Site icon Lebanese Forces Official Website

أزمة اللاجئين قد تغيّر خريطة ألمانيا السياسية

على مدى السنوات العشر الأخيرة كانت الحياة السياسية في ألمانيا باهتة رتيبة نسبيا، هيمنت عليها أنجيلا ميركل على المستوى الوطني، واتفقت آراء الأحزاب الرئيسية في القضايا الكبرى من مساعي الإنقاذ لدول منطقة اليورو وأزمة اللاجئين إلى سياسة التخلّص من محطات الطاقة النووية تدريجيا. لكن هذا الوضع قد يختلف في عام 2016 عندما تجري خمس ولايات، من بين ولايات ألمانيا الست عشرة، انتخابات، استعدادا للانتخابات الاتحادية بعد ذلك بعام.

فالمستشارة ميركل لا تبدو فحسب أضعف من أي وقت مضى بسبب الموقف الذي اتخذته باستقبال مئات الآلاف من اللاجئين، بل إن صعود حزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للمهاجرين أدخل عنصر مفاجأة جديدا إلى الساحة السياسية.

إذا أضفنا إلى ذلك الانقسام غير المسبوق في صفوف الناخبين، وهو ما يعني أن ستة أحزاب لديها ما يبرر السعي لدخول أغلب برلمانات الولايات، فإن الحياة السياسية الهادئة التي تشهد في العادة توافقا في الآراء سيصبح من الصعب التنبُّؤ بتطوراتها، وربما أكثر مدعاة للانقسام.

والخطر الرئيسي هو خطر شن متطرفين اسلاميين هجوما على التراب الألماني. ومثل هذا الهجوم ستكون فيه نهاية ميركل إذا نجح في تنفيذه بعض من دخلوا أوروبا وسط طوفان المهاجرين. وحتى إذا نجت ألمانيا من مثل هذا الهجوم فإن أزمة اللاجئين ستظل تهمين على النقاش السياسي لتحدث استقطابا بين الناخبين، وتشجع خصوم ميركل في اليمين واليسار.

وفي الوقت الحالي تتراوح نسبة شعبية حزب البديل في استطلاعات الرأي بين 8 و10 في المئة أي ما يقرب من مثلي النسبة التي فاز بها الحزب في الانتخابات السابقة عام 2013، وهي 4.7 في المئة. ولم يستطع الحزب في تلك الانتخابات الحصول على نسبة الخمسة في المئة اللازمة لدخول البوندستاج (البرلمان الألماني) بفارق بسيط. غير أن صعود حزب البديل يبدو أكثر أهمية، عند الأخذ في الاعتبار حدوثه وسط خلافات داخلية ومشاكل مالية في الحزب الذي كان من الممكن أن يسحقه. وفي الأشهر الستة الأخيرة صمد الحزب أمام رحيل مؤسسه وافتراءات محرجة من جانب واحد من ساسته البارزين عن العادات التناسلية عند الأفارقة وقانون لتمويل الأحزاب من الحكومة، يهدد بتجريدها مما لديها من سيولة. وسيتضح مدى قوة حزب البديل في ثلاثة انتخابات تجري على مستوى الولايات خلال مارس المقبل. فالحزب بسبيله للفوز بنسبة سبعة في المئة في ولايتي بادن فورتمبرج وراينلاند بلاتينيت الغربيتين ومثلي هذا المستوى تقريبا في ولاية ساكسونيا-أنهالت في الشرق.

ويتضح الآن أن ثمة ثلاثة أحزاب مشروعة تمثل يمين الوسط في ألمانيا، منها كتلة المحافظين التي تتزعمها ميركل، وذلك في ضوء صعود حزب البديل وعودة حزب الديموقراطيين الأحرار المؤيد للسياسات التي تخدم قطاع الأعمال، وكان صانعا للملوك في الساحة السياسية الألمانية على مدى عشرات السنين قبل انهياره في الانتخابات الاتحادية الأخيرة.

أضف إلى ذلك، الأحزاب الرئيسية الثلاثة في اليسار: الحزب الديموقراطي الاشتراكي والخضر وحزب لينكه، الذي يمثل اليسار المتشدد وستبدو الساحة السياسية الألمانية أكثر تمزّقا من أي وقت مضى منذ توحيد دولتي ألمانيا عام 1990.

ومن المحتمل أن تصبح ميركل الخاسر الأكبر على الساحة السياسية الجديدة في ألمانيا، إذا عجزت عن وقف طوفان اللاجئين في الأشهر المقبلة. أما إذا نجحت فسيبدو أن شريكها الرئيسي في الانتخابات في برلين، وهو الحزب الديموقراطي الاشتراكي، سيُمنى بأكبر خسارة. وسيزيد صعود حزب البديل وعودة الحزب الديموقراطي الحر من صعوبة تشكيل الحزب الديموقراطي الاشتراكي أغلبيات تميل لليسار على مستوى الولايات وعلى المستوى الاتحادي، مما يضعف مركزه في المستقبل المنظور. وهذا الضعف قد يجعل الحزب الديموقراطي الاشتراكي شريكا لميركل أكثر ميلا للمواجهات، ويجعل من الصعب التنبؤ بمواقفه مع اقتراب الانتخابات الاتحادية المقبلة في عام 2017.

Exit mobile version