
هل تسمح مرحلة “حرْق المراكب” بين الرياض وطهران بإستمرار تعايُش “الماء والنار” تحت السقف اللبناني؟ وهل ما زال متاحاً الحفاظ على وضعية “ربْط النزاع” بين طرفيْ الصراع في لبنان اللذين يشكّل “تيار المستقبل” و”حزب الله”، بما لهما من امتداد اقليمي، رافعتيْهما، ام ان البلاد باتت أمام مرحلة “ربْط أحزمة” تمهيداً لتحوّلها إحدى ساحات الإشتباك السعودي – الإيراني و… “على الحامي”؟
هذه “عيّنة” من الأسئلة التي دهمت المشهد السياسي في بيروت بعد إختيار الرياض تطبيق “عاصفة حزم” ديبلوماسية بإعلان قطْع العلاقات مع ايران، والإستقطاب السياسي اللبناني الحادّ الذي أحدثه هجوم السقف الأعلى للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله على السعودية والردّ الأعنف من قيادة “المستقبل”، الأمر الذي أثار غباراً كثيفاً حول تداعيات هذا المناخ المشحون على مجموعة ملفات لبنانية أبرزها الإنتخابات الرئاسية في ضوء طرْح الرئيس سعد الحريري اسم النائب سليمان فرنجية، والحوار الثنائي بين “المستقبل” و”حزب الله”، الى جانب الواقع الأمني في ظلّ المخاوف المتعاظمة من إمكان دخول لبنان مجدداً في دائرة عمليات الاغتيال السياسي في سياق محاولة كسْر التوازنات الداخلية.
وعبّر عضو “متلة المستقبل” النائب أحمد فتفت في حديث الى صحيفة “الراي” الكويتية، عن الخشية من حصول تطورات على المستوى الأمني أو وقوع إغتيالات ، “في ضوء الكلام التحريضي الفتنوي للسيد حسن نصرالله”، لافتاً الى ان “اي عمل أمني بهذا المعنى سيتحمّل مسؤوليته السيد نصرالله”.
وكشف فتفت انه تلقى قبل ايام قليلة وشخصيات اخرى في “14 آذار” تحذيرات أمنية بوجوب “ضبط تحركاتي”، مشيراً الى ان “الأجهزة الأمنية لا تستند دائماً الى معلومات بل احياناً الى جو معيّن يستدعي وفق تقديراتها إتخاذ شخصيات معيّنة إجراءات تحوُّط أمني”.
ووصف فتفت مواقف نصرالله بحق السعودية بأنها “كلام تحريضي فتنوي بالكامل وبالغ الخطورة ، ويثبّت ان الحزب يضع مصلحة المشروع الإيراني في المنطقة أولوية على حساب المصلحة الوطنية اللبنانية”، مضيفاً: “من هنا يزجّنا الحزب في معارك لا علاقة لنا بها، من سوريا والعراق والبحرين الى اليمن ونيجيريا ، واليوم يزّجنا في الشؤون الداخلية للمملكة العربية السعودية ، وهذا سلوك يعكس إمعاناً في زجّ البلد بالمخاطر على أكثر من صعيد سياسي وإقتصادي وإجتماعي وأمني”.
واذ اعتبر ان التسوية التي كانت مطروحة في الملف الرئاسي انطلاقاً من طرح اسم النائب فرنجية “صارت أكثر صعوبة”، رفض الكلام عن “إنقطاع الأمل” بإمكان عزل الملف الرئاسي عن الصراع الإقليمي اللاهب، قائلاً: “نحاول جاهدين والبطريرك مار بشارة بطرس الراعي يحاول، ولكن للأسف هناك قرار إقليمي ومن “حزب الله” بإبقاء ملف الرئاسة اقليمياً كي يكون ورقة بيد المفاوض الإيراني على الصعيد الإقليمي والدولي ، وبالتالي نعم الأمور باتت أكثر صعوبة”.
وعن التوقعات التي سادت بأن الحريري سيبادر مع السنة الجديدة الى تزخيم طرْحه بالإعلان الرسمي عن دعم ترشيح فرنجية وهل ما زال مثل هذا الامر واقعياً في ظل انعدام الافق الإقليمي والداخلي؟ أجاب: “الرئيس الحريري سيستمر بمساعيه التي تنطلق من ان هذا بلد التسويات ، وهو يحاول إنتاج تسوية لا تكون وليدة أزمة كبيرة او صدامات او تحريض او فتنة مثل اللذين انطوى عليهما كلام السيد نصرالله الاخير. والرئيس الحريري سيواصل مسعاه لإنجاز اي تسوية ، سواء هذه التسوية او غيرها، وأصلاً الموقف الرسمي هو انه اذا كان هناك احد لا تعجبه هذه التسوية، فليطرح بديلاً عنها، ولكن ليطرح تسوية”.
وهل ما زال “المستقبل” متمسكاً بـ”خيار فرنجية”؟ اجاب: “الأمر لا يتعلق بخيار ، بل هو تواصُل حتى تُطرح فكرة مبادرة لتسوية، وهذا الأمر حصلت محاربة له من “حزب الله” حتى على مستوى التواصل. والرئيس الحريري سيبقى يسعى، واذا كان هناك مَن لديه تسوية اخرى منطقية ليطرحها”.
وسألناه: ثمة مَن يرى ان “حزب الله” يعتبر ان المدخل لحل الأزمة السياسية لا يكون بإسم الرئيس بل يكمن في سلة الشروط التي ستواكب عودة “الحريرية” الى السلة ورغبته في نمط جديد للحكم؟ فقال: “هنا تكمن خطورة طرح “حزب الله”. فهو يكرر كلاماً سمعناه مباشرة العام 2007 في سان كلو (فرنسا)عندما قال (النائب الحالي للحزب) نواف الموسوي اننا الناظم الأمني البديل عن السوري في لبنان. اي ان “حزب الله” يريد ان يضع كل شروطه لأي تسوية سياسية وان تُنفذ هذه الشروط بناء على ما يعتبره توازن قوى لمصلحته على الصعيد العسكري والأمني في الداخل اللبناني نتيجة سطوة السلاح غير الشرعي”. واضاف: “يحاول “حزب الله” قول انه يريد قانون انتخاب يؤمن وصول أكثرية تؤيد توجهاته السياسية لتمتدّ السيطرة التي يفرضها أمنياً وعسكرياً الى المؤسسات السياسية، تماماً كما كان عليه الوضع إبان الوجود السوري، حين كان السوري يتحكم بمجلس النواب ومجلس الوزراء”.
وتابع: “عندما يطرح “حزب الله” السلة الشاملة كما ورد في كلام السيد نصرالله قبل فترة، فعندها سنضيف نحن ايضاً ملفات مثل السلاح غير الشرعي للحزب والإستراتيجية الدفاعية واعلان بعبدا وتدخله في سوريا، وهذا سيعقد الامور اكثر. ومن الواضح ان الحزب يعلم ان هذه مواضيع غير قابل للحل الآن وهو لا يريد انتخاب رئيس لأن الفراغ يناسبه. وللأسف ثمة أطراف لبنانيون يلعبون اللعبة نفسها دون ان يدركوا ان هذا الفراغ قد يكون مدمّراً”.
ورداً على سؤال، كشف فتفت عن “إتصالات كبيرة للتهدئة الداخلية” بدأت امس، “لكن للاسف الكلمة هي مثل السهم عندما ينطلق لا يعود الى مكانه”، وموضحاً انه “الاثنين المقبل هناك جلسة حوار جديدة بين “المستقبل” و”حزب الله”، ولافتاً الى “ان موجبات هذا الحوار هي التهدئة قدر الامكان لان في ذلك مصلحة لكل اللبنانيين، ولكن لا احد ينتظر نتائج من هذا الحوار الذي سبق ان سمّيتُه بالترف الفكري، ولا سيما ان الخلاف هو على خيارات إستراتيجية كبرى في المنطقة وهل لبنان اولاً ام مصلحة المشروع الإيراني في المنطقة”.
ورداً على سؤال حول اذا كان هذا الحوار سيستمرّ في ضوء المناخ المستجدّ، اجاب: “لسنا مع قطع الحوار رغم إدراكنا انه غير منتج. وحتى اليوم لا موقف من “المستقبل” بعكس ذلك”.
إقرأ أيضا: