#adsense

فؤاد بطرس… “في الليلة الظلماء يفتقد البدر”

حجم الخط

هامة وطنية هوَت، رحل فؤاد بطرس هذا الكبيرالقلب، الواسع العلم والمعرفة، البعيد النظر والثاقب الرؤية، “المستقيم الرأي” بكل ما للكلمة من معنى، وآخر كبار هذا الوطن، رحل هذا العملاق مثلما عاش، بهدوء وخشوع وكِبر.

فؤاد بطرس كان كبيراً في وطنيته، صلباً في دفاعه عن سيادة لبنان واستقلاله في المحافل الدولية، قاد معارك دبلوماسية لا يزال صداها يتردد حتى اليوم في أروقة الامم المتحدة ودول القرار من اجل إعلاء شأن القضية اللبنانية وفصلها عن كل قضايا وازمات المنطقة.

عندما قاد الدبلوماسية اللبنانية في احلك الظروف واصعبها، نجح في الحفاظ على مكانة ومصالح “لبنان الدولة”، وعندما كانت الدولة تنهشها الحرب المشؤومة لم يتزعزع ايمانه لحظة واحدة في هذا الوطن ودوره ورسالته رغم كل القلق الذي كان يساوره والهواجس المحقّة التي راودته.

وعندما كان نائباً عن الأشرفية عرف كيف يحافظ على موقعها ورونقها وخصوصياتها وكيف يدافع عن قضاياها وامنها الإجتماعي. فكان مرجعاً وطنياً وعلماً خفّاقاً ومنبراً حراً وكان كبيراً في عطائه اللامحدود للبنان.. وعندما رحل بادلته الأشرفية الوفاء بالمثل وبكته وحزنت على فراقه الذي يطوي صفحة مجيدة ومشرقة من تاريخها الأصيل والحديث.

فِؤاد بطرس كان كبيراً في السياسة والدبلوماسية ومدرسة في حد ذاته. هو الذي عرف كيف يوازي بين التناقضات والتوازنات اللبنانية ويديرها ببراعة وبقي رجل التوافق والتوازن الوطني في عزّ الانقسام والتفاؤل حيث عرف كيف يوازن بين مبدئية ووطنية في الموقف لا تزعزعها اغراءات ولا ضغوط، وبين واقعية في التعاطي مع الاحداث وفي اتخاذ القرارات التي لا تخضع لأوهام ومزاجيات.

عرفت هذا الرجل الكبير والذي قلّ نظراؤه في عالم السياسة والدبلوماسية والأخلاق ونظافة الكفّ والتواضع عن قرب وربطتني به علاقة صداقة متينة فكنت ازوره والتقيه في مكتبه او في منزله استمع الى ارائه الحكيمة والى قراءته للاحداث والتطورات السياسية وكنت اتعلم منه وانهل من مدرسته واستفيد من خبرته ونظرته الثاقبة والمنطقية والواقعية للأمور.

فؤاد بطرس لم ينزلق يوماً الى حسابات صغيرة والى متاهات و”زواريب” سياسية ضيقة ولم ينحرف يوماً عن نهج اختطه والتزم به سلوكاً واداء. فكان عنواناً للحكمة والإتزان والإستقامة والنزاهة.

كان فؤاد بطرس ذكياً ولكنه كان ايضاً اخلاقياً. مارس الحكم بأخلاق وحاور بشرف رؤساء الدول الاجنبية والمنظمات الدولية في المنطقة والعالم. وهذه صفات ومزايا نفتقدها في يومنا هذا خصوصاً مع بعض هذه الطبقة السياسية التي فقدت ثقة اللبنانيين واحترامهم كونها لا تتّقن الا تفضيل مصالحها الخاصة والعائلية والشخصية على مصالح الوطن.

جسّد فؤاد بطرس فعلاً وممارسة الثوابت الوطنية والمبادئ السياسية والقيم الأخلاقية حتى غدا مثالاً يُحتذى به ومرجعاً يُحتكم اليه. فؤاد بطرس باقٍ في ذاكرتنا الوطنية والسياسية الجماعية وكما كان مؤتمناً على السيادة اللبنانية طيلة الفترة التي كان فيها وزيراً للخارجية فإننا مؤتمنون على إرث وطني راكمه على مرّ سنوات وعقود. فقد كان “تاريخاً في رجل” وواكب لبنان في مسيرته واحداثه وفي كل مراحله، عندما كان لبنان في ذروته وعصره الذهبي وعندما سقط في أتون الحرب الأهلية.

وفي كل المراحل والأحوال كان فؤاد بطرس واقعياً في نظرته ومواقفه وقراراته. وهذه الواقعية كانت تعكس واقعاً يلازمه، ولم تكن تعكس ابدآ تشاؤماً إِتُهم به. وليت السياسيين عندنا يكونون واقعيين فلا يبيعون تفاؤلاً خادعاً ومنّمقاً، ولا يخلطون بين الواقع والتمنّي او بين الوقائع والأوهام، ولا يتعاطون السياسة كما لو انها رهان.

هذا النمط من التفكير والتصرّف لم يكن موجوداً مع فؤاد بطرس الاصلاحي المتنّور والوطني الملتزم. فعندما كان رفيق درب وحكم الرئيس فؤاد شهاب ومن اركان فريقه، ساهم فؤاد بطرس في بناء دولة العدالة الاجتماعية والانماء المناطقي المتوازن.

وعندما استدعت الحاجة الوطنية فؤاد بطرس الى الحكم في سنوات الحرب الأولى، لم يتهرّب من المسؤولية ولم يهرب الى الخارج وانما حمل الأمانة والمسؤولية بكل ايمان وجدارة ليكون الساعد الأيمن للرئيس الياس سركيس “الآدامي” نظيف الكف والسيرة، الرئيس القدوة والمثال والمتميّز والنزيه والإنساني، الذي ظلمته الحرب وانصفه التاريخ.

رفض فؤاد بطرس التفريط بقرار الدولة ورفض المساومة على سلطتها وسيادتها. وظلت له القدرة على اقتراح الحلول والمخارج للأزمات المستعصية لأنه كان رجلاً عاقلاً وحكيماً ويحتكم الى العقل لا الى العواطف والغرائز والانفعالات.

قبل سنوات قليلة عندما استعصى الحل لمعضلة قانون الإنتخابات وتعذر الوصول الى توافق وطني حوله، تمّ اللجوء الى فؤاد بطرس الذي لم يتلكأ رغم تقدمه في السن في تقديم المساعدة والمشورة والأراء السديدة وانكبّ بكل جدية ومثابرة مع فريق عمل مختص وعلى رأسهم وزير الداخلية السابق زياد بارود الرجل الرصين ورجل القانون و”ابن المجتمع المدني” على وضع قانون انتخابات جديد عصري وحديث عُرف يومها باسمه “قانون فؤاد بطرس”.

لقد حاز هذا القانون على توافق لبناني حوله لانه الأصدق والأدق في ترجمة التوازنات والخصوصيات اللبنانية السياسية والطائفية ولأنه لم ياتِ مفصّلاً على قياس مصلحة فئوية لفريق او طائفة وانما اتى على قياس الوطن ووحدته واستقراره ووفاقه وتوازنه ووضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل المصالح الخاصة والشخصية.

لكل هذه الأسباب، وما كان عليه فؤِاد بطرس من صفات ومزايا وما أسداه للبنان من خدمات وما حققه في مجالات الدبلوماسية والسياسة والقانون والقضاء من انجازات، جاء رحيله الهادئ بمثابة صدمة في هذا الزمن السياسي البائس ومثيراً الحنين الى الزمن الجميل، زمن جيل الكبار الذين انتمى اليه فؤاد بطرس (فؤاد شهاب، الياس سركيس، كميل شمعون، بيار الجميل، ريمون اده، كمال جنبلاط وغيرهم وغيرهم من الاسماء التي لا مجال لذكرها اليوم) واستحق ان يدخل الى وجدان اللبنانيين وان يحصل على محبتهم وتقديرهم لمسيرته الغنية المعطاءة، وعلى وفائهم لإرثه وذكراه التي ستظل حيّة خالدة في قلوبهم وفي ذاكرة الوطن.

يا ايها الراحل الكبير في الليلة الظلماء يفتقد البدر… فؤاد بطرس سأفتقدك على المستوى الشخصي، سيفتقدك ابناء الاشرفية البطلة وسيفتقدك اللبنانيون جميعاً في هذه المرحلة الصعبة والخطيرة والحساسة والمصيرية.

المصدر:
الديار

خبر عاجل