كنا هناك – جورج مهنا: حملت السلاح في عمر الـ16

عندما اندلعت الحرب اللبنانية كان لا يزال على مقاعد الدراسة تحمّس لها كثيراً وأراد الانضمام إلى صفوف المقاتلين على الرغم من رفض أهله. لكن جورج مهنا رفض الأمر الواقع فحمل السلاح وتنقّل بين الجبهات حتى أُصيب إصابة بليغة. لكن لا الإصابة وقفت سدًا في وجهه ولا حتى التوقيفات والتحقيقات. فاستمرت مقاومته حتى اليوم.

في العام 1960 ولد جورج مهنا في المشرف لكنه تربى وترعرع في منطقة ملتقى النهرين بما أن والديه كانا يمتلكان مطعماً هناك، وعندما انتقل إلى المرحلة الثانوية اضطرّ إلى النزوح الى بيروت على غرار شباب المنطقة لمتابعة تحصيله العلمي.

يروي جورج: “كان يوجد قرب ثانوية إقليموس في فرن الشباك مركز الـ410 لـ”الكتائب” كنت أتردّد إليه مع الشباب بسبب معرفتنا بأحد المحازبين فيه، كما أن أحد أقربائي كان عنصراً في البيت المركزي فكنا نتردّد إليه أيضاً وهكذا انتسبنا الى حزب “الكتائب”. لكن أكثر ما أثّر فيّ ودفعني الى حمل السلاح والانضمام إلى صفوف المقاتلين كان عملية تهجير الدامور وكانت القرية ممرّاً للمهجّرين فكنت أرى الشهداء والجرحى. ومعلوم أن منطقة ملتقى النهرين تشكل منفذاً إلى الدامور، وعندما علمنا أن الفلسطنيين سيمرّون من هذه الطريق اتخذنا إجراءات الحيطة وقررنا أن نحمي أنفسنا فأقمنا متراساً هناك”.

في البداية كانت عائلة جورج من المؤيدين للرئيس الراحل كميل شمعون حتى أن والده كان ينقل في سيارته السلاح الذي يوزَّع في المنطقة “كان يأتي والدي بالأسلحة إلى المنزل، وفي كل مرة كنت أحمل فيها السلاح كنت أشعر بالحماسة أكثر فأكثر للنزول الى ساحات القتال والدفاع عن وجودنا”.

يشرح جورج: “في بيروت كنت أذهب إلى مركز 104 أو إلى البيت المركزي من دون علم أهلي، وعندما كانوا يسألون أقول لهم إنني أدرس عند أحد الأصدقاء. في البداية كنت أخدم كحرس للمركز. وعندما أنهيت المرحلة الثانوية دخلت الفرع الثاني في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية في رومية للتخصّص في الرياضيات لكنني لم أستطع متابعة الدروس بسبب الحرب والأجواء السائدة آنذاك فأضعت سنة من عمري. كانت الطريق من المشرف إلى الجامعة صعبة جدّاً ما اضطرني إلى البقاء أكثر أوقاتي في المشرف. كان النظام الدراسي وقتها يحتّم علينا إكمال الجامعة وإلّا نحرم الشهادة الثانوية فطلبت من إبن عمي تسجيلي في كلية العلوم السياسية في الفرع الثاني، لم أدخل الصفّ يوماً لكنني قدّمت الامتحانات النهائية ونجحت”.

في العام 1982 بعدما أسست “القوّات اللبنانية” ثكنة المشرف شارك جورج في الدورات العسكرية فيها ثم انتقل إلى دورات أخرى في ثكنة بيت الدين. يقول جورج: “أنهيت الدورات وتسجّلت سنة ثانية في الجامعة، لم أكن أتردّد إلى الصفّ أبداً بل كان أحد رفاقي يؤمن لي المواد، فأدرس في الثكنة وأذهب لتقديم الامتحانات، نجحت في مادّة “القانون الإداري” بتفوّق مع علامة 1720 . لم يتقبّل مدير الكليّة الفكرة فأرسل بطلبي وقال لي أنّه عليّ إعادة الامتحان شفهياً لأن ما من أحد ينجح مع هذه العلامة، أعدت الفحص وأخذت العلامة نفسها”.

عن مسيرته العسكرية يخبر جورج أنها “بدأت في معركة كفرمتى وقد كانت أصعب مرحلة في حياتي. استمرّت هذه المعركة أكثر من أسبوعين، كان القصف ينهمر علينا مثل الشتاء”.

لا ينكر جورج أنّه خاف عندما حمل السلاح للمرّة الأولى لأنه شعر بالمسؤولية التي تقع على عاتق حامله خصوصاً لجهة قتل أحد ما عن طريق الخطأ مثلاً، لكن الشجاعة الأكبر هي ألا يشعر أحد بخوفك وأن تبقى على الجبهة ولا تهرب” كما قال.

بعد هذه المعركة عاد جورج إلى بيروت فالتحق بالعمليات المركزية في الشعبة الثالثة في المجلس الحربي وشارك في دورة ضباط العمليات المركزية.

كانت القيادة تُرسل عناصر الشعبة الثالثة بمهمّات إلى الإقليم فكانت إحداها حداً فاصلاً في حياة جورج وكتبت فصلاً جديداً وطويلاً في حياته. عنها يقول: “كان عمري 24 سنة وقتها، وعند انتهاء إحدى المهمّات في كانون الأوّل 1984 جلسنا على حافّة رصيف مرفأ الجيّة، فسقطت قذيفة علينا ولم يبقَ شخص واحد سليماً، أُصيب ستّة أشخاص من بينهم أنا في عيني اليسرى أما الباقون فأُصيبوا بجروح بليغة منهم من فقد يده أو رجله. المشكلة الأكبر هي أنّه لم تكن توجد سيارة لنقلنا إلى المستشفى، نظرت حولي، كان الجميع يصرخ من الوجع. وجدنا سيارة من نوع Renault ما إن صعدت لقيادتها حتى امتلأت بالجرحى والمصابين. وصلنا إلى غرفة الإسعاف في علمان، رآني أحد الأطباء وطلب مني التوجّه فوراً إلى المستشفى. كانت هناك سيارة إسعاف وصودف وجود المفتاح فيها، ولم أكد أدر المحرّك للتوجّه إلى مستشفى صيدا حتى وجدت أن هي الأخرى امتلأت أيضاً بالجرحى. عندما وصلنا إلى نهر الأوّلي أوقفنا الإسرائيليون ومنعونا من إكمال طريقنا، وعندما تأكّدوا أننا مصابون تركونا نمرّ. وصلنا إلى المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليات ولم أستفق إلا في اليوم التالي بسبب المخدر وكانت عيني تغطيها الضمادات. انتقلت إلى أوتيل ديو وبقيت هناك 3 أشهر للعلاج لكنّ شيئاً لم ينفع: فقدت البصر”.

على رغم ذلك استمرّ جورج في صفوف المقاومة فعاد إلى الشعبة الثالثة وفي العام 1987 شارك في دورة ضباط جديدة.

ويضيف: “تنقّلت بين العديد من المراكز والثكنات وفي النهاية تسلمت فوج الكشّافة؛ في إحدى المرّات ونحن ننقل الطعام للأولاد أوقفنا الجيش على الحاجز، اتهمونا بأن الطناجر التي معنا “عسكرية”!!! أوقفونا في الشمس مدّة طويلة قبل أن يسمحوا لنا بالمغادرة”.

بعد حلّ حزب “القوّات” بدأت الملاحقات والتحقيقات مع المقاتلين فكان لجورج حصّة منها: “المقاومة لا تتوقّف على حمل السلاح بل تستمرّ حتى بعد انتهاء الحرب. أوقفني الجيش اللبناني وفي التحقيق معي أرادوا أن يلصقوا بي تهمة تدريب فتيان الكشافة على القتال وأن ما أسسناه ليس كشافة. أحد الضباط المحققين قال لي “المطلوب إنو تنضبوا هلّق مش وقت القوّات” أجبته عندها “لماذا؟ لأنني مسيحي؟”. بعد حديث معه تذكّرت أن هذا الضابط كان في معركة كفرمتى وأصيب هناك فخسر أصابعه عندها قلت له “الموجوع ما بيسكت عن وجعو”. تعاطف معي وأنهى التحقيق من دون اتهامي بأي شيء. الرفيق حبيب نمّور “كان يوم إيه يوم لأ” في التحقيق، منعونا من التواصل معاً فاتفقنا على ترك زجاج شباك سياراتنا مفتوحا قليلاً لتبادل الرسائل التي كنا نكتب فيها ما الذي نريده من بعضنا. استمرّينا على هذه الحال حتى هاجر حبيب”.

بعد اعتقال الحكيم كانت الحياة صعبة جدّاً عملت في مطعم في منطقة بدارو وكان بجانبه مركز للجيش فيه ضابط حقّق معي في إحدى المرّات قبل عملي في المطعم. “تحطّط عليّ” فكان يمرّ بالمطعم ويتعمد إيذائي معنوياً. في إحدى المرّات دخل إلى المطعم شخص يعرفني ويعرفه وبدأ يسألني ما الذي يحصل معي وعن أحوالي كان الضابط يأكل في المطعم فأخبرته عنه؛ فطلب منه عدم التعاطي معي. ومن وقتها بات يسلّم عليّ يومياً عند دخوله إلى المركز.

عاد جورج إلى المشرف في العام 2003 وفي العام 2006 تولى مسؤولية إعادة تنظيم الكشافة مجدّداً وهو الآن نائب رئيس جمعيّة كشافة الحرية.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل