كنا هناك ــ مارون مارون: نظمنا أول تظاهرة قواتية في الجنوب

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1502

لا يمكن للرفيق مارون مارون أن يروي شهادته عن النضال في خلال زمن السجون والإعتقالات والتحركات والبيانات السرية إلا بعد أن يرسم خارطة الطريق التي أوصلته الى ذاك المفترق الذي غيّر وجه حزب “القوات اللبنانية” وكرّس رئيسه الدكتور سمير جعجع المعتقل السياسي الأشهر في العالم العربي.

رئيس دائرة الإعلام الداخلي في جهاز الإعلام والتواصل مارون مارون يفتح فصولًا من الذاكرة ويروي تجربته في صفوف المقاومة المسيحية التي بدأت مع معركة شرق صيدا وانتهت بمعركة النضال السياسي ورفع الصوت طيلة 11 عاماً للمطالبة بحرية وطن وإطلاق سجين بطل.

تبدأ القصة مع مارون في العام 1982 عندما كان مقرّ “القوات اللبنانية” في منطقة الزهراني في ثكنة الشهيد جورج فرح، ويروي “كان من الطبيعي أن نلتحق بصفوف “القوات” التي تمثّل ضميرنا المسيحي وكرامتنا الوطنية. كنت في سن الرابعة عشرة وكنا قبل هذا التاريخ نسمع عن نضال “القوات” في المنطقة المحرّرة من بيروت الى المدفون الى أن التحقنا بصفوفها، فخضعت لدورة تنشئة تلتها دورة عسكرية ودورة وحدات. صرت من عديد الاحتياط، وتم تعييني رئيساً لخلية طلاب “القوات” في مدرسة صيدون الوطنية.

عندما بدأت حرب الجبل ومعارك إقليم الخروب شاركت مع المقاتلين المقاومين على الجبهات وانطلقنا من ثكنة الشهيد جورج فرح الى منطقة المطلّة والجليلية حيث سقط معنا العديد من الرفاق جرحى وشهداء.

في العام 1985 انسحب الجيش الإسرائيلي من منطقة صيدا فاغتنمت بعض القوى الفرصة للانقضاض على مناطقنا فوجدنا أنفسنا في حالة دفاع عن النفس، وبما تيسر في منطقة شبه معزولة، العدو الإسرائيلي خلفنا والفلسطينيون والقوى اللبنانية الحليفة لهم أمامنا. على رغم ذلك صمدنا كـ”قوات لبنانية” الى أن أمّنا إنسحاب الأهالي بأقل قدر ممكن من الخسائر ولمنع المجازر التي كان يخطط لإرتكابها بحق أهلنا. نجحت “القوات” يومها في حماية المسيحيين، ورغم الاتفاق مع الجيش اللبناني الذي كان يقضي بانسحاب المقاتلين من “القوات اللبنانية” وسلاحهم من المنطقة على أن يتولى الجيش حماية الأهالي في بلداتهم، نفذت “القوات” تعهدها وانسحبت، إلا أن الجيش لم يدخل ولم ينتشر لا بل برز عصيان الكتيبة 98 أوامر القيادة، وارتكبت بحق المنطقة أبشع أنواع التهجير.

عندما اضطررنا الى إخلاء متاريسنا وانسحبنا الى منطقة جزين، ومن ثم الى الناقورة حيث تأمنت البواخر لنقلنا الى الحوض الخامس في مرفأ بيروت، هناك انضممنا الى صفوف “القوات”. أما أهلي فانتقلوا من جزين مع موكب الصليب الأحمر عبر معبر باتر بسبب حالتهم الصحية”.

حياة جديدة بدأت في المنطقة الشرقية المحرّرة أكمل معها مارون دراسته والتحق بجهاز الصندوق الوطني في الحوض الخامس في مرفأ بيروت. الى أن بدأت حرب التحرير فانتقل عديد شباب الحوض الخامس الى فوج المدفعية الأول لمساندة الجيش اللبناني في تلك المعركة من مربض طبرية.

يقول مارون ويتذكر أنه مع اندلاع حرب الإلغاء خرج من جديد من بيته وهذه المرة في منطقة الدكوانة تاركاً والديه لمصيرهما ولتفجّر سيارته لاحقاً انتقاماً. التحق بمركز قتالي عند نقطة ميرنا الشالوحي، ليكون قريباً من والديه. إلا أن القيادة إستدعته لإعادة فتح مرفأ جونيه وتنظيمه لاستقبال البواخر التجارية والسياحية، بغية كسر الحصار عن المنطقة وإدخال المؤن إليها وتسهيل السفر الى قبرص ودخول المستلزمات الطبية واللوجستية.

بعد انتهاء الحرب ودخول “القوات” مشروع إعادة بناء الدولة وزمن السلم بعد اتفاق الطائف، كباقي الشباب القواتي التحق مارون بدورات التنشئة السياسية في غدراس التي كان يشرف عليها الدكتور سمير جعجع شخصياً ويحاضر فيها العديد من الاختصاصيين. يتابع مارون: “عندما إتخذ القرار بحلّ حزب “القوات” في آذار من العام 1994 واعتقال الدكتور سمير جعجع الخصم الحقيقي لحكم النظام السوري في لبنان، بدأنا جلجلة جديدة”.

“لم يتم اعتقالي” يقول مارون “لكني خضعت لجلسات تحقيق عدة، وتحوّل الضغط علي الى لقمة عيشي ومنعت من الدخول الى مرفأ بيروت حيث كنت أعمل في 3 شركات لنقل وتخليص البضائع.

مع ذلك لم يتمكنوا من ليّ ذراعي وبقيت على التزامي في “القوات” وتابعت زياراتي الى بيت الحكيم في يسوع الملك ووضعت نفسي في تصرف ستريدا. وأذكر أنني عندما دعيتها الى زفافي في العام 1996 أرسلت باقة ضخمة من الورد كتب عليها ” سمير وستريدا جعجع” فوضعتها أمام كنيسة السيدة في الفنار، يومها كانت العلاقة مع سمير جعجع تعني السجن والاعتقال، مع ذلك سجّلت فخري بهذا الرجل أمام نحو 500 مدعو الى العرس.

عشنا جواً من الإرهاب والرعب، وتلقيت تهديدات عدة بوجوب الصمت والكفّ عن الظهور الإعلامي للمطالبة بحرية الدكتور جعجع، لكنني استمريت في نضالي على المستوى الإعلامي خصوصاً وكتابة البيانات التي كانت تصدر تحت اسم ” تجمّع بلدات شرق صيدا” التي تطالب بعودة المسيحيين الى المنطقة وتحرير الدكتور جعجع، وكان هذا سبباً لاستدعائي للتحقيق لأنهم كانوا يعرفون أنني خلف كتابة ونشر تلك البيانات مع أنني كنت أرسل البيانات باليد الى أحد أصدقائي في الوكالة او أعتمد فاكسات السنترالات العامة كي لا يُكشف رقم المرسل. وطيلة الـ 11 سنة اعتقال اتفقنا أنا وشقيقي إدغار على أن يكون التواصل مع ستريدا من مهماته ويعود لينقل إلي الجو والتعليمات لما يمكن ان أخدم به قضيتنا قضية الحق وكنت انقل الأجواء بدوري الى شباب شرق صيدا. كان هذا الاتفاق حتى اذا أوقف أحدنا يتابع الآخر النضال”.

عام 1998 ومع استحقاق الانتخابات البلدية أدرك مارون أن المشاركة في هذه الانتخابات لا بد أن تحقق وصول الصوت القواتي الى أبعد مدى ويبرهن عن الوجود المسيحي الحر في شرق صيدا، فترشح الى عضوية بلدية مجدليون وفاز رغم تهديد الأجهزة الأمنية ونصحهم له بضرورة الصمت والابتعاد عن أي نشاط في الشأن العام، ويتذكر هنا ” بقيت طيلة 6 سنوات في عضوية البلدية أمثل قناعاتي السياسية والحزبية جهاراً.

بين البيانات السرية والعمل البلدي والمواقف السياسية العلنية المطالبة باطلاق الدكتور سمير جعجع والتي أقل ما يمكن وصفها أنها كانت أيامذاك مواقف خطيرة، مضت السنوات الـ11 من دون أن يكلّ مارون، ويتابع روايته “الى أن نظمنا أول تحرّك لنا في الجنوب وكتبت عنه الصحف على انه العودة الأولى لـ”القوات” الى الجنوب من خلال تنظيم تظاهرة كبيرة من أبناء المنطقة للمطالبة بالافراج عن الدكتور جعجع في أيار 2005 نظّمنا مواكب سيارة جابت قرى شرق صيدا ومدينة صيدا رافعة أعلام “القوات”. كانت خطوة لافتة في توقيتها والتغطية الاعلامية التي حظيت بها، نظراً لدقة الوضع السياسي في الجنوب والشعور لدى الجميع بأن فئة واحدة تحتكر العمل السياسي فيه فجاءت هذه التظاهرة لتؤكد ان الجنوب لنا ايضًا ونحن شريك سياسي يحسب له حساب، واننا لن نسكت عن المطالبة بالافراج عن رمز من رموز اتفاق الطائف الذي ارتضى من خلاله كل اللبنانيين اعادة إحياء الدولة اللبنانية الحاضنة لهم جميعاً. الشيب والشباب والنساء والاطفال نزلوا الى الشوارع ليصرخوا كفى ظلماً، لا للنظام الامني السوري اللبناني، السوري خرج ويجب ان تنتهي وصايته الامنية والمخابراتية عن كاهل اللبنانيين الاحرار. تحركنا هذا سبق حتى الاعتصام أمام المجلس النيابي الذي شاركنا فيه بقوة. ومشاركتنا في تظاهرة ثورة الأرز في 14 آذار لم تخلُ من الخطر فقد تعرضت مواكبنا للرشق بالحجارة على طريق المطار وعلى طول الطريق الى ساحة الشهداء، وكنا رأس حربة في هذه التظاهرة رغم التهديد”.

اليوم يرتكز دور مارون مارون في رئاسة دائرة الإعلام الداخلي في جهاز الإعلام والتواصل في “القوات”، على تنظيم الحملات التثقيفية حول العمل والتأثير الاعلامي في كل المناطق والقطاعات في حزب “القوات اللبنانية”، فهو الخبير طيلة سنوات الاضطهاد بمدى فعالية التأثير الاعلامي وتقنيات استعمال سلاح الكلمة في زمن السلم وببراعة تماماً كما استعمال السلاح القتالي في زمن الحرب!.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل