
لم نعد نفهم هذا النمط من السياسات التي تعتمدها بعض الأطراف اللبنانية وفي طليعتها “حزب الله” في تعاطيها مع القضايا السياسية المحلية والإقليمية. فالحزب منهمك أكثر في تدخلاته خارج الحدود مما هو مهتم بالوضع اللبناني، وقد بلغ انغماسه وتورطه حد انه بات يعتبر نفسه الوكيل الشرعي عن الشيعة في دولهم، متجاوزاً لبنان وسيادته وموقفه وثوابته التاريخية ازاء صراعات المنطقة.
واللافت أكثر أن الفريق الذي يغدق على اللبنانيين بالمواعظ في ضرورة قيام الدولة وانتخاب رئيس للجمهورية وانتظام الحياة العامة وتأمين المشاركة في الحكم، هو نفسه الاكثر تفرداً واستفراداً بالورقة الداخلية من خلال عرقلته انتخاب رئيس للجمهورية ووقوفه سداً منيعاً امام اي مبادرة لمنع حصول انتخاب رئيس.
متى يمكن للحزب ومن وراءه ان يقتنعوا بان المواطنة اللبنانية تفترض فيما تفترض، تفجير طاقات الولاء والاستقتال للوطن اولاً؟ لا بل متى يقتنع الحزب انه باستمرار تورطه الاقليمي في الصراعات والمحاور، انما يقضي مباشرة وعلى مراحل على الوحدة الوطنية اللبنانية وكأن الدولة وجهة نظر والدستور مزحة والسيادة الوطنية ممسحة.
متى يمكن للحزب ومن وراءه ان يقتنعوا بأن للإندفاع والحماسة والتبعية حدود لا يجب تجاوزها كي لا نقع في محظور التفتيت والشرذمة الداخلية وانهيار الهيكل على رؤوس الجميع؟
أعجب من اللذين ينتظرون من الخارج دائماً الإذن، بالتنفس وطنياً، وأعجب أكثر عندما أرى فرقاء لبنانيين شركاء في الوطن مفترض ان تكون مواطنتهم للبنان شعباً وانتماء، يمعنون تعمقاً وتورطاً في صراعات واجندات خارجية على نهج طرفة بن العبد في معلقته الشهيرة: “…اذا القوم قالوا من فتى خلت انني عنيت فلم اكسل ولم اتبلد…”
فكيف يمكن أن نبني دولة وطن ومواطنة في مفهوميهما السوسيولوجي والسياسي اذا بقي الوطن آخر من نعمل من أجله وآخر من نقسم ولاءنا له؟
لا تبنى الجمهوريات القوية والدائمة والمعاصرة بين وكلاء حصريين او تمثيليين لقوى ودول اخرى… فالتفاعل في العلاقات الدولية مشروع ومباح لكن التبعية و الارتهان والولاء لها على حساب المواطنة استحالة توازي العدم والعبث وعلينا الخيار: “إما الإنصهار وإما الإنفصال والإلتحاق”.
في الماضي كانت فلسفة الوحدة العربية والالتحاق بالمحيط العربي – الاسلامي – في أساس انفجار صاعق للأزمات الداخلية في لبنان، ورأينا حينها ماذا حل بنا… واليوم تطل علينا فلسفة جديدة هي النطق باسم الآخرين والتوكل للدفاع عن مصالحهم خارج الوطن مهما كانت درجة قرابتهم الفكرية والعقائدية والاتنية والدينية وسواها… فلا حدود جغرافية ولا حدود فكرية وضوابط في التزام الانتماء الوطني وحسب بل انتماء عابر للحدود يقضي على الحدود النفسية والاخلاقية قبل الحدود الجغرافية والسياسية.
اذا كانت المأخذ على اتفاقية سايكس – بيكو تكمن في أنها رسمت خطوط ونفوذ دول تبعاً لمصالح القوى العظمى المستعمرة للمنطقة، غير آبهة بمصالح شعوب تلك الدول، فها نحن في لبنان والشرق حالياً نرسم بايدينا خطوط كيانات متفجرة متناحرة غير قابلة للحياة وغير آبهة لا لمواطنة ولا لجمهورية ولا لسيادة دول ولا لحرمة شعوب وحدود، ستودي بنا الى التسليم للقوى العظمى بامرنا مجدداً.
كفى وكالات ووكلاء حصريين للخارج في لبنان…
كفى ناطقين باسم مصالح قوى اقليمية او خارجية…
كفى دوس الكرامة الوطنية والسيادة الوطنية وقيم الجمهورية…
كفى ضرباً وانهاكاً للبنانيين في لقمة عيشهم وحاضرهم ومستقبلهم من أجل الآخرين…
كفى رهن إرث لبنان لتعويم حسابات الأسياد…
كفى ارتهاناً للخارج على حساب حق لبنان الوطن علينا…
جمهورية الوكالات الحصرية لمصالح الاخرين والناطقين الرسميين المحليين باسم الخارج هي اقصر طريق لانهيار لبنان وولوجه عصر الجاهلية المعاصرة..
