#adsense

سجون وساحات –  كارول بارد: كنا نقيم خيمة في البرّية هربًا من التوقيفات

حجم الخط

هي ابنة زحلة. من عائلة مقاومة دافعت عن “دار السلام” أيام الحرب وصمدت أمام الحصار السوري. حملت السلاح الى جانب والدها في “التجمّع الزحلي” وكانت ما زالت في سن الحادية عشرة. ثم التحقت بحزب “الكتائب” فيما كان والدها مفوّض “الأحرار” في المدينة، وكانت هذه طريقة والدها في توحيد بندقية القوى المسيحية.

مقاتلة شرسة. شاركت في كل المعارك التي خاضتها المدينة ضد الاحتلال السوري وأحلافه آنذاك. الى أن كان حصار زحلة في نيسان 1981، حينها تعرفت الى “القوات اللبنانية” بقيادة الرئيس الشهيد بشير الجميل ورافقت الشباب الذين كانوا يتسللون الى زحلة عبر صنين ويقطعون جبال الثلج ليقاتلوا دفاعاً عن معقل المسيحيين في البقاع زحلة “دار السلام”.

كارول شمعون بارد تتذكر 11 عاماً من الخوف والدموع ولا يرف لها جفن. فهي مقاتلة شرسة أيام الاضطهاد تماماً كما أيام الحرب.

أبان الحصار على مدينتنا تكشف كارول “كان لدينا في البيت جهاز لتحديد الإحداثيات لمدفعية “القوات” وضرب المواقع السورية التي تحاصرنا”. بعد أيام من القصف أصيبت والدتها بهلع شديد وانهيار عصبي ما دفع بوالد كارول الى تهريبها من زحلة والطلب من كارول مرافقتها الى بيروت. وصلت العائلة الى الحاجز السوري ومعها صبيتان من الأقارب من آل شمعون طلبتا من والد كارول إخراجهما من أتون النار في المدينة، فلم يسمح لهما بالمرور لأنهما لا تحملان تصريحاً بالخروج من قائد قوات الردع العربية وقتها العميد سامي الخطيب، فيما انا ووالدتي حصلنا على التصريح لأن والدي كان مهندساً وشريكاً لمنيف الخطيب شقيق سامي. فتطوّعت بالنزول مع الصبيتين على الحاجز وانتظار والدي ليعود بتصريح لهما وهو لا يعلم أنني أرتدي تحت سترتي قميصاً تحمل أرزة “الكتائب”! أذكر كم كنت واثقة من نفسي يومها ولا أعرف الخوف، وإيماني بالقضية زادني قوة حتى أنني في خلال الحرب كنت أحمل الخرائط وأقصد زحلة لتصحيح الإحداثيات لسلاح المدفعية في “القوات اللبنانية” وتحديد مراكز السوريين لقصفها.

بعد سن الثامنة عشرة التحقت بالجامعة الأميركية في بيروت للتخصّص في الطب وهناك أيضاً مارست العمل المقاوم وبقيت على التزامها. “حينذاك كان الفلسطينيون يسيطرون على الجامعة و”حزب الله” في بداية عمله يدفع 100 دولار لكل صبية ترتدي الحجاب وبينهن صديقات لي. وطبيعة عملي كـ”سنتراليست” في الجامعة الى جانب التخصّص سمحت لي بكشف أحد العملاء الفلسطينيين في جونية وكان يحضر لعمل أمني في المنطقة. بعد العام 1983 والحرب بين الجيش اللبناني و”حركة أمل” إكتُشف أمري فاضطررت لمغادرة الجامعة محجّبة ومتخفّية. على الأثر التحقت بالجامعة اللبنانية كلية العلوم الفرع الثاني وهناك التقيت بزوجي أنطوان بارد وكان في السنة الأخيرة وناشطاً في خلية طلاب “القوات اللبنانية” في الجامعة، فصار عشقي لـ”القوات” عشقين!

في تلك الفترة كانت “القوات اللبنانية” تشهد حالات عدم استقرار داخلي فقرّرت أن أعلق نشاطي، الى أن التقيت الدكتور سمير جعجع يوم جاء الى الجامعة ليلقي محاضرة فسألته السؤال الأول: “من يؤكد لنا أن الكلام الذي تقوله اليوم ليس كالكلام الذي قاله غيرك من قبل ولم يفوا بوعودهم”. فنظر الي وقال “انطري وخلي الإيام تقلك”، وفعلا انتظرت والأيام أثبتت لي أن هذا الرجل مختلف عن الجميع.

التحقت مع أنطوان بسلاح المدفعية وكانت مهمتي أبان حرب التحرير وحرب الإلغاء في عمليات المدفعية وتحديد الإحداثيات. بقينا مرّة 72 ساعة وحدنا أنا ورفيق آخر من دون نوم أو أكل وكل الشباب في بيروت والطرقات مقطوعة يتنقلون بين كسروان وبيروت عن طريق البحر.

أعتبر أن هذه التجربة كانت هي معموديتي في “القوات اللبنانية”، تلك كانت أصعب مرحلة في حياتي حيث صار المسيحي يقتل أخاه المسيحي. كنت أرى القهر في عيني الحكيم وطوني زوجي وكل الشباب وأفهم كم كان صعباً أن تفرض الحرب علينا لأن السكين على عنقنا.

عندما انتهت الحرب كانت سعادتنا لا توصف ووعدنا أنفسنا بحياة جميلة، الى أن كان التاريخ المشؤوم والانفجار في كنيسة سيدة النجاة في الزوق واتهام الدكتور جعجع. صحيح أنني صلبة ومقاتلة شرسة لكنني شديدة الحساسية في داخلي، وذاك الظلم أثرّ فيّ الى حد بات ذاك الوجع رفيق ليلي ونهاري، تصوري أنني صرت أحلم أنني انتقم لسمير جعجع. قد يستغرب البعض لكن أنا وطوني زوجي بقينا 11 عاماً ندعى الى سهرات لا نلبيها لأننا لم نكن نتحمل فكرة أن نفرح وهو في السجن. كان ممنوعا علينا أن نخرج ونفرح وهو في السجن وكل أصدقائنا يعرفون بقرارنا هذا. كانت طريقتنا بالتضحية ولو بجزء بسيط معه ونعيش ألمه وسجنه ونصلي لتنتهي الشدة عنه.

طوني زوجي كالكثير من المسؤولين في “القوات” عانى من التوقيفات المتكررة والسجن والتعذيب والترهيب. في إحدى المرات، أعتقد بعد ما سمي بحادثة طبرجا وإطلاق النار على “فان” سوري للركاب، أخذوا طوني من البيت. يومها أوقفوا مئات الشباب، فلحقت به في سيارتي من مركز الى آخر الى أن وصلت عند الرابعة فجراً الى وزارة الدفاع، فطلبت من المسؤول أن أدخل لأرى زوجي، ضحك علي وقال “ما في حدا فلي”، فأجبته أنهم جاؤوا به الآن مع مجموعة شباب من “القوات” وأريد أن أدخل لأراه غصباً عن الكل، حينها “خرطش” سلاحه وصوبه علي في السيارة، لم أخف بالطبع لأنني لست ممن يخافون، لكن نزولا عند توسلات عمي والد طوني تركنا المكان وعدنا الى البيت مطمئنين أنه في الوزارة.

لم أخف يوماً من التوقيف وكنا نتحايل عليهم ونأخذ طفلتينا معنا ونقيم مخيماً في البرية او عند النهر نختبىء فيه عندما نعرف ان هناك موجة استدعاءات تحضرها أجهزة مخابرات الوصاية السورية آنذاك.

مع ذلك فإن كل ما مررنا به لا يحسب نقطة في بحر ما مرّ به الحكيم. وكان قرارنا واضحاً رغم كل الإغراءات التي قدمت لنا، والجنسية الكندية التي منحت لنا ورفضناها، قرارنا أن نبقى هنا رغم كل الظلم لأننا لا نعتبر أن لبنان “أوتيل” بل وطن لنا وسيبقى”.

تستعيد أيام النضال وتروي “أذكر أنني كنت آخذ معي أنطونيلا إبنتي البكر في كل التظاهرات التي كنا ننظمها الى بكركي أو العدلية أو القداسات في ميفوق وحريصا…، كانت رفيقتنا الدائمة وحتى عندما أطلقت عناصر من الجيش النار علينا في بكركي مرّ الرصاص قربها ولم تصب الحمدلله ومع ذلك لم نتوقف عن المشاركة بكل تحرّك يطالب بانهاء اعتقال الحكيم”.

يومها تداعينا كلنا لمؤازرة تحرّك طلاب “القوات اللبنانية” باتجاه بكركي للمطالبة بالإفراج عن  الدكتور جعجع، ولم يسمح لنا الجيش بالدخول الى ساحة الصرح فهجمنا على البوابة كباراً وصغاراً نساءً ورجالاً، لفتحها فأطلق الجيش النار لترهيبنا. مع ذلك دخلنا تحت رشقات الرصاص الى الصرح والتقينا البطريرك صفير وطالبناه بالتحرك والدفاع عن كرامة المسيحيين. بعد ذلك بدأت تظهر علامات تبني البطريرك لقضية الدكتور جعجع أكثر وأكثر في مواقفه مع أنه هو أيضاً لم يَسلَم من هجومهم وضغوطهم الكبيرة عليه. ومع ذلك بقي يستقبلنا وكرة الثلج تكبر أكثر.

كنت من بين الأوائل الذين وقفوا الى جانب السيدة ستريدا، كيف تعرفت إليها؟

عندما ساعدتها لتنقل أغراضها من غدراس وتخلي المقرّ بعد اعتقال الدكتور جعجع الى البيت في يسوع الملك لم تكن تعرفني، وبقيت حذرة مني لأنها لم تكن تعرف أحداً منا ولا ثقة لها بأحد والحكيم غائب…، الى أن قلت لها ذات يوم أنني زوجة تينو بارد وهي تكنّ له معزّة خاصة فارتاحت لي لأنها تثق بزوجي. لم أعرفها قبل ذلك ولم أقف الى جانبها لأنها صديقتي.

لكني مذاك بقيت معها أزورها أكثر من مرة في الأسبوع وبالضرورة كل ثلاثاء وخميس لنطمئن على الحكيم، وفي كل التحضيرات التي كانت تطلب منا نحن كمجموعة يسوع الملك من حولها. كنت أشعر حينها أنني اقاوم وأقاتل أكثر من أيام الحرب. فحتى الحجر كان ضدنا يومذاك، وعلينا أن نقاوم انطلاقاً من مسيحيتنا.

كنت أبقى مع ستريدا ليال طويلة تقرأ لي رسائل الحكيم من السجن، كانت تشاركني بأعز اللحظات على قلبها وأنا التي أعتبر نفسي الصلبة ومن الذين لا يبكون أبداً لأنني أعتبر البكاء ضعفاً وعيباً، كنت أبكي على دموعها وحزنها وهي تقرأ كلمات الحكيم لها.

تذكرين ما كان يَرِد فيها؟

كل ما كان يكتبه في تلك الرسائل يدّل على أنه الحرّ بيننا وهو الأكثر سلاماً، كان يردّد لها “ما تعتلي همّي.. أنا ما بني شي عايش حياتي المسيحية هون وعم أدي واجباتي المسيحية ومش خايف وانت ما تخافي عليي”. كنت أقول لستريدا: “لا يمكن لإنسان سجين خاضع لكل هذا الضغط أن يكتب هذه الكلمات! وبدل أن نسانده هو الذي يساندنا”. وكنت أشعر أن هذه الكلمات كانت تشعرها بمسؤولية أكبر، تلك الصبية الصغيرة أثبتت أنها على مستوى المسؤولية “وكانت قدها”.

لا يعتقدن أحد أن الرسائل كانت مسموحة للحكيم ليتواصل مع زوجته، فقد كان يكتب لها الكثير لكنهم يخفون الكثير منها ولا يسلمون لستريدا إلا ندرة. لا بل كانوا يحاربونها بها، فإذا كانوا راضين عنها يسلمونها رسالة من بين عشرات الرسائل لها.

بقيت الى جانبها الى الوقت الذي هدّدوها بنا. قالوا لها: “إذا بقي كل هؤلاء يواظبون على زيارتك أنت التي ستدخلين الى السجن وسنأخذهم معك”. ساعتئذ قالت لنا: “ما بقا تجوا. إذا بتحبوني وبتحبوا سمير جعجع ما بقا تجوا. لأن إذا فِتّوا عالحبس ما فيي أعملكن شي”. كان التهديد جدياً وخطيراً يومها الى درجة أستدعت منها أن تطلب منا الابتعاد عن بيت الحكيم الى أن تتغير الظروف.

تفتيشنا وصلبنا على الحائط على الحاجز قبل بيت الحكيم كان أزعج من ان يحتمل ومع ذلك لم نرتدع. كانوا يقلبون السيارة رأساً على عقب عند كل نقطة تفتيش فصرت أملأ صندوقها بأكياس الزبالة لينشغلوا بها.

وبعد كل زيارة لستريدا كانت سيارة المخابرات تلاحقني مع الرشاش من النافذة وأنا كنت أحاول تضليلهم دائماً مع أنني أعرف أن اسمي وعنواني معهم.

كان كل ذلك سهلاً أمام ما كانت تعيشه ستريدا ونحن نشهد عليه. رغم كل تلك الضغوط والقسوة لم تنطفئ شعلة المقاومة فينا بل كنا نواجه بقلب كبير.

عظيم هذا الرجل، فبالاضافة الى محبتي له أنا أحترمه فوق العادة، ومع أنني كنت “تشارطت” أنا وستريدا أنني أنا من سيُقبله قبلها عندما يخرج من المعتقل لم أتمكن من معانقته بل وقفت أمامه وأديت له التحية.

كانت لك مساهمة مهمة في إدخال “القوات اللبنانية” الى نقابة المعلمين كيف كانت تلك التجربة؟

لم نكن نعرف طيلة فترة الاضطهاد من هم المعلمون الذين ينتمون أو يناصرون “القوات اللبنانية”، كانوا يخافون من المجاهرة بهذا الانتماء. وأعرف ذلك من المدرسة التي أعلّم فيها، فحوالى 75 في المئة من الأساتذة الذين يعلمون فيها ينتمون الى 14 آذار حتى لا أقول الى “القوات اللبنانية”، ومع ذلك لم يجرؤ أي منهم على المجاهرة برأيه السياسي. كنت وحدي المعروفة أنني “قواتية” لذا كانوا يتجنبون ويخافون الاقتراب مني. لكن عندما بدأنا بتأسيس نواة مكتب المعلمين في “القوات اللبنانية” إكتشفنا أن هناك 3 آلاف أستاذ يعلّمون في مدارس المنطقة هنا فقط. وفي الوقت الذي كنا فيه مجرد 3 أو أربع أساتذة من الملتزمين بـ”القوات” صرنا 3 آلاف منتسب مع إضبارة يعلن كل واحد فيها أنه “قواتي” رغم أن الحكيم كان ما زال معتقلاً.

كانت بداية التعبئة في زمن ما زال عبء الاحتلال ثقيلاً والدكتور سمير جعجع صامدًا في معتقله. نحن بدأنا والجيل الجديد من القواتيين يكمل المشوار معنا وبعدنا.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل