#adsense

آخر غابة طبيعية قرب بيروت في خطر…أزمة السير تهدد “خندق الرهبان”

حجم الخط

يعتبر الخبير في التنوع البيولوجي الدكتور غسان رمضان جرادي أن غابة خندق الرهبان في بعبدا، هي الغابة الطبيعية الوحيدة على الشريط الساحلي التي تقع على خط هجرة الطيور الحوامة وابرزها العقبان والنسور والصقور والمرز والحدايات والبواشق، وهي من الطيور المهاجرة الأكثر تعرضاً لخطر الإنقراض، وبالتالي فإن الغابة مأوى للراحة والنوم لهذه الطيور، وبناء عليه تعتبر منطقة مهمة للطيور وموقعاً ذات تنوع بيولوجي فريد ومهم على المستويين الوطني والإقليمي.

الغابة التي كانت دائماً تحت التهديد، بفعل الخطط السابقة لإمرار مشروع الاوتوستراد العربي في نطاقها، باتت اليوم مهددة بمشروع جديد لإمرار طريق فرعية، بذريعة التخفيف من أزمة السير في مركز محافظة جبل لبنان.

ولا تزال الجمعيات البيئية تشن الحملة تلو الاخرى من أجل إبعاد “كأس” الأوتوستراد العربي عن الغابة الجميلة التي تطوعت جمعية “الارض لبنان” من اجل حمايتها ورعايتها لسنوات طويلة. فقد واجهت الغابة خلال العام الماضي تحديات كبيرة اذ جرت محاولات لرمي النفايات فيها منذ بداية الازمة في 17 تموز 2015 والى اليوم لكن هذه المحاولات تم منعها. كما اندلع فيها حريق كبير بتاريخ 4 ايار 2014 اتى على مساحات واسعة منها، ونتيجة سرعة الرياح وضعف امكانات اجهزة الدفاع المدني وفوج الاطفاء دفعت الغابة ثمناً غالياً، اذ أن اكثر من 80 بالمئة من الاشجار المعمرة فيها احترقت بالكامل.

هل يجوز التضحية بما تبقى من غابة خندق الرهبان، بناء على إقتراح مهندس بتمرير طريق فرعي يصل بلدة بطشيه ببلدة بعبدا للتخفيف من أزمة السير، في حين يمكن حل هذه الأزمة بطرق ووسائل أخرى؟.

هل يجوز أن يسمع المسؤولون المعنيون لتقنيين في الهندسة ولا يسمعوا للخبراء الدوليين من أمثال الدكتور غسان جرادي الذي أعد دراسة متكاملة للغابة منذ العام 2008 وعلى أساسها تم وضع خطة حماية لها وتم إفتتاحها كغابة محمية من القطاع الخاص، بحضور الأباتي العام للرهبنة الأنطونية مالكة الأرض ووزير الداخلية زياد بارود ونواب المنطقة وفعالياتها؟

كيف يجرؤ الإنسان على القضاء على آخر بقعة خضراء قرب بيروت ببساطة وسهولة؟ تلك البقعة التي وصفها الإعلامي الفرنسي نيكولا هولو اثناء زيارته لها في 11 ايلول 2012 بأنها من أجمل الغابات التي زارها، مُطلقاً من الغابة دعوة الى اللبنانيين “لتأمُّل الطبيعة والتقرّب منها كخطوة أولى نحو صحوة الضمائر”. وكانت وصيّة هولو الى نشطاء البيئة في لبنان أن يعملوا على استقطاب المزيد من الناس الى الطبيعة، “ولا وسيلة لذلك إلا من خلال إبهارهم وإشعارهم بالسعادة”. وبرأيه إن غابة بعبدا هي نموذج فريد لإبهار الناس ولجعلهم يتمسكون بالطبيعة ويقتربون منها.

إن قانون حماية البيئة رقم 444 والمرسوم رقم 8633 “أصول تقييم الأثر البيئي” يفرضان إجراء دراسة تقييم أثر بيئي الزامي لمشاريع إنشاء الطرق فكيف لو كان المشروع المنوي إنشاؤه في منطقة حساسة بيئياً كغابة خندق الرهبان؟ علماً أنّ دراسة تقييم الأثر البيئي تستوجب مشاركة وإستشارة العامة من سكان محليين وجمعيات وخبراء إختصاصيين وكل المعنيين بالمشروع. ان هذا المشروع له حكماً بدائل اقل كلفة وأذية على البيئة، من هنا نشجع الطلاب على اقتراح بدائل اقل ضرراً لحل أزمة السير من خلال المشاركة في مسابقة لإيجاد حل لأزمة السير في بلدة بعبدا من دون المس بغابة خندق الرهبان.

خسارة غابة خندق الرهبان يعني خسارة ما تبقى من أنواع الطيور التي ذكرت في المنشورات العلمية خلال القرن الماضي في المدن والقرى الساحلية، واختفت من هذه المناطق ولكنها لم تزل تعشش وتتكاثر في غابة خندق الرهبان مثل الهدهد، الخضيري، الصلنج، الحسون، سن المنجل، وصقر العوسق.

يعشعش الهدهد في الجبال العالية ولكن غابة خندق الرهبان تجذبه إليها لأنها تعتبر علمياً غابة ناضجة ومستقرة، فتضاريسها تجعل من تربة قعر الوادي تربة رطبة تستغلها طيور السنونو من أجل بناء أعشاشها الطينية. وعليه فإن هذه الخدمة التي يقدمها الوادي تعود بالنفع على أهل المنطقة لأن السنونو يأكل مقدار وزنه من الحشرات يومياً، لا سيما البعوض أو البرغش الذي يقلق راحة السكان. وبذلك فإن السنونو يخفف البرغش إلى 10% تقريباً، بينما تخفف المبيدات السامة للبرغش والإنسان البرغش إلى 27% فقط.

تضم الغابة 146 نوعاً من الطيور المهاجرة والمقيمة والمصيفة والمشتية (36% من طيور لبنان) على مساحة صغيرة نسبياً، وهذا ما يجعلها غابة مميزة لانها تمثل حالة متقوقعة ومقاومة من الماضي، الذي تدهور بسبب العمران والممارسات غير المستدامة. فلولا أهمية الغابة البيئية لما زارها هذا العدد الكبير من الطيور.

تضم الغابة تنوعاً نباتياً (400 نوع من النبات) كبيراً ولافتاً على رقعة صغيرة من الأرض، الأمر الذي يجعل منها غابة نادرة من نوعها في حوض المتوسط، وهي أشبه بحديقة نباتات طبيعية أو حديقة اختبارات علمية بيئية يستفيد منها طلاب الجامعات في البحث العلمي وطلاب المدارس في التربية البيئية.

تضم الغابة تنوعاً حيوانياً (زواحف وبرمائيات) عالياً وغنياً بالأنواع المهددة بالإنقراض أو المتفردة endemique أي التي لا توجد سوى في لبنان. فالسلحفاة البرية في الغابة هي من النوع المصنف عالمياً على لائحة الانواع المهدد بالإنقراض، وكذلك الحرباء والسلمندر، أما الضفدع الأخضر فهو متفرد على مستوى منطقة شرق المتوسط.

استثمار هذه المحمية يجب أن يكون متسماً بالإستدامة durabilité بمعنى أن استخدام التنوع البيولوجي يجب أن يتم بصورة حكيمة وصديقة للبيئة ومحافظة على مكونات المحمية وخدماتها البيئية.

نعم تعتبر غابة خندق الرهبان بعبدا “نقطة تنوع بيولوجي ساخنة على المستوى الوطني والإقليمي وغابة نادرة من نوعها في حوض المتوسط”. ومن هنا نناشد ضمير من بقي لديه ضمير بالسعي لتوقيف كل مشاريع الطرق التي تهدد هذه الألماسة الخضراء، وأولها مشروع الأوتوستراد العربي الذي سقط التخطيط المقام له بحكم إنقضاء عشرين عاماً على اقراره. ان بقايا سكة الحديد على اطراف غابة الرهبان، هي الشاهد الحي على أن أزمة السير في لبنان لا يمكن حلها بفتح المزيد من الطرقات وتوسعتها، بل باعتماد خطة مستدامة للنقل تكون وسائل النقل العامة، لا سيما القطارات والباصات الكبيرة ركيزة أساسية فيها، ودون ذلك فان طرقات لبنان ستبقى مزدحمة وسيزيد ازدحامها مع ما يحمله ذلك من هدر للوقت والمال، وتلوث سمعي وبصري، وتلوث خطير للهواء، وبالتأكيد خسارة المساحات الخضراء وتدهور البيئة بفعل السياسات الخاطئة للنقل في لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي الى اليوم، والتي ربما ستكون ضحيتها الجديدة غابة خندق الرهبان في بعبدا.

المصدر:
greenarea

خبر عاجل