
أي دستور تحتاج إليه الميديا في العام الجديد؟ هل هو السرعة والتدفق والنقل المباشر من موقع الحدث، أم أنه التفكير والاختيار والوقوف على مسافة من المباشرة؟
وأي ملامح وصِفات يجب أن يتحلى بها مقدم البرنامج أو مقدمته؟ هل هو التفاعل في القضية، أم المعرفة من خلال ملف معلوماتي محترم؟ هذه الأسئلة تقفز إلى أذهان الكثيرين في مناسبة رحيل عام ومولد عام جديد.
والأكيد أن الأحداث هي التي تصنع الزمن الخاص والعام، وأن كليهما محكومان بقوانين أبدية للحياة، غير أن للإنسان أيضاً كلمته التي تم تجاهلها بفعل قوانين لم تسمح إلا بخروج أخبار القادة وحجب أخبار الناس العاديين.
أقول هذا في وداع عام فرض علينا أسئلة المطلوب مراجعتها حول أساليب الإعلام في طرح القضايا، وفي نظريات استقدام ضيوف الاستوديو. وفي السماح لهم بالتجاوز في حقوق الآخرين غير الموجودين، وربما التجاوب معهم، في عزف ثنائي على نغمة محددة، ثم استخدام «أدوات العصر» من كليبات وفيديوات لم يعد المصدر الإعلامي يحرص على صناعتها بنفسه بل يأخذها جاهزة من الغير، سواء كان مصدراً إعلامياً آخر، أو مصدراً شخصاً هو «المواطن الصحافي»، الذي أصبح أحد أهم عناصر الصورة الإعلامية في السنوات القليلة الماضية ومصدراً تسعى إليه قنوات التلفزيون، بما فيها الدولية الشهيرة، في نداء ملح لأن يرسل إليها ما صوَّره، في خرق واضح لقاعدة قديمة هي التأكد من حقيقة المعلومة من خلال الوسيلة نفسها وليس نقلها عن الآخرين.
وبالرغم مما تحقق عبر الزمن والأحداث من انتقال كبير لموقع الإعلام من جانب القادة والساسة إلى التوقف أمام المواطن العادي، إلا أنه انتقال متعثر، أو مرهون بحسابات عديدة غير حقوق الناس العاديين في حياة كريمة، وهو ما رأيناه عام 2015 في مشاهد عدة، مثل لقطة الطفل السوري الغارق في مياه البحر، ومثل صورة الطيار الأردني الذي أحرقه الداعشيون، وصور الهاربين العرب من أوطانهم، والتي تفننت القنوات الدولية في طرحها، وبخاصة تلك الناطقة بالعربية. ولم يتوان الكثير من القنوات المحلية في نقلها مع تغيير التعليق وتقليص المساحة الزمنية، لأنّ همومها كانت أكبر في نقل ما يحدث على أرض الواقع، من إرهاب الفساد السياسي والإداري الذي كشفته الأمطار والتغييرات المناخية الثقيلة.
وفي الحقيقة لم يكن الإعلام العربي عامة مؤهلاً لكل هذه الكوارث السياسية والاجتماعية والمناخية في عام 2015، فما زالت لديه أسئلة صعبة وموضوعات ممنوعة، من قبيل: هل يتدخل الأمن في الحياة السياسية؟ وهو موضوع طرح مرتين في أسبوع واحد: مرة في ما يخص الجزائر على قناة» فرانس 24»، ومرة أخرى في ما يخص مصر في قناة «النهار»، وكانت النتيجة متقاربة، على رغم بعد المسافات والأهداف.
ولنعد إلى سؤال البداية عن الدستور الذي يحتاج إليه الإعلام في العام الجديد؟ ومن الذي يضعه؟