جهة مطالبة بمناصفة قوية، ومن جهة قانون انتخاب ينتخب فيه المسيحيون ممثليهم المسيحيين، ورئيس للجمهورية قوي من ضمن قائمة اربعة او خمسة.. ومن ضمن وفي صلب هذه الحلقة المفرغة تدخل مقولة «أنا وغيري».. مسألة معقدة كل مرة نخسر اشياء مهمة».

 

شروط هزيمة «داعش»

[ كيف ترى مستقبل المنطقة بعد تجربتي «الربيع العربي» و«داعش»؟

ـ رئيس وزراء فرنسي سافر الى الصين والتقى نظيره شون ان لاي رئيس وزراء الصين حينها، وهو خبير في الشؤون الفرنسية سأل الأخير نظيره الفرنسي عن «الثورة الفرنسية» فكان الجواب «من المبكر الحكم على الثورة الفرنسية».

وأنا أستعيد هذا الجواب لأقول ان من المبكر الحكم على الثورات العربية. صحيح انفجر العنف مع الثورات تلك، والأخيرة لم تف بوعودها مع ذلك صار هناك حرية اكثر، أما الوعود التي لم تنجز معالجتها على صعيد الديموقراطية وحقوق الانسان (نسبياً تونس نجحت) فأسباب تعثرها كثيرة:

 

ـ انفجار ثورات مضادة.

ـ مشكلات بنيوية في المجتمعات العربية.

ـ إرث الاستبداد.

يضاف الى ذلك أزمة داعش والارهاب الذي نبت في الأرض، وهي ارض خصبة اصلاً. لكن هذا ليس مسؤولية الشباب العربي الذي نزل الى الشوارع والميادين بأصواته وبنبراته وشعاراته واجساده وعبّر عن تطلعات حقيقية.

نحن في مخاض صعب جداً، لأن مجتمعاتنا صعبة أصلاً تعاني انقسامات حادة، والعنف فيها عادة يومية ولسنا في آخر المطاف. والنموذج الذي سترسو عليه الأمور غير محدد وداعش لم يتبخر نفوذها، وهزيمة داعش غير ممكنة من دون حل سياسي والى حين يعتبر فيه السوريون الحكم السوري المقبل شرعياً، وإلى حين يؤمن فيه المواطنون بدولتهم غير المنحازة يتخلى الناس عن داعش. شروط هزيمة داعش قيام دولة عربية حديثة، ودولة القانون وحقوق الانسان والدولة المدنية المنفتحة على الشرائح التعددية والى ذلك الحين داعش لن تتبخر سريعاً».

سوريا والعراق.. والنموذج اللبناني

 

[ المنطقة ذاهبة الى النموذج اللبناني أو الى محل آخر؟

ـ النموذج اللبناني يقوم على فكرة المشاركة بين الطوائف وتقاسم السلطة. العراق مشى على هذه الطريق، ولكن صادف ان طرفاً اخذ حصة كبرى، وطرفاً كردياً انفرد بأموره فيما طرف اساسي هو الطرف السني غير راض على التسوية.

لم ينجح النموذج اللبناني في العراق، على صعيد المشاركة والتقاسم، بل كان نموذجاً فاشلاً عراقياً.

أما في سوريا وفي نهاية المطاف، الأمور سوف تذهب الى شيء يشبه الطائف اللبناني. ولكن هذا أمر مبكر الحكم بشأنه الأمر البديهي ارساء وقف اطلاق نار قبل اي شيء آخر كمنطلق لأي عملية سياسية. السعي الى وقف اطلاق نار امر اساسي يجب ان تدفع اليه الأمم المتحدة وكل الدول المعنية بالحل في سوريا كشرط لانطلاق العملية السياسية وليطبق مندرجات القرارات الدولية ولو اضطر الأمر التهديد باستخدام الفصل السابع لثني الأطراف عن استخدام القوة.

وللضغط باتجاه وقف اطلاق النار على الأرض. هذا يتطلب ارادة دولية فعلية تواكب القبول الروسي بفكرة التسوية السياسية في سوريا وقف اطلاق نار خارج مناطق داعش مع تلويح بالعقوبات على الأطراف التي لا تستجيب للارادة الدولية والا النزف السوري والعنف سيستمر طويلاً».

 

النازحون و«العودة الطوعية»

[ ومعه النزوح السوري الى الخارج؟

ـ هذه مسألة حساسة ومهمة جداً وتجادلية حالياً ولي رأي بذلك على صعيد ما صدر اخيراً عن وزارة الخارجية. صحيح لبنان لم يوقع على اتفاقيات دولية حول اللاجئين ولم يبن فكرة اقامة مجتمعات مركزية بسبب سياسة «النكران» ايام حكومة نجيب ميقاتي والتي مورست في الحكومة السابقة. لكن لبنان وقع على اتفاقيات حقوق الانسان وبالتالي ملزم أدبياً وقانونياً بتأمين حقوق اللاجئين السوريين وواحدة من حقوقهم الانسانية هي عودتهم «الطوعية» وهي العبارة التي تتكرر في كل الادبيات وهي عبارة عادية. واللاجئ ليس شخصاً تقرر ان تطرده هكذا من بلدك قبل ان يشعر نفسه بأنه آمن في بلده الاساسي لكي يتمكن من العودة اليه.

ثم لبنان غير المانيا او سويسرا.. أمر آخر هل نعتقد نحن اللبنانيين ان العائلة السورية سعيدة بمبلغ 13 دولاراً الذي يمنحها اياه صندوق السكان الدولي؟

هل يفكر البعض اننا نعطي اللاجئين السوريين عندنا «سبائك ذهبية» ليقيموا عندنا طويلاً، وليسعدوا عندنا ولا يعودوا الى بلدهم؟

لا اقول ان لبنان غير المانيا ومن حقه ممارسة سيادته على ارضه ويطبق قوانينه الداخلية النافذة. ما اريد ان اقوله اننا كلبنانيين لسنا قادرين ان نعطي اللاجئ السوري شيئاً، يجب ان لا يراودنا الشعور بالقوة، ولا بقوة السلاح، ولبنان ملتزم باحترام شرعة حقوق الانسان وعبارة «العودة الطوعية» عبارة عادية تتكرر لا خلفية لها ويجب ان لا تستخدم سياسياً في «الابتزاز السياسي» واذكاء مخاوف غير مبررة وغير انسانية.

يرى الوزير السابق والأكاديمي الدكتور طارق متري أن فرص نجاح التسوية الليبية «تحت السؤال ومحفوفة بالمخاطر واحتمالات نجاحها ليست عالية» نافياً ان تكون تسويات المنطقة «مرتبطة ببعضها البعض لأن لكل بلد أسبابه وخصوصيته الداخلية».

ويعتبر أن اغتيال زهران علوش أضعف صدقية العملية السياسية في سوريا وأن ظلالاً تخيّم على السلوك الروسي وأهدافه مثل تعزيز النظام السوري وعدم سقوط نظام الأسد، مشككاً بنجاح المفاوضات المقبلة في 25 الجاري في جنيف وصولاً إلى نتائج حاسمة وبأنه لن يكون هناك تفاوض حقيقي..

متري لم ير تغييراً في السلوك الإيراني يقدم إيران إلى سياسة «مسؤولة» في المنطقة مؤكداً ان ابتكار تسوية داخلية لبنانية «ممكن لكنه معقد مع طرف داخلي صار طرفاً إقليمياً، ما يصعب الفصل عن التسويات الإقليمية ويربطه بها.

ويدعو إلى وفاق داخلي «حقيقي صريح ومعلن لا يكتفي بمنع الانفجار الهش ويبني على الأفكار المطروحة بشأن رئاسة الجمهورية لأن الشغور الرئاسي يعكس أزمة وطنية متوقفاً عند الدور المهم الذي يمارسه رئيس الجمهورية كسلطة معنوية».

 

هنا نص الحوار:

[بداية ماذا عن فرص نجاح التسوية الليبية المطروحة؟

يقول متري «أنا من الذين يقولون إن تسوية عرجاء خير من لا تسوية. لكن فرص نجاح التسوية الأخيرة هي برأيي تحت السؤال وذلك لأسباب عدة: أولاً لأن هناك قوى سياسية لا يستهان بها ومدعومة من مجموعات مسلحة أو مجموعات مسلحة مدعومة من قوى سياسية تعارض الاتفاق. وفي بلد مثل ليبيا في واقعه المعقد ويختلط فيه الوضع الداخلي بتياراته الإيديولوجية والسياسية وتبايناته الاجتماعية وانقساماته القبلية والاثنية، وفي بلد لم يعرف التجربة الديموقراطية، ولم يكن مكاناً صالحاً لتبلور عمل النخب السياسية والقوى السياسية على قاعدة الحداثة، وفي بلد لا توجد فيه مؤسسات، لا جيش ولا شرطة، من السهل فيه تخريب أي اتفاق.

ويضيف: «لا أعرف حجم الكتلة المعارضة بالتحديد، لكن أعتقد أنه توجد كتلة وازنة غير موافقة على التسوية وراجت في ليبيا كما راجت عند اللبنانيين في حالات مشابهة، وراجت لدى فئات ليبية كما قلت واسعة مقولة أن الاتفاق مفروض على الليبيين من الخارج وغير معبر عن إرادتهم الفعلية. والليبيون لديهم حساسية تجاه الآخر، أياً كان الآخر وتجاه ما يسمى «الاستعمار الجديد».

ثانياً، أن الاتفاق نص على تأليف حكومة وحدة وطنية ومعروفة طريقة تشكيل مثل هذه الحكومات الائتلافية. الحكومة المطروحة يستثنى منها معارضو الاتفاق، وهي حكومة ليست جامعة، وبالتالي هي حكومة يصعب عليها أن تحكم، لا بل حكومة يصعب عليها أن تأتي إلى العاصمة، وليس عندها ذراع أمنية، واستطراداً هي حكومة مضطرة إلى الاعتماد على الدول الغربية، التي أيدت العملية السياسية. ويجري الكلام هنا عن تشكيل قوة عسكرية يتشكل جسمها الأساسي من الإيطاليين ومن دول غربية أخرى مؤيدة للتسوية السلمية بنسب متفاوتة. وهذه القوة تملك الجهوزية للتدخل عسكرياً من جديد في ليبيا إذا ما اقتضت الحاجة.

يضيف متري، لكن طبيعة هذا التدخل ليست واضحة. البعض يتحدث عن منطقة خضراء والتدخل من أجل ضرب داعش وحماية المرافق العامة من مطارات ومرافئ لا سيما المرافئ النفطية منها. وجود قوات أجنبية سيؤدي إلى تقسيم الليبيين بين مؤيدين ومعارضين للتدخل مجدداً، لذلك تنفيذ الاتفاق قد يكون محفوفاً بالمخاطر واحتمالات نجاحه ليست عالية».

 

التسويات غير مترابطة

[ بالتزامن مع بداية التسوية الليبية يجري الحديث عن ملامح تسوية في لبنان وأخرى في سوريا وكأن تسويات المنطقة مرتبطة ببعضها؟ ما رأيك؟

«لا أعتقد ذلك، ولكل بلد خصوصيته السياسية ولكل بلد أسبابه الداخلية. في ليبيا ثمة قلق دولي من فوضى متصاعدة سمحت لمجموعات داعش أن تزيد من نفوذها على الأرض الليبية. داعش يسيطر على سرت وقريب جداً من العاصمة ومن الميناء النفطي أو ما يسمى «الهلال النفطي». ثم تأتي موجات الهجرة غير الشرعية التي تقلق الأوروبيين والدول المجاورة، وهناك مشاكل قانونية داخل دول الاتحاد الأوروبي حول طبيعة الآليات القانونية المعتمدة والقواعد التقليدية في احترام حقوق الإنسان، وهناك أسباب أخرى دفعت القوى الغربية لإنجاح العملية السياسية. في المسألة السورية الأمر مختلف، وأنا من الذين يعتقدون أن اغتيال زهران علوش يضعف صدقية العملية السياسية».

ويعود متري إلى أيلول الماضي إلى خطابي باراك أوباما وفلاديمير بوتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اللذين ظهرا على طرفي نقيض إزاء الأزمة السورية.

ويضيف «لكن الوزير جون كيري قال «نستطيع العمل مع الروسي بالنسبة الى الوضع السوري». من المرجح وقد صار الأمر معروفاً أن الروس أبلغوا الأميركيين برغبتهم بالتدخل العسكري في سوريا آخر شهر أيلول 2015، وحددوا الهدف بمنع انهيار الجيش السوري لأن التسبب بفوضى كبيرة في سوريا لا يستفيد منها إلا داعش. ربما أضافوا هدفاً آخر أبلغوه للأميركيين أنه بعد تحقيق الهدف الأول، أي منع انهيار الجيش السوري، سيأتون ببشار الأسد إلى مائدة المفاوضات. لكن السلوك العسكري الروسي منذ تلك الفترة إلى حين اغتيال زهران علوش يوحي بأن التدخل العسكري لم يكن هدفه فقط منع انهيار مؤسسة الجيش، بل الهدف هو تعزيز النظام السوري وعدم سقوط الأسد».

ويستطرد متري: «أنموذج الطلعات الجوية الروسية الكثيفة أمامنا وروسيا تحاول أن تشكل مناطق فراغ ما بين بشار الأسد وبين داعش. وهذا يلقي ظلالاً من الشك على العملية السياسية في سوريا. بأي حال تفصلنا ايام عن 25 الجاري، وسنرى إذا مضت العملية السياسية قدماً في سوريا أم لا، والمعارضة السورية والجماعات المستقلة أيضاً لديها شكوك من حولها وتقول بأن مصير مؤتمر 25 سيكون مشابهاً لما جرى في جنيف واحد أي تعقد جلسة واحدة، كما حصل أيام الأخضر الإبراهيمي، والوفد السوري الذي يمثل النظام لن يفاوض فعلياً سيجلس الطرفان في غرف منفردة، ولن يكون هناك تفاوض حقيقي برأيي».

 

التسوية اللبنانية والمناخات الإقليمية

[وفي لبنان؟

لا يبدو متري في موقع المتابع لتفاصيل الأفكار المطروحة التي تظهر ملامح التسوية المطروحة. ولكن يحدد رؤيته: «أي تسوية مطروحة ستعكس بالضرورة المناخات الإقليمية، وتحديداً مسار العلاقات الثنائية تحديداً بين المملكة العربية السعودية وإيران». ويضيف: «العلاقات السعودية الإيرانية هي اليوم في أسوأ حالاتها، ومشروع الاتفاق الثنائي في اليمن متعثر و«مش ماشي»، واجتماع «يال» في سويسرا في الأسبوعين الماضيين الذي جمع ما بين الطرفين الحكومة اليمنية والمعارضة لم يستطع ان يتبنى وقف إطلاق نار بين الطرفين ولا إطلاق الأسرى، لا يظهر تقارب سعودي إيراني «أنا مش شايفو». ويستطرد متري: «في إيران وجهتا نظر سياسيتان ما بين الإصلاحيين وجماعة الحرس الثوري وأنا لست أكيداً أن المعتدلين وهم يمثلون أكثرية الشعب الإيراني ويمثلهم حالياً الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، لست أكيداً أن هذا الفريق يملك بيديه سياسة إيران الإقليمية. لغاية الآن لا يبرز هذا الأمر بوضوح. على النقيض من ذلك هناك توتر بين إيران والسعودية.

لذلك اسأل هل اللبنانيون وحدهم قادرون أن ينجزوا تسوية داخلية.. نظرياً أنا أقول ممكن.. لكن دعني أستخدم «ربما» مع أشياء أخرى. «ربما»، هناك تفاوض إقليمي يجري في مكان ما ولكن بحكم معرفتي للفرقاء المعنيين أن المتحاورين اللبنانيين لم يدخلوا في نقاش جدي حول تسوية لبنانية».

ويضيف: «تصريح السيد حسن نصرالله أراح اللبنانيين بعض الشيء ولكن لم يطلق عملية تسوية جدية وفي الواقع بمجرد أن طرفاً لبنانياً صار طرفاً إقليمياً تلقائياً الأمر يعكس تداخلاً ما بين التسويتين الداخلية والإقليمية، لذلك أقول: لا جذر فعلياً إقليمياً لملامح تسوية لبنانية، أو مناخاً إقليمياً يمكن ملامسته يصب في مصلحة التسوية المطروحة، لذلك إذا أردت تسوية عليك أن تعمل جيداً على الوضع الإقليمي ومناخاته المؤاتية».

 

السياسة الخارجية الايرانية على حالها

[ ألم يفتح الاتفاق النووي الغربي مع إيران باب التسويات واسعاً في المنطقة؟

– «لدي استنتاج نظري في ما أراه وأسمعه وأنا التقيت مسؤولين إيرانيين تربطني بهم صداقة ومنذ أيام قليلة وهم من المقربين من الرئيس روحاني، وهؤلاء قالوا لي بالحرف «نحن نريد من رفع العقوبات ان تجعل إيران بلداً عادياً ينفتح على العالم والشباب الإيراني مثل أي شباب عالمي وليبرالي في فرنسا أو لبنان يريد أن ينفتح على العصر وعلى العالم الجديد.. وإذا ما تم ذلك وانصرفنا لتنمية بلدنا والانفتاح على العالم هذا حتماً «سيقود إلى سياسة إيرانية مسؤولة في المنطقة».

ويضيف: «نحن لا نريد مشاكل، هذا ما سمعته من أصدقائي الإيرانيين الذين التقيتهم أخيراً، وهذا الكلام يقوله الإصلاحيون أو الليبراليون.. لكن لغاية الآن باستثناء بعض التصريحات المقتضبة جداً لوزير الخارجية ظريف ولقائه القصير لربع ساعة مع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير.. لغاية الآن «لا شيء بلغة الجسد الإيراني وبلغة السلوك السياسي الإيراني يوحي بإنتاج سياسة خارجية إيرانية مقبولة في الإقليم».

ويستطرد «بالعكس من ذلك نرى انخراطا إيرانيا أوسع في الصراع السوري.. لذلك أنا لا أرى أن إيران مستعدة أن تنتج سياسة أكثر اعتدالاً وأكثر مسالمة مع الجوار العربي. قد لا استبعد ذلك، لكن السؤال متى ندخل في هذا الطور؟ قد ندخل إليه في مراحل لاحقة».

ثم أن الاتفاق النووي بذاته كان محصوراً بالملف النووي. صحيح انه أدى إلى تشكيل مناخ جديد في العلاقات الدولية. لكن هذا الاتفاق لم يرافقه بحث في أي مشكلة أخرى بالضرورة. ولم يتخلله تبادل أوراق أخرى غير متخصصة فنياً بغير الملف النووي وهندساته التقنية والفنية، ولم يستتبع بمواضيع أو ملاحق تناقش دور إيران في بعده الإقليمي والاستراتيجي في المنطقة ككل».

ويخلص: «إيران لن تتبرع بتقديم سياسة مهادنة وسياسة مسؤولة، من دون مقابل ومن دون مفاوضات معها والمفاوضات معها لم تحدث إلى الآن».

 

لبنان يستعيد دوره كممر

[ قلت أن ابتكار تسوية داخلية بمعزل عن التسويات الإقليمية أمر ممكن، خصوصاً أن تأخر التسوية في لبنان كلفته عالية وهناك Processus مع مجموعة أفكار طرحت أخيراً، ما هي حدود قدرة الفرقاء الداخليين على الفعل؟

ـ «من حسن حظنا نحن اللبنانيين أنه ولغاية الآن لم ينفجر على أرضنا الصراع السني الشيعي الذي كاد فائض العنف السوري وما يجري في الداخل السوري أن يجرفنا إليه، ويفيض إلى الجوار وأن يتسبب به، وأيضاً ما يجري في العراق من فرز مذهبي حاد وذلك برأيي يعود لأسباب كثيرة:

ـ تعلم اللبناني من أخطاء الماضي وملامسة وعي عام بعدم تكرار تجربة الحرب الأهلية.

ـ «حزب الله» لم يرغب أن يفتح معارك أخرى وهو يقاتل في سوريا، وهو يتصرف بطريقة مسؤولة داخلياً.

ـ لبنان منذ سنوات طويلة كان يشكل ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية. الآن الساحة في سوريا هي المفتوحة لتلك الصراعات. ولبنان فقد دوره كساحة وهو يستعيد دوره كممر وكبلد خدمات مصرفية، ومطار ومرفأ ويشكل حاجة سورية والسوريون مستفيدون من الرئة اللبنانية. كل هذه العناصر مجتمعة جمدت العنف، العنف السوري الذي كان يمكن ان ينتشر في لبنان من حمى السلم الأهلي.

أما في ملف النازحين والعودة الطوعية فيقول: «ان ثمة من «حول قضية اللاجئين السوريين الى قنبلة موقوتة، وثمة من تعامل بعنصرية مع الملف وحوّل اللبنانيين الى ضحايا تلك المآسي. ولكن ما حصل ان الانفجار، تحديداً انفجار اللجوء السوري لم يحصل ولم ينفجر الملف السوري حتى مع وجود مليون ومئة ألف لاجئ، وأكثرهم حقيقة من النساء والأطفال نحو (350،000) والبقية منهم يمارسون مهنة الحراسة وعمال بناء.. بالمحصلة لم ينفجر البلد نتيجة ذلك. هذا من حسن حظنا جميعاً.

ثم ان لبنان لديه الكثير من الأزمات ما يكفي لينفجر. الأسباب الأربعة التي ذكرت منعت الانفجار، ويجب البناء عليها لكي يصبح منع الانفجار دائماً وليس هشاً عبر وفاق حقيقي معلن وصريح غير الاكتفاء في منع الانفجار.

 

[ إذاً يمكن البناء على ذلك؟

ـ بالتأكيد، ولكن أبعد من موضوع تسوية داخلية على رئاسة الجمهورية أو تعطيل عمل الحكومة أو المجلس، هذا ليس شيئاً خارقاً بحد ذاته».

 

خيارات المسيحيين

[ لكن تأخر انتخاب رئيس للجمهورية ووضع الحكومة كما هي والمجلس النيابي ألا يعكس مأزقاً مسيحياً معيناً موازياً المأزق الوطني؟

– «هذا يعكس أزمة وطنية ويعكس أزمة الكل وخصوصاً المسيحيين. ما يهمنا حقيقة هو الناس المسيحيين بعيداً عن القيادات السياسية والقوى السياسية الرئيسة التي تشكل 30 أو 40 بالمئة منهم. فيما الأكثرية من المسيحيين لا علاقة لها بتلك القوى الفاعلة أو ما يسمى «نادي الأقوياء».

ويضيف متري: «فكرتان تتنازعان أو يتنازع عليهما المسيحيون منذ عصر النهضة وما قبل، وهما اللتان تحكمان خياراتهم وخصوصا حول موضوع رئاسة الجمهورية.

ـ الفكرة الأولى تقول إن على المسيحيين ان يتكتلوا ويرصوا صفوفهم ويتكلوا على أنفسهم وقواهم الذاتية وبمنطق من يريد الحفاظ على الطائف والمناصفة والبناء عليها، مع قانون انتخاب نيابي ينتخب فيه المسيحيون ممثليهم، وبمنطق تيار القوى الذي يحافظ فيه المسيحيون على خصوصيتهم.

ـ الفكرة الثانية تقول ان المسيحيين لعبوا دوراً أو أدواراً في النهضة العربية وأثروا في تحديث المجتمع العربي بتنويره واعتنقوا قضايا العالم العربي والانتماء العربي وساهموا في نشوء الأحزاب والنقابات، وكسبوا مواثيق حقوق الانسان وتحرير المرأة ولعبوا دوراً قيادياً وطليعياً في الثقافة والفنون بمعنى القيم العالمية والانسانية وانتشروا وابدعوا..

الفكرتان متصارعتان الى الآن، بين النزعة الأقلوية والانتماء الضيق، وبين فكرة وهي ابداعية سياسية ترفض القول ان المسيحيين اقلية وذلك بانتمائهم العربي والانساني الواسع.

 

مواصفات الرئيس ودوره

هذا ينسحب على موضوع رئيس الجمهورية ودوره كبير جداً برأيي.. دوره المؤثر في كل المجتمع اللبناني وهو في خدمة هذا المجتمع ككل.

الفئة الأولى تريد رئيساً قوياً، واحداً من قائمة الأربعة أو الخمسة.

الفئة الثانية تريد رئيساً حكيماً مؤثراً وفاعلاً بمعزل عن أعداد المسيحيين المتناقصة في البلد و «هذا آخر همها».

البعض يريد للنظام اللبناني بعد الطائف رئيساً للجمهورية مثل رئيس المانيا. نظرياً انا اميل الى رئيس جمهورية يكون هو المرجع الأخلاقي لكل اللبنانيين ويحتكم اليه بالقضايا الكبيرة كما هو الحال في المانيا.

رئيس جمهورية يكون عالماً أو فيلسوفاً، أو رجل دين أو عالماً أو غيره.

رئيس الجمهورية في المانيا لا يسمع عنه كثيراً ، يحتكم اليه بالقضايا الكبرى والمصيرية التي تواجه الناس والأمة ككل.

لا نريد ان نصل في لبنان الى هذا الحد المعمول به في المانيا ولكن ما اردت ان اقوله ان موقع رئيس الجمهورية غاية في الأهمية. أنا اتكلم نظرياً ولا اعطي رأياً حاسماً بالمرشحين ولا الاسماء المقترحة، انا لست نائباً ولا زعيماً سياسياً..

نظرياً ومبدئياً نحن بحاجة لرئيس جمهورية يحترمه كل اللبنانيين. رئيس للجمهورية لديه من السلطة المعنوية والشخصية القانونية، التي يفرضها على كل القوى بالقانون والدستور، وعلى نحو لا يمكن ان يرفض التعاطي معها أي فريق سياسي بالبلد او مهما كان قوياً لأنها تستند الى قوة القانون والدستور التي تشكل قواعد عمل رئيس الجمهورية، رئيس الجمهورية يستخدم صلاحياته الدستورية كاملة. قد لا يتوقف البعض عند أهمية ان يترأس رئيس الجمهورية طاولة مجلس الوزراء مجتمعاً.

البعض يستخف بدور رئيس الجلسة، وهو الذي يلملم الأفكار ويوجه النقاش ويذكر بالاساسيات ويدفع ببعض القضايا الرئيسة، رئيس الجلسة أمر غاية في الأهمية هذا دور كبير يمارسه رئيس الجمهورية وسلطة معنوية كبرى اذا عرف بحكمته كيف يمارسها.

للأسف ما يجري في الوسط المسيحي يعكس عمق أزمة وحلقة مفرغة: من جهة مطالبة بمناصفة قوية، ومن جهة قانون انتخاب ينتخب فيه المسيحيون ممثليهم المسيحيين، ورئيس للجمهورية قوي من ضمن قائمة اربعة او خمسة.. ومن ضمن وفي صلب هذه الحلقة المفرغة تدخل مقولة «أنا وغيري».. مسألة معقدة كل مرة نخسر اشياء مهمة».

 

شروط هزيمة «داعش»

[ كيف ترى مستقبل المنطقة بعد تجربتي «الربيع العربي» و«داعش»؟

ـ رئيس وزراء فرنسي سافر الى الصين والتقى نظيره شون ان لاي رئيس وزراء الصين حينها، وهو خبير في الشؤون الفرنسية سأل الأخير نظيره الفرنسي عن «الثورة الفرنسية» فكان الجواب «من المبكر الحكم على الثورة الفرنسية».

وأنا أستعيد هذا الجواب لأقول ان من المبكر الحكم على الثورات العربية. صحيح انفجر العنف مع الثورات تلك، والأخيرة لم تف بوعودها مع ذلك صار هناك حرية اكثر، أما الوعود التي لم تنجز معالجتها على صعيد الديموقراطية وحقوق الانسان (نسبياً تونس نجحت) فأسباب تعثرها كثيرة:

 

ـ انفجار ثورات مضادة.

ـ مشكلات بنيوية في المجتمعات العربية.

ـ إرث الاستبداد.

يضاف الى ذلك أزمة داعش والارهاب الذي نبت في الأرض، وهي ارض خصبة اصلاً. لكن هذا ليس مسؤولية الشباب العربي الذي نزل الى الشوارع والميادين بأصواته وبنبراته وشعاراته واجساده وعبّر عن تطلعات حقيقية.

نحن في مخاض صعب جداً، لأن مجتمعاتنا صعبة أصلاً تعاني انقسامات حادة، والعنف فيها عادة يومية ولسنا في آخر المطاف. والنموذج الذي سترسو عليه الأمور غير محدد وداعش لم يتبخر نفوذها، وهزيمة داعش غير ممكنة من دون حل سياسي والى حين يعتبر فيه السوريون الحكم السوري المقبل شرعياً، وإلى حين يؤمن فيه المواطنون بدولتهم غير المنحازة يتخلى الناس عن داعش. شروط هزيمة داعش قيام دولة عربية حديثة، ودولة القانون وحقوق الانسان والدولة المدنية المنفتحة على الشرائح التعددية والى ذلك الحين داعش لن تتبخر سريعاً».

سوريا والعراق.. والنموذج اللبناني

 

[ المنطقة ذاهبة الى النموذج اللبناني أو الى محل آخر؟

ـ النموذج اللبناني يقوم على فكرة المشاركة بين الطوائف وتقاسم السلطة. العراق مشى على هذه الطريق، ولكن صادف ان طرفاً اخذ حصة كبرى، وطرفاً كردياً انفرد بأموره فيما طرف اساسي هو الطرف السني غير راض على التسوية.

لم ينجح النموذج اللبناني في العراق، على صعيد المشاركة والتقاسم، بل كان نموذجاً فاشلاً عراقياً.

أما في سوريا وفي نهاية المطاف، الأمور سوف تذهب الى شيء يشبه الطائف اللبناني. ولكن هذا أمر مبكر الحكم بشأنه الأمر البديهي ارساء وقف اطلاق نار قبل اي شيء آخر كمنطلق لأي عملية سياسية. السعي الى وقف اطلاق نار امر اساسي يجب ان تدفع اليه الأمم المتحدة وكل الدول المعنية بالحل في سوريا كشرط لانطلاق العملية السياسية وليطبق مندرجات القرارات الدولية ولو اضطر الأمر التهديد باستخدام الفصل السابع لثني الأطراف عن استخدام القوة.

وللضغط باتجاه وقف اطلاق النار على الأرض. هذا يتطلب ارادة دولية فعلية تواكب القبول الروسي بفكرة التسوية السياسية في سوريا وقف اطلاق نار خارج مناطق داعش مع تلويح بالعقوبات على الأطراف التي لا تستجيب للارادة الدولية والا النزف السوري والعنف سيستمر طويلاً».

 

النازحون و«العودة الطوعية»

[ ومعه النزوح السوري الى الخارج؟

ـ هذه مسألة حساسة ومهمة جداً وتجادلية حالياً ولي رأي بذلك على صعيد ما صدر اخيراً عن وزارة الخارجية. صحيح لبنان لم يوقع على اتفاقيات دولية حول اللاجئين ولم يبن فكرة اقامة مجتمعات مركزية بسبب سياسة «النكران» ايام حكومة نجيب ميقاتي والتي مورست في الحكومة السابقة. لكن لبنان وقع على اتفاقيات حقوق الانسان وبالتالي ملزم أدبياً وقانونياً بتأمين حقوق اللاجئين السوريين وواحدة من حقوقهم الانسانية هي عودتهم «الطوعية» وهي العبارة التي تتكرر في كل الادبيات وهي عبارة عادية. واللاجئ ليس شخصاً تقرر ان تطرده هكذا من بلدك قبل ان يشعر نفسه بأنه آمن في بلده الاساسي لكي يتمكن من العودة اليه.

ثم لبنان غير المانيا او سويسرا.. أمر آخر هل نعتقد نحن اللبنانيين ان العائلة السورية سعيدة بمبلغ 13 دولاراً الذي يمنحها اياه صندوق السكان الدولي؟

هل يفكر البعض اننا نعطي اللاجئين السوريين عندنا «سبائك ذهبية» ليقيموا عندنا طويلاً، وليسعدوا عندنا ولا يعودوا الى بلدهم؟

لا اقول ان لبنان غير المانيا ومن حقه ممارسة سيادته على ارضه ويطبق قوانينه الداخلية النافذة. ما اريد ان اقوله اننا كلبنانيين لسنا قادرين ان نعطي اللاجئ السوري شيئاً، يجب ان لا يراودنا الشعور بالقوة، ولا بقوة السلاح، ولبنان ملتزم باحترام شرعة حقوق الانسان وعبارة «العودة الطوعية» عبارة عادية تتكرر لا خلفية لها ويجب ان لا تستخدم سياسياً في «الابتزاز السياسي» واذكاء مخاوف غير مبررة وغير انسانية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل