#adsense

15 كانون الثاني 1986… 15كانون الثاني 2016

حجم الخط

بين 15 كانون الثاني 1986 و15 كانون الثاني 2016 ثلاثون عامًا. تبدلت الأحداث والمعطيات والظروف وغابت وجوه وبقيت “القوات اللبنانية” وسمير جعجع في قلب المعادلة. لا يقل دور “القوات” قبل ثلاثين عاماً عن دورها اليوم لأنها دائماً رفضت التنازل والمساومة وقاتلت في الحرب والسلم من أجل لبنان السيد الحر المستقل. قبل ثلاثين عاماً كان لبنان مهدداً بالزوال وعندما استسلم كثيرون لقدر “الإتفاق الثلاثي” ولمشيئة النظام السوري بقيت هي بالمرصاد لتعيد تصويب الإتجاهات.

عندما ذهب إيلي حبيقة إلى دمشق لتوقيع الإتفاق الثلاثي في 28 كانون الأول 1985 ساد اعتقاد بأن ما كتب قد كتب. لم يكن ذلك التاريخ إلا محطة في مسار بدأ مع اغتيال الشيخ بشير الجميل واستمر مع محاولة فرض الإرادة السورية على لبنان بالقوة. في هذه المرحلة كانت تجري عملية الإنقلاب على مراحل عسكرية وسياسية.

صحيح أن الإتفاق الذي سمي ثلاثياً كان يجري بين إيلي حبيقة بصفته رئيساً للهيئة التنفيذية في “القوات اللبنانية” وبين وليد جنبلاط رئيس “الحزب التقدمي الإشتراكي” ونبيه بري رئيس “حركة أمل” بصفتهم قادة القوى العسكرية المشاركة في الحرب ولكنه كان اتفاقاً سورياً بامتياز ينهي السيادة اللبنانية ويستتبع لبنان للإرادة السورية في شكل كامل. ذلك اليوم أراده رئيس النظام السوري احتفالياً خصوصاً من ناحية تأمين الحضور المسيحي على رغم كل النصائح التي أسديت له وفيها أن حبيقة لا يستطيع أن يأتي بالمسيحيين معه إلى “الإتفاق الثلاثي” في دمشق ولا يمكنه أن يمون على المنطقة الشرقية. كان هناك اعتقاد راسخ لدى النظام السوري بأن حبيقة سيتمكن بدعم منه من السيطرة على القرار المسيحي. وكانت خطته تقضي بأن يكون رئيس جمهورية لبنان في العام 1988.

على رغم كل الحشد السياسي والتهويل، وعلى رغم تسليم الكثيرين بأن لا رد للقرار السوري بقي سمير جعجع مؤمناً بأنه مع “القوات اللبنانية” قادر على قلب المعادلة وإعادة تصحيح المسار والإمساك بتقرير المصير.

فبينما كان يجري حفل التوقيع كانت الخطة لإسقاط الإتفاق توضع على نار حامية. في 13 كانون الثاني 1986 ارتكب إيلي حبيقة خطيئة كبرى بالهجوم على منطقة المتن الشمالي في محاولة لكسر قرار الرئيس أمين الجميل وعندما عجز عن ذلك بعد 48 ساعة كانت الساعة الصفر قد حددت. خلال ساعات كان حبيقة أصبح أسير مكتبه في مقر جهاز الأمن الذي كان يتحصن فيه وكان الاتفاق الثلاثي يسقط بالضربة القاضية.

لم يكن حبيقة الوحيد الذي تفاجأ بالتحرك. النظام السوري أيضاً فاتته المبادرة. وعندما حاول أن يستدرك بالتحرك عسكرياً على الجبهات المحيطة بالمنطقة الشرقية كان “ما كتب قد كتب”.

16 كانون الثاني 1986 كان يوماً آخر. منذ ذلك التاريخ انصرف سمير جعجع إلى إعادة تنظيم “القوات اللبنانية” والمناطق الشرقية لتكون صورة عن لبنان الذي يجب أن يكون. اتهم مع “القوات” بأنهم يريدون تقسيم لبنان ولكنه في الواقع كان يقدم للبنانيين صورة وطن. هنا حيث “القوات” وطن الحرية والسيادة والإستقلال وهناك حيث جيش النظام السوري وطن الفوضى والخطف والتهجير والحروب المتنقلة: من حرب المخيمات بين “حركة أمل” والفلسطينيين إلى حروب الشوارع والزواريب بين “أمل” و”الحزب التقدمي الإشتراكي” إلى حروب “أمل” و”حزب الله”. في ظل كل هذه الفوضى اختصرت المناطق الشرقية الشرعية ولبنان. فرت البعثات الدبلوماسية من مقراتها لتبحث عن ملاذات آمنة في هذه المناطق ولم يبق تقريباً أي “غريب” في المناطق الأخرى بعد عمليات احتجاز الرهائن والخطف والتصفيات. بات الداخل إلى تلك المناطق مفقوداً والآتي إلى مناطق “القوات” مولوداً. صارت هذه المناطق حلماً للكثيرين.

في العام 1990 كرر النظام السوري المحاولة عبر فرض نظام الوصاية على لبنان والإنقلاب على اتفاق الطائف. ولذلك عمل على تطويع الجميع. وكما في العام 1986 بقي سمير جعجع و”القوات” بالمرصاد. كثيرون اعتقدوا أن جعجع سيمشي بالصف وأنه لن يكرر ما فعله في العام 1986 وأن الظروف قد تغيّرت بالكامل ولم تعد معه أي قوة عسكرية ويمكن الإستفراد به ولكنه بقي مصراً على المواجهة.

في 21 نيسان 1994 عندما اقتيد إلى سجن وزارة الدفاع اعتقد كثيرون أنه انتهى وأن “القوات” انحلت ولن تقوم لها قائمة بعد اليوم وأن القواتيين صاروا شتاتا وأن عهد الوصاية سيكون مؤبداً. ولكن سمير جعجع بقي يقاوم من سجنه وبقيت “القوات” تقاوم من خارج السجن الصغير وفي السجن الكبير على رغم الملاحقات والتوقيفات والإعتقالات والتهديدات.

لم يكن عهد الوصاية مؤبداً ولم يكن سجن لبنان مؤبداً ولا سجن سمير جعجع. كما حصل في 15 كانون الثاني 1986 تبخرت محاولة سوريا استتباع لبنان. ولكن بدلاً من أن يكون سمير جعجع وحده هذه المرة تبلورت حركة الإعتراض اللبنانية وتوسعت من نداء المطارنة الموارنة في 20 أيلول 2000 إلى “لقاء قرنة شهوان” إلى “لقاء البريستول” إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري و14 شباط 2005 ثم 14 آذار. كان يفترض أن يشكل خروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 نهاية لعهد الوصاية ولكن “حزب الله” عمل ليكون البديل عن الجيش السوري ولينقلب على عملية إعادة تكوين السلطة والدولة في لبنان.

في 7 أيار 2008 اعتقد الحزب أنه استطاع أن ينفذ انقلاباً كاملاً وأنه بقوته العسكرية سيمنع عملية التغيير. عندما سمح بانتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية كان يخطط للفوز بالإنتخابات النيابية في ربيع 2009. وكان يدرك أن السيطرة على الأكثرية في مجلس النواب تمكنه من تشكيل الحكومة التي يريدها وبالتالي سيكون رئيس الجمهورية غير فاعل وغير مؤثر في المعادلة والقرار. وكما كان النظام السوري يريد أن يستتبع لبنان من خلال الإتفاق الثلاثي، كان “حزب الله” يسير على الطريق نفسه. ولكن حساباته لم تنجح فحصلت 14 آذار على الأكثرية النيابية وكانت “القوات اللبنانية” في قلب المعركة خصوصًا في دائرة زحلة والبقاع الغربي التي قلبت المقاييس.

لم يتخل “حزب الله” عن محاولات انقلابه. على رغم أن أمينه العام السيد حسن نصرالله كان أعلن قبل انتخابات العام 2009 “ليحكم من يحصل على الأكثرية” فقد نفذ الحزب انقلاباً على حكومة الرئيس سعد الحريري مطلع العام 2011 وأتى بحكومة جديدة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي. ولكنه على رغم ذلك فشل في إدارة السلطة ووصل به الأمر إلى القبول باستقالة هذه الحكومة وتشكيل حكومة بديلة برئاسة الرئيس تمام سلام ومنع انتخاب رئيس للجمهورية.

عندما اعتقد كثيرون أن لبنان صار في قبضة “حزب الله” بقيت “القوات اللبنانية” تعمل على تحرير لبنان من هذه القبضة. بعد ثلاثين عاماً على الإتفاق الثلاثي وعلى إسقاطه لم تخرج “القوات” عن المسار الذي رسمته لنفسها. ولذلك تبقى تراهن على تحرير الجمهورية من قبضة الحزب كما أفشلت محاولات النظام السوري السيطرة على لبنان. ولذلك يبقى الرهان على الرئاسة الجديدة لتكون مدخلاً إلى العودة إلى الدولة والخروج من عهد الدويلة. وكما بادرت “القوات” وسمير جعجع في 15 كانون الثاني 1986 لن تتأخر عن المبادرة في بداية العام 2016 إذا اقتضت الأمور ذلك ودائماً من أجل أن تبقى الجمهورية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل