في فترة الانتقال من عام مضى إلى عام آتٍ وعملية التسلم والتسليم بين عامين، لا بدّ من تأمل ومراجعة لاستخلاص العبر والدروس والتبصّر في الآتي من الايام.
لقد غرقت البلاد في حالة الفراغ الذي بدأ في رئاسة الجمهورية منذ سنة وسبعة شهور حتى اليوم وتمدد إلى كل المؤسسات ما أدى إلى اقفال ابواب المجلس النيابي إلا في حال “تشريع الضرورة”، وإلى شلّ اجتماعات الحكومة إلا من اجل انجاز الصفقة الفضيحة “ترحيل النفايات” وهكذا استطاع الطاقم السياسي الذي يستفيد اغلبية أقويائه من تقاسم جبنة النفايات منذ 17 عاماً ان يجَد سبيلاً إلى التمديد للفساد لمدة أطول، تحت شعار “الضروري والموقَّت” ووضع الجميع أمام خيارين: إمّا الغرق في النفايات بلا أفق، وإمّا التمديد للفساد..
لم يسبق ان وصلت الحال في لبنان إلى هذه الدرجة من الشكوى والتذمّر والفساد ونهب المال العام، وانما تعدّى ذلك إلى الاحساس بالاشمئزاز والقرف والغثيان لان العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية هي التي تُمسّ ولان ابسط حقوق المواطن في حياة كريمة ولائقة لم تعد مؤمنة.
رغم هذه الصورة القاتمة والسوداء يظل اللبنانيون معلقين في “حبال الهوى” وميالين إلى “التفاؤل الحذر” حتى لو لم يكن مستنداً إلى أساس واقعي وملموس، وأول ما يأملون حصوله هو انتخاب رئيس للجمهورية يضع وحسب اعتقادهم حدآ لهذا الانحدار الخطير الحاصل في البلاد على كافة المستويات الحكومية والادارية والمؤسساتية والحياتية والاقتصادية…
وبناءً عليه يبقى السؤال هل سيكون لنا رئيس في العام 2016 وهل بعض التفاؤل في مكانه؟
الجواب وبكل واقعية وموضوعية… نحن نتمنى ونأمل ذلك، ولكننا لا نخلط بين التمني والواقع الذي يفيد انه لا مؤشرات إلى انتخاب رئيس جديد في المدى المنظور مهما كان اسمه، كون الازمة ليست أزمة رئاسة جمهورية بقدر ما هي أزمة جمهورية، وليست أزمة حكومة بقدر ما هي أزمة نظام. وبالتالي لا يجوز تبسيط المشكلة واختصارها وتسخيفها في خلافات وصراعات مسيحية على السلطة أو في توازنات ومصالح داخلية.
واقع الحال يقول ان أزمة رئاسة الجمهورية في عمقها الحقيقي هي انعكاس لأزمة الصراع الحاد “السنيّ – الشيعي” في لبنان والمنطقة، وهي امتداد فرعي للتجاذبات والمصالح الاقليمية المتنافرة والمتضاربة. ولذلك قلناها ونقولها مجدداً ان انتخاب رئيس للجمهورية هي مسالة معقدة وصعبة في مرحلة لا يمكن فيها فصل الوضع اللبناني عن أزمات المنطقة.
قدرُ لبنان ان يظل مشدوداً إلى ما يجري في المنطقة وان يظل في دور المتلقي لا المبادر وفي موقع “المفعول به” لا الفاعل. وما تشهده المنطقة من حروب وتحولات واحداث سيتواصل بكل أسف في العام الجديد رغم ما ظهر من بوادر تسويات وتلاقي مصالح على حصر الحريق المندلع في عدة بلدان حروباً وارهاباً وعنفاً وبعدما صار الشرق الأوسط مصدر تهديد للأمن والاستقرار في العالم وصارت مخاطر ومشاكل الاصولية والتطرف والارهاب واللجوء والهجرة تلقي بثقلها ووطأتها على الاتحاد الاوروبي وباتت الهاجس الأكبر لدى المجتمع الدولي.
صحيح ان الأزمات في سوريا واليمن وليبيا “وُضِعت” اذا جاز التعبير على سكة الحلول والحوار السياسي، ولكن هذا لا يعني ان الانتقال سيكون سهلاً وسريعاً من مرحلة الحروب إلى مرحلة التسويات بسب التعقيدات الكثيرة التي نجمت عن صراعات الاعوام الخمسة الاخيرة من جهة وبسبب المصلحة الإسرائيلية بالإبقاء على الصراعات مشتعلة حتى تحقق اسرائيل حلمها التاريخي وهو تقسيم الشرق الى دويلات طائفية ومذهبية متناحرة من جهة ثانية.
وهنا وفي هذا المجال تحديداً لم يعد الأمر مختصراً على أزمات داخلية وصراعات بين شعوب وانظمة وانما تطورت إلى أزمات اقليمية واصبحت أزمات دول وكيانات وحدود وتوسعت إلى أزمات دولية استجلبت كل انواع التدخل الخارجي وبالتالي فان أقصى وأفضل ما يمكن فعله في هذا الظرف هو تحصين الوضع الداخلي وتحييده ما أمكن عن الصراع الأقليمي لتحقيق وضعية انتظار طويل الأمد والحد من الخسائر والتكاليف الباهظة الثمن وهذا ما يفرض تفعيل عمل الحكومة، وإعادة الحياة التشريعية والسياسية إلى مجلس النواب ولو بحده الأدنى، كما يجب دعم الجيش والاجهزة الامنية الاخرى بالاسلحة والعتاد للتعامل مع خطر الإرهاب الذي لم يعد تهديده أمنيًا وإنما بات استراتيجيًا ووجوديًا بالنسبة إلى لبنان، واضفاء مزيد من الجديّة والمسؤولية على الحوار الوطني حتى لا يظل حوار تمرير للوقت الضائع.
فإذا كانت الحكومة ممنوعة من اتخاذ القرارات الكبيرة والأساسية، وإذا كان السياسيون عاجزين عن التأثير والتقرير والمبادرة لان القرار ليس في يدهم فالأحرى بالحكومة ان تحصر اهتمامها بقضايا الناس ومشاكلهم لبقاء اللبنانيين صامدين في ارضهم وقراهم في هذه الظروف المصيرية والصعبة.
ما نأمله في مطلع هذه السنة ان يطرأ تحسن ملموس على أوضاع الناس واحوالهم الحياتية اليومية من كهرباء وماء وهاتف وطرقات وبيئة وصحة واستشفاء وغذاء ونفايات، ووقف هدر وسرقة المال العام خصوصآ في ملف ترحيل النفايات “الفضيحة” بعدما اصبحت البلاد على شفير الانهيار الاقتصادي واصبح الناس تحت خط الفقر. هذه ابسط حقوق المواطن وهذه ابسط واجبات الدولة، وهذا أقل ما يمكن فعله وتأمينه لتمرير المرحلة بأقل خسائر ممكنة وللتكيّف مع أوضاع اقليمية مضطربة ما زالت تنذر بتفاقم الأزمات وتأجج الحروب رغم كل “المؤشرات الخادعة” التي توحي بإقتراب موعد الخروج من النفق إلى الضوء، فيما المؤشرات الواقعية تقول ان فترة الإنتظار ستطول في ظل الغموض والتعقيدات والصراعات المتفجرة، وعدم وضع حد للحرب والعنف والتطرف.
اذن المؤشرات توحي ان منطقة الشرق الأوسط ما زالت في “المخاض العسير” ومركزاً لصراع اقليمي- دولي عنيف متداخل في خيوطه ومصالحه ويحمل في ذاته مخزون وشرارة “حرب عالمية ثالثة” لكن من نوع جديد، ظاهرها وعنوانها حرب ضد الإرهاب ولكنها متشّعبة ومتنوعة في تفرّعاتها وامتداداتها.
ـ في سوريا، لم يُعرف بعد ما إذا كان التدخل العسكري الروسي سيؤدي إلى تسريع الحل أم إلى تأجيج الحرب. فما يُحاك من قرارات دولية وتسويات سياسية، يوازيه على الأرض الكثير من القتال والعنف ورسم خريطة جديدة لسوريا، اضافة الى الفوضى الميدانية مع تعدد الجبهات والمواجهات تقابلها فوضى سياسية مع وجود خلافات جوهرية حول هوية المعارضة المعتدلة ودور الحكومة الانتقالية في حال انطلق الحوار ومصير الرئيس السوري وآليات تثبيت وقف النار فيما لو تمّ الاتفاق عليه.
ـ في اليمن وليبيا والعراق يسود ايضاً التطرف ويتقدم الواقع التقسيمي ويترسّخ يوماً بعد يوم حيث الحروب والمواجهات لم تفرغ بعد من انهاء وظيفتها ومهامها في رسم خطوط الحل على الارض وتفعيله على قياس المصالح والاحجام الدولية والاقليمية.
الأزمات في المنطقة لم تنتهِ فصولاً بعد، ومسلسل الأحداث والمفاجآت يتواصل ومرحلة التحولات والانعطافات ما تزال في أوجها، والعام 2016 لن يشهد انتخابات رئاسية اذا لم تنتهِ الحروب التي اشعلتها شرارة ما سمي يومها “بالربيع العربي” وانما ستشهد المنطقة وعلى الأرجح نهاية الشرق الأوسط الذي عرفناه منذ مئة عام ورسمته اتفاقية “سايكس – بيكو”. المصدر جريدة الديار … الاثنين 4-1-2016