
إزدهرت زراعة الموز في الساحل اللبناني طوال عقود مضت، حتى بات لبنان من الدول المصدرة للموز، هذه الفاكهة الاستوائية الغنية بفوائدها الغذائية واحتوائها على مزيج من المغذيات والمعادن قلما نراه في فاكهة أو غذاء آخر، فالبعض يطيب له أن يسميها “بقلاوة الفاكهة” لاحتوائها على السكريات وبمذاق مميز يشبه الحلوى التقليدية، فيما البعض الآخر يواظب على تناول هذه الفاكهة بصورة يومية، لفوائدها العديدة وإمكان توافرها بالأسواق طوال العام، ويقدر استهلاك العالم من الموز بمئة مليار موزة سنوياً، وهو المحصول الرابع من حيث الأهمية بعد القمح والأرز والذرة. والموز سلعة رئيسية إقتصادية للدول الـ130 المنتجة له، ولا سيما كوستاريكا والإكوادور (أميركا) والكاميرون (أفريقيا)، الفيلبين ولبنان (آسيا).
غذاء الفلاسفة
الاسم العلمي للموز Musa، ويعرف في أكثر اللغات الأجنبية بـ banana و banana. يعتقد أن أصله من غرب أفريقيا واسمه مشتق من اللغة الولوفية، إلا أنه قد يكون من جذر عربي حيث الإسم (إصبع الموز) يسمى (بنان الموز)، وتطور الإسم الى بنانة، وينتمي الموز إلى مجموعة Zingiberales، وهي العائلة التي تضم الزنجبيل وزهرة عصفور الجنة. كما أن الموز غني بالألياف والفيتامينات والأملاح المعدنية، يمد الجسم بالطاقة الحرارية، ويقاوم بعض الأمراض مثل الإسقربوط (نقص الفيتامين سي) والروماتيزم، ويشكل الموز مع الحليب والخبز وجبة غذائية كاملة. ويعتبر الكالسيوم الموجود في الموز أجود من الكالسيوم الموجود في الجبن والحليب، كما يساعد في نمو الجسم لسهولة هضمه، بالإضافة إلى أنه يساعد في حالات الإرهاق وفي الانشطة الفكرية لاحتوائه على الحامض الأميني التربتوفان Tryptophan، وهو حمض أميني له دور هام في تكوين الناقل العصبي (هرمون السيروتونين).
أطلق الهنود القدماء على الموز “غذاء الفلاسفة”، وذلك أن الفلاسفة عندهم كانوا يأكلونه بكثرة، وسمّاه المزارعون العرب “قاتل أبيه” لأنه بعد نضوج ثمره يجب أن تقلع شجرته لتزرع مكانها أخرى أو تنبت منها شجرة تعطي ثمارا جديدة.
خطر يهدد الموز في العالم
يتعرض الموز مرة ثانية للخطر، يهاجمه مرض جديد يدعى “Tropical race 4 تروبيكال ريس 4″، أما الحل الوحيد للقضاء عليه فيكون بحرق هذه المزارع وتعقيم التربة. فقبل العام 1960 كان معظم الموز الموجود في العالم من نوعية أفضل تعرف باسم “غروس ميشال Gros Michel” أو “بيغ مايك Big Mike”، وكانت هذه النوعية تتميز بطعم أطيب وتدوم لفترة أطول. وفي عام 1951 أصبحت هذه الفاكهة “منقرضة” تجارياً بسبب أمراض فطرية من فئة “Fusarium”، حيث قضى هذا المرض على مزارع الموز في أميركا الوسطى والجنوبية بشكل كبير.
وقد دخلت صناعة الموز عندها في أزمة كبيرة، لكن العالم عثر على البديل: “الكافنديش Cavendish”، وهو يشكل حالياً 47 بالمئة من مزارع الموز في العالم، إلا أن هذا النوع يتعرض مرة أخرى للخطر بتعرضه لمرض جديد يدعى “تروبيكال ريس 4″، ويؤثر هذا الفطر على النظام الوعائي لنبات الموز بالتحديد، ويمنعه من امتصاص المياه، ويتسبب في ذبوله، وقد انتشر المرض بشكل سريع مهدداً المحاصيل في كافة أنحاء العالم.
وأشارت دراسة علمية نشرت مؤخراً في plos pathogens، وطبقاً لخبير الموز في مركز أبحاث جامعة فاغننغن الهولندية “Dutch Wageningen University and Research Center” جيرت كيما Gert H. J. Kema المشارك في الدراسة إلى أن منشأ المرض “Tropical Race 4” هو إندونيسيا، وأنه على الأرجح انتقل من هناك لأول مرة إلى تايوان، ومن ثم إلى الصين وبقية جنوب شرق آسيا، وأكد كيما على وجود الفطر القاتل الآن في باكستان، لبنان، الأردن، عُمان، موزمبيق، واستراليا في شمال شرق ولاية كوينزلاند. يستغرق هذا المرض وقتاً للانتشار، ولكن ترسّخ جذوره يؤدي الى انخفاض الإنتاج. فتايوان على سبيل المثال، تصدر الآن إثنين بالمئة مما كانت تصدره في أواخر 1960، عندما اكتشف المرض هناك لأول مرة.
ويبدو أن الجهود والإستراتيجيات المبذولة لاحتواء هذا المرض باءت بالفشل، ومن الممكن أن يهدد محاصيل دول أميركا اللاتينية، وتقدر صادراتها من الموز بثلاثة أخماس صادرات الموز في العالم.
هذا الفطر أصبح يهدد فصيلة الكافينديش والتي تقدر بــ 99 بالمئة من صادرات الموز في العالم، ويقول الدكتور جورج ماهوكو، كبير أخصائي علم أمراض النبات: “في موزمبيق فقط نخسر اسبوعياً 15 ألف شجرة موز، ما يعني 236 مليون دولار في الأسبوع، لأن الفطريات تنمو في التربة والحل الوحيد الآن هو إحراق المزارع كلياً”. وخلصت الدراسة إلى ضرورة قيام مزارعي الموز بإجراء “تغييرات استراتيجية جذرية” لمنع انتشار الفطر، بما في ذلك عزل أي نبات يحتوي على آثار للمرض، وتطوير أنواع جديدة مقاومة من الموز، لكن الباحثين نبهوا إلى أن زراعة أصناف جديدة من الموز تتطلب استثمارات كبيرة في الأبحاث والتطوير، ومن المتوقع أن تصدر دراسة شاملة عن هذا المرض في دورية Phytopathology بعنوان “ذبول الموز نتيجة فطر الفيوزاريوم”، Fusarium Wilt of Banana كتبها أستاذ أمراض النبات البروفسور Randy C. Ploetz، في مركز التعليم والأبحاث المدارية والتعليم في ولاية فلوريدا.
ويؤكد الخبراء أن هذا المرض لم يصل بعد إلى أميركا اللاتينية، ولكنها ليس مسألة أن يصل بل متى تصل هذه الأبواغ (Spores) المقاومة، خصوصاً مع حركة الملاحة العالمية، عبر المنصات الخشبية، والحاويات وبقايا التربة إلى العالم أجمع، وحتى لو عولجت التربة بمحلول “بروميد الميثيل” وهو من أقوى المبيدات، فالأبواغ قادرة على إعادة دورة حياة الفطر، مما يبرر الخوف على هذا المحصول الهام من الإنقراض.
في لبنان
يعد الموز أحد أهم محاصيل الفاكهة في كثير من بلدان العالم، ومحصولاً استراتيجياً في لبنان وهو السابع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث الإنتاج والتصدير.
وقد استبدل العديد من المزارعين في المناطق الساحلية اللبنانية الحمضيات بالموز، امتداداً من منطقة الجنوب وصولاً إلى منطقة جبيل، كون الموز لا يحتاج الى الكثير من الرعاية مقارنة بالحمضيات، وتساعده التربة الرملية الغنية بالسماد العضوي، خصوصاً سماد الدجاج والحرارة المناسبة 26-30°C في نموه وفي غزارة الإنتاج في هذه المناطق مقارنة بالحمضيات، علاوة على قابلية ثماره للنقل والتداول والتخزين.
وقالت الخبيرة الزراعية ورئيسة مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية في وزارة الزراعة LARI – فرع صور المهندسة هيام يوسف، لـ greenarea.me إن “مرضاً جديداً بدأ يظهر في بعض مزارع الموز، وتابعنا هذه الحالات وأخذنا عينات منها، وقمنا بإرسالها إلى مركز الأبحاث في الفنار وقد تم فحصها من قبل الدكتور وسيم حبيب، وأتانا التقرير أن العينات تحتوي على فطر الـ Fusarium”، ولفتت يوسف إلى أن هذا المرض لم يؤثر حتى الآن على كمية الإنتاج.
وفي اتصال مع موقع greenarea.me أكد رئيس مختبر الأمراض الفطرية النباتية في مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية (LARI) – فرع الفنار الدكتور وسيم حبيب “احتواء العينات المرسلة من محطة LARI فرع صور على الفطر المسبب لمرضTropical Race 4″، ولفت إلى أن”المرض موجود في مناطق محددة، واتبعنا بدورنا الإجراءات الوقائية الصارمة في احتوائه”، وتابع حبيب: “هناك أمراض عدة تصيب الموز في لبنان، إلا أن سبب اهتمامنا بهذا المرض أنه وحتى الآن لا يوجد أصناف من الموز مقاومة له، وقد سجل هذا المرض منذ سنتين من قبل مؤسسة دبانة”.
ولفت حبيب إلى أن “استطعنا احتواء المرض عبر اقتلاع الشتول المصابة وحرقها، مع عملية تعقيم للتربة الموبوءة بأبواغ الفطر spores عبر المبيدات الفطرية العامة، وتغطيتها بالنايلون، خلال شهر آب”، وتابع: “لا تكفي هذه الإجراءات الصارمة للقضاء على هذا المرض 100 بالمئة، إلا أنها تحد من انتشاره في الوقت الحالي، خصوصاً أن ليس ثمة علاج كامل، والحل هو بإنتاج أصناف مقاومة، كما حصل سابقاً، وهذا يتطلب وقتاً وأبحاثاً مكثفة وطويلة”.
إجراء احترازي
ومن الناحية العلمية قال حبيب: “تطور هذا المرض من Tropical Race 3، وهي عملية جينية معقدة للفطريات تساهم في انتشارها، ويصيب المرض عادة الشتول الصغيرة، وهي تزرع عادة في الموسم الجديد بعد اقتلاع الشتلة الأم، ويفضل هذا الفطر التربة الرطبة الدافئة بحدود 20 وحتى 25 درجة مئوية، ولا يصيب هذا النوع من المرض إلا شجر الموز وإن كان فطر الفيوزاريوم بأصنافه المتعددة يؤثر على انتاج مجموعة واسعة من الأشجار والنباتات”. ولفت حبيب نظر المزارعين إلى “ضرورة القيام بإجراء إحترازي صارم عند ملاحظة المرض، بالقيام باقتلاع كافة الشتول وحرقها، وتعقيم التربة”.
وعن دور التغير المناخي في هذا المرض وانتشاره، أكد حبيب أن “للتأثير المناخي دور في الأمراض الفطرية والحشرية كافة التي تصيب النباتات، إلا أنه لا وجود لدراسة محددة تربط الإحترار المناخي بهذا المرض بالذات، ولكن نظرياً، فالحرارة المتنامية تساعد على انتشار هذا المرض وعلى رقعة أوسع وتكيفه في المناطق الجديدة”. وعن طريقة وصوله إلى لبنان، قال حبيب: “من الممكن أن يكون قد وصل إلى لبنان عبر شتول أتت من الأردن الشقيق، وإن كان مصدره الأصلي الشرق الأقصى”.
