Site icon Lebanese Forces Official Website

كنا هناك – طانيوس رحمة: لا رحمة في “سجن فلسطين”… ومن لا يتحمّل يمت

كتبت كريستين الصليبي في “المسيرة” – العدد 1510:

قصص المقاومين كثيرة لكن بعضها مؤثّر لأنّها تحمل في طيّاتها طعم الوجع وألوان العذاب. طانيوس رحمة الذي ولد عام 1954 في عيناتا الأرز لم يكن يعرف ما ينتظره وأشقاؤه الخمسة الذين حملوا السلاح وقاوموا حتى استشهاد أحدهم. طانيوس الستيني ترتسم في تجاعيد وجهه قصص المقاومة الشرسة وتختبئ في داخلها حكايا موجعة تنبض بالأسى، ومع ذلك أبى أن يتخلّى عن قضيته وعن سلاحه وحقّه في الدفاع عن أرضه وعن الوجود المسيحي.

تعرّف طانيوس بدايةً إلى الرابطة المارونية و”التنظيم” عند انتقال أهله للسكن في منطقة عين الرمانة، “الحرب لم تبدأ فعلياً في العام 1975، منذ العام 1973 كانت تحصل اشتباكات بين الجيش اللبناني والفلسطينيين. تسلُّح الفلسطينيين استفزني شخصياً، وعلمت أنّ “التنظيم” كان يريد شباباً فانضممت إليه مع عدد من الشباب وكان سبقنا بعض القيادات خصوصا فوزي محفوظ وسمير الطويل وجورج عدوان كما يقول طانيوس.

ويتابع: “جمعوا عدداً من الشباب وأخذونا إلى مركز دير مار يوحنا في الأشرفية حيث قدم لنا “المطران زيادة” شقّة لنسكن فيها لأنّه كان يحتاج إلى من يحمي الكنائس من الاعتداءات التي كانت تتعرض لها، كنا نذهب سرّاً إلى الشقة ونستعملها لمراقبة الكنيسة، كان هذا بمثابة عمل سريّ ولكثرة سريته كنا نعرف بعضنا بالأرقام وليس بالأسماء”.

عندما انتسب طانيوس إلى “التنظيم” لم يكن عنده سلاح “توجّهت إلى أصدقاء لي وطلبت منهم إعطائي بارودة إنكليزية كانت عندهم، لبّوا طلبي لأنني كنت سأستعملها للدفاع عن المقدسات. في العام 1974 وعلى الرغم من أن الأسلحة كانت بدائية والحرب لم تكن قد اندلعت رسمياً، قرّر المسؤولون عنا وعلى رأسهم فوزي محفوظ الاستعانة بمدرّب أجنبي يُدعى جان كاي لتدريبنا”.

يضيف رحمة: “اندلعت الحرب اللبنانية رسمياً في 13 نيسان 1975 في عين الرمانة “أقام التنظيم حينها مركز تجمّع في كنيسة سيدة لورد في عين الرمانة، تحت الأرض. بدأنا نرسل أسبوعياً إلى فتقا مجموعات لتتدرّب، كانت هذه فكرة جورج عدوان الذي أراد إقامة قوّة ضاربة ضمن التنظيم”.

عندما كان طانيوس عنصراً في “التنظيم” شارك في صدّ هجوم الفلسطينيين وأعوانهم على القصور في الكحّالة ـ ضهر الوحش. ربح الشباب المعركة فحصل كل فرد منهم على بندقية هدية.

عن معركة تلّ الزعتر أشار طانيوس إلى أنّه “في أول يوم من الهجوم على تلّ الزعتر، حصل خطأ، وكتنظيم ركّزنا مدافعنا في منطقة عين سعادة ومبنى الأوزيب ESIB، فيما تمركز عناصر الأحرار على الطريق الرئيسية ومن ناحية الدكوانة، بالإضافة إلى قسم من “الكتائب”. غرفة العمليات كانت في دير مار شعيا، أُعطيت الأوامر للانطلاق، وصلنا إلى حاجز “الكتائب” في عين سعادة فمنعنا العناصر من المرور وإكمال طريقنا، أوقفونا مدّة أربع ساعات من دون معرفة السبب، كان الفلسطينيون قد بدأوا القصف. أوّل شهيد سقط في هذه المعركة كان الرفيق “جوزف” على المدفع 106 بعدما انفجر لغم أرضي بالآلية العسكرية مما أدى الى استشهاده”.

استمرّت معركة تلّ الزعتر حوالى الشهر، بعد السيطرة على تلّة المير كانت هناك مدفعية مركّزة للفلسطينيين تحتلّ التلّة استطاعوا من خلالها محاصرة مجموعة من “التنظيم” مدة 7 ساعات. عن هذه اللحظات يخبر طانيوس “تسلمت القيادة لصدّ الهجوم الذي استمرّ 72 ساعة وافتقرنا للذخيرة  والأكل أيضاً. بقينا 5 شباب من كلّ المجموعة نقاوم بعد استشهاد 4 من رفاقنا، وكان الفلسطينيون يستعينون بمدفعية لتغطيتهم من عاليه، فقدت الأمل بالسيطرة على الوضع في البداية ولكن بقدرة الله ربحنا المعركة واستردّينا الموقع مجدّداً”

يقول طانيوس: “لم أشعر يوماً بالخوف من حمل السلاح حتى في أوّل معركة لي، فمن يؤمن بقضية ما لا يخاف ومن يخف يمت أو يخسر. كان علينا الدفاع عن قضيتنا وعن المسيحيين، كان علينا تخطّي الخوف”.

انتقل “التنظيم” بعدها إلى جبهة عيون السيمان حيث كان الجرد يتعرّض لهجوم. يسرد طانيوس قصّة هذه المعركة “صعدنا إلى الجبهة فوجدنا شباباً من المنطقة يحاولون صدّ الهجوم لكنّهم بسبب الخوف وقلّة التدريب والخبرة لم يتمكنوا من المواجهة والصمود. تسلمنا الجبهة وضربنا أوّل ملّالة فأوقفنا أوّل هجوم على كسروان. أقمنا بعدها مركزاً ثابتاً مع ثكنة ومعسكر تدريب وبدأنا ندرّب الشباب للدفاع عن الجرد”.

تنحسر الدمعة في عين طانيوس وهو يتذكّر: “كان أهالي عين الرمانة قد تبرّعوا لنا بتقديم الأكل، والطهي، وغسل الثياب وتنظيف الثكنة، كانت النساء تلاقيننا بالزغاريد بعد كل معركة ويقدمن لنا القهوة. بعض الناس باعوا مقتنيات خاصة ليشتروا لنا أساسيات المقاومة والصمود… اليوم نفتقد لهذه الطيبة”.

في هذا الوقت كانت قوّات الردع العربية قد دخلت بيروت وأقامت حواجز داخل مناطق العاصمة، أحدها بالقرب من ثكنة Katafago عند شركة مياه بيروت وكانت تقع أحياناً بعض المناوشات فتخرق الهدنة التي كانت تحصل.

السجن في سوريا:

رحلة طانيوس تلوّنت بالعذاب فكانت مقاومته الحقيقية في بقائه على قيد الحياة خلال اعتقاله في سوريا. يخبر طانيوس “وصلت سيارة من نوع “فان” إلى جانب سامي الصلح كتب عليها عبارة “جيش لبنان العربي” أوقفها إيلي فارس وعقل مسلّم وجورج كرم وحاتم رحمة فوجدوا في داخلها 3 عناصر من التابعية الفلسطينية وعنصرين سوريين ومسلحين. أخذوا الفلسطينيين وتركوا السوريين وهذه كانت غلطة ارتكبها الشباب. أخبر السوريون الجنود عند حاجز الجيش السوري، وإذ بدبابة وجنود مشاة للجيش السوري يطوّقون مركزنا، سمعت صوت الحرس يصرخ من الخارج فخرجت لأجد النقيب السوري “إبراهيم”، وقد اتهمني بخطف 3 جنود لكنني أنكرت. أراد تفتيش المركز فحصل تلاسن بيني وبينه، عندها أعطى أوامر لعناصر المشاة لتجهيز أسلحتهم. ناديت الشباب على الجهاز وطلبت منهم تطويق السوريين الذين كانوا يطوّقون مركزنا لمساندتنا في فكّ الحصار، كان أهمّ شيء بالنسبة لي هو السيطرة على دبابة السوريين. وصل جورج أسمر بالB7ـ فسيطر على الدبّابة وصعد إليها، كبرت القصّة، أرسل الرئيس الياس سركيس عميداً من الجيش اللبناني ومعه عميد من الجيش السوري. سأل العميد السوري “من المسؤول هنا؟” فأعطاه إسمي جوزف مسلّم في حين كان العميد اللبناني في الداخل يحاول فضّ الإشكال. وانتهى حبّياً وبكم طلقة رصاص، إضطرّرنا إلى فضّ الإشكال لأنها كانت أوّل حادثة تحصل بين السوريين والقوى المسيحية”.

منذ تلك الحادثة بدأ السوريون يراقبون طانيوس، فهم لم يستطيعوا هضم هذه القصّة. يتابع: “بعد 3 أسابيع لحقوا بي إلى منطقة الدورة ونصبوا لي كميناً، كنت مع أخي وإبن عمي، أوقفونا واقتادونا إلى قصر نورا في سنّ الفيل، كان الوقت بعد الظهر. ضربوني على رجلي وقالوا لي “ناطرينك من زمان”، وضعونا في غرفة “الشوفاج” مع الجرذان ورائحة مازوت. في صباح اليوم التالي ألبسونا أكياساً في رؤوسنا ثم اقتادونا إلى التحقيق. أطلقوا شقيقي وإبن عمي، أما أنا فضربوني مرّة أخرى. عاد أخي إلى قصر نورا وأحضر معه ثياباً وطعاماً لكن السوريين أنكروا وجودي هناك. في اليوم التالي نقلوني في سيارة من نوع “فان” إلى مكان ما في المنطقة الغربية ثمّ إلى بحمدون وبعدها إلى المصنع حيث بقيت أسبوعاً تحت التعذيب، ومن بعدها إلى “سجن فلسطين” في سوريا حيث بدأت رحلة العذاب التي استمرّت عاماً و8 أشهر و18 يوم”.

بعد توقيفه بأسبوعين فجّر السوريون منزله في عيناتا الأرز، أما الخروج من السجن في سوريا فحصل بواسطة بعض المقرّبين من الرئيس سليمان فرنجية والذين كانوا من معارف أهل طانيوس.

“كان لوالدي صديق يدعى جوزف طربيه وهو مقرب من سليمان فرنجية، أرسل سليمان جوزف إلى سوريا بقي هناك أسبوعاً ليقنع جميل الأسد، شقيق حافظ، بالمجيء إلى لبنان. بات جميل في أحد الفنادق ثم تنقّل في بيروت وأعطى ورقة توصية لجوزف طربيه الذي سلّمها بدوره الى والدي. أثناء وجودي في السجن وصل طبيب وأعطاني دواء للالتهابات وفي اليوم الثاني طلبني المحقّق وقال لي أن ملفّي أصبح في لبنان وسأعود إلى وطني. في اليوم الثالث أعادوني إلى عنجر، حيث أجبروني على العمل في تنظيف الحمّامات. بعد 15 يوماً وصل أبي وخالي مع بطاقة جميل الأسد وأخرجوني من سجن عنجر”.

رحلة العذاب في “سجن فلسطين”:

في السجن ذاق طانويس أمرّ العذابات وأبشعها، ذاق مرّ الحياة الحقيقي، وعندما يحكي عن تلك الفترة تدمع عيناه ويعتريه الحزن والغضب. “لم نكن نعرف متى يأتي دور كل سجين ليُضرَب ويُهان. كان السوريون يمسكون السجين من قميصه، لم يكونوا ينادوننا بأسمائنا، ويعلّقونه بالبلانكو، رجلاه في الأعلى ورأسه إلى الأسفل. كنا نتعرض للضرب كل ليلة إلّا في حال جلب سجين جديد لأنّه كان تسليتهم الجديدة في التعذيب. لا رحمة في “سجن فلسطين”، كانوا يضربونني  بالكرباج أو بشريط كهرباء سميك، سحبوا أظافري بواسطة “البنسا”، أطفأوا السجائر في جسمي، صعقوني بالكهرباء. كانوا يطعموننا البرغل مع لبن محمّض وزوم الباذنجان، وقعة واحدة كل 24 ساعة، كل واحد لديه قنينة واحدة لقضاء حاجته، وبسبب قلّة النظافة “قمّلنا”. بسبب شدّة التعذيب توفّي ثلاثة سجناء في الغرفة معي، لم يستطيعوا التحمّل، عندما كان يتوفى أحدنا كانوا يتركون الجثّة في الزنزانة 24 ساعة بيننا قبل إخراجها”.

بعد السجن… “القوّات اللبنانية”

بعد عودة طانيوس من السجن كان يرى كوابيس في الليل، لاحقه هاجس السجن وعذابه إلى فراشه، “انصرفت للراحة في منزلي وتركت العمل العسكري”، ولكنه بقي على تواصل مع رفاقه”.

تزوّج طانيوس في العام 1981 وبدأ عمله في تعهّدات البناء والعمل في البلاط.

لكن الصدف أعادته إلى العمل العسكري، فالمقاوم الحقيقي لا يستطيع أن يتخلّى عن قضيته ولا يمكنه أن يخرج من ذاته. يستذكر طانيوس “خلال إحدى الحفلات في برج الفيدار التي اصطحبني إليها يوسف وعسّاف وجوزف رحمة تعرّفت إلى الدكتور سمير جعجع، شعرت بجدّيته واندفاعه وعنفوانه، لمست كم هو مؤمن بالقضية، استطاع سمير جعجع ومنذ اللقاء الأوّل بيننا إعادة روح المقاومة إلي. رأيت في “القوّات” نفساً جديداً في العمل. أعادت “القوّات” الأمل إلينا، واقتنعت بالعودة مجدّداً إلى العمل العسكري فالتحقت بثكنة عيناتا في ضبية وتسلّمت مركز المسؤول العسكري فيها، كنت أجمع الشباب وأدرّبهم حتى أصبح عديدنا 160 شاباً تقريباً مدرّبين بشكلّ ممتاز”.

خدم طانويس على جبهات الشمال، كفرحلده وميفوق، سوق الغرب، الحيّ الغربي في عاليه، كفرمتى، عين الرمانة، غابة بولونيا. وفي إحدى المرّات أرسل الشباب إلى الغابات – شير الجلسة لحماية المنطقة بسبب انسحاب اللواء الأوّل بعد احتلال السوريين و”حزب الله” لها.

ويروي طانيوس “في إحدى المرّات، مرّ مسؤول من “حزب الله” عند حاجز لفرقة MP ولم يكونوا بعد قد علموا بانسحاب الجيش وتسلمنا المنطقة، اشتبك عناصر الحزب مع عناصر الحاجز وأحرقوا سيارة لنا وأصيب بعض شبابنا. علمنا بالموضوع فتوجّهنا فوراً إلى الحاجز، كان الرصاص ينهمر كالمطر على شبابنا، استنفرت “القوّات اللبنانية” فوقعت معركة بيننا وبين “حزب الله” استمرّت حوالى 4 ساعات، وحررنا بنتيجتها عناصر الMP وربحنا المعركة”.

في أواخر العام 1993 تم استهداف بيت “الكتائب” بسيارة مفخخة وللصدفة، بعد التفتيش وجد الجيش في مكان الحادثة هوية باسم طانيوس رحمة فتوجّهوا إلى منزل طانيوس. “اتهموني بالانفجار، طوّقوا منزلي عند الرابعة فجراً واقتادوني أمام ابنتي إلى مركز معلومات بيروت. بقيت 4 أيّام  خضعت في خلالها لأكثر من استجواب، وبعدما تأكدوا من براءتي أطلقوا سراحي. علمت بعدها انّهم حقّقوا مع مؤهّل كان يدعى أيضاً طانيوس رحمة كما مع شخص آخر من عيناتا الأرز واتّضح أنهما ليسا متهمين”.

يوم اعتقال الحكيم:

ذلك اليوم الأسود من تاريخ “القوّات اللبنانية” لم ينسه طانيوس. يخبر: “يوم اعتقال الحكيم كنت في غدراس، هربت في الحرش مع مجموعة من الشباب كي لا يتم القبض علينا، كان على بعضنا التواري عن الأنظار وذلك فقط كي يبقى أحد خارج السجن لمساعدة من في المعتقل. استطاع الجيش القبض على بعض الشباب منهم شقيقي… لم أفقد الأمل يوماً كنت واثقاً من براءته ومن أنه سيخرج من المعتقل منتصراً على الجميع. لم أترك نظاهرة إلّا وشاركت فيها على الرغم من أنني كنت أتعرّض للتوقيف والضرب في كل مرّة وأنني وقعت على تعهّد لكنني لم ألتزم به بل استمرّيت بالمقاومة ضدّ الظلم”.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

 

Exit mobile version