إفتتاحية “المسيرة”: مبادرة جعجع وحرب الرئاستين

إفتتاحية “المسيرة” –  العدد 1542

الكل ينتظر ما سيقرره رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع. الأسئلة كلها تقريباً تدور حول احتمال واحد قبل أن يصبح مبادرة: هل سيرشح سمير جعجع العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية؟ بعد ذلك تكرّ الأسئلة الأخرى: متى يعلن الموقف؟ هل سيزور العماد عون معراب؟ أي اتفاقات تحصل بين “القوات” و”التيار”؟ ماذا سيكون موقف “حزب الله”؟ هل يمشي بعون أم يعطل المبادرة؟ هل مشكلة الحزب هي مع من سيكون رئيساً للجمهورية أم مع من سيكون رئيساً للحكومة؟ وهل هي حرب رئاسة واحدة أم حرب رئاستين؟ ماذا سيفعل النائب سليمان فرنجية؟ هل ينسحب من المعركة أم يستمر في ترشيحه؟ ماذا سيكون موقف الرئيس سعد الحريري؟ هل يبقى على مبادرة ترشيح فرنجية مقابل عودته إلى رئاسة الحكومة أم يعود إلى معادلة عون في بعبدا والحريري في السراي؟

حتى قبل أن يصير احتمال ترشيح الدكتور جعجع العماد عون لرئاسة الجمهورية أمراً واقعاً بدأ التعاطي معه وكأنه تحصيل حاصل. وبدا هذا الإحتمال كأنه كفيل بإعادة رسم الخارطة السياسية في الداخل إلى الحد الذي جعل الأطراف كافة تعيد إجراء حساباتها على هذا الأساس. كأن هذا الإحتمال استهلك بسرعة مبادرة ترشيح النائب سليمان فرنجية وأدخل لبنان في حالة جديدة يتطلب التعامل معها الكثير من التروي والإتصالات والهدوء.

حتى قبل أن يحكى عن ترشيح الرئيس سعد الحريري النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية وقبل أن تخرج إلى العلن أي إشارة إلى أي التقاء رئاسي بين “القوات” و”التيار الوطني الحر” كان إعلان النوايا بينهما كفيلاً ببدء مرحلة جديدة من التعاطي السياسي على المستويات كلها على رغم أن الطرفين تجنبا في هذا الإعلان التطرق إلى موضوع رئاسة الجمهورية التي بقيت محط خلاف وبقي التوافق قائما على الإلتقاء حيث يمكن وإبقاء الخلاف تحت سقف احترام الرأي الآخر.

ولكن على رغم ذلك بدأ البعض يتصرف على أساس أن إعلان النوايا مقدمة لتحالف سياسي. وبدأت تصدر إشارات إلى ما لم يكن تم التداول فيه بعد. اعتبر البعض أن هناك حرب إلغاء يقودها كل من “القوات” و”التيار”. حتى أن النائب سليمان فرنجية وغيره من القيادات المسيحية في 8 وفي 14 آذار بدأوا يجرون مسحاً عاماً للوائح الشطب والترشيحات المحتملة على مستوى كل لبنان على قاعدة “أي عدد من النواب سيوصل عون وجعجع وماذا سيبقى لنا؟”.

لم يكن من داعٍ لهذا الهلع. فعلى رغم إعلان النوايا كانت مسألة رئاسة الجمهورية لا تزال محصورة عند الطرح الذي تقدم به العماد ميشال عون والقاضي بموافقته على النزول إلى مجلس النواب وتأمين نصاب جلسة الإنتخاب مقابل أن تكون المعركة محصورة بينه وبين الدكتور سمير جعجع. ولكن على رغم ذلك بقي التعطيل أقوى من النصاب.

تجربة أخرى عاشها “القوات” و”التيار” معاً أثارت المزيد من الخوف لدى الذين اعتبروا أن لقاء الحزبين سيكون على حسابهم ولكن في المقابل تركت هذه التجربة ارتياحاً داخل الشارع المسيحي. عندما تمت الدعوة إلى عقد جلسة تشريع الضرورة، تمسك الطرفان بموضوعين اعتبرا أنهما أساسيين: مشروع قانون استعادة الجنسية ومشروع قانون الإنتخابات النيابية. وعلى رغم كل التدخلات للفصل بينهما وفك الإرتباط الحاصل تمسكا بموقفهما ونجحا في تحقيق ما أراداه. بدا لوهلة أنهما قادرين معاً على تغيير المعادلات إذا اتفقا. ولكن حتى هذه اللحظة لم يكونا قد اقتربا من موضوع رئاسة الجمهورية. كان كل من العماد عون والدكتور جعجع يتمسك بترشحه.

لا شك في أن ما عجل في قلب المعادلات كان ترشيح الرئيس سعد الحريري النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية وليس تقارب “القوات” و”التيار”. إذا كان هناك من إيجابيات لذاك الترشيح فهي أنه فتح أبواباً جديدة في الجدران السياسية المقفلة على جبهتي 8 و14 آذار وكشف بعض حسابات الأطراف المخفية.

لم يكن مفاجئاً أن تعارض “القوات” خيار فرنجية من منطلق حسابات سياسية بحتة وليس من منطلق حسابات شخصية لأن العلاقات مع “المردة” كانت منسقة على أكثر من صعيد وفي أكثر من قضية. ولم يكن مفاجئاً أيضاً أن يقف العماد ميشال عون ضد هذه الخطوة التي اعتبرها انقلابية عليه من داخل التكتل الذي يرأسه طالما أنه يعتبر نفسه مرشحاً دائماً لا يتنازل عن ترشيحه. ولكن مقابل مفاجأة أن يأتي ترشيح فرنجية من جانب الرئيس سعد الحريري كانت المفاجأة الأكبر أن يأتي رفض هذا الترشيح من جانب حليفي فرنجية “حزب الله” والنظام السوري.

ماذا كشف هذا الرفض الذي انكشف تباعاً وعلى مراحل وشكّل نكسة معنوية للنائب فرنجية الذي كان يعتبر أن اسمه وحده يشكل ضمانته لدى حلفائه؟ أظهر ذلك أن المسألة لدى “حزب الله” لا تتعلق بأن يصل النائب سليمان فرنجية إلى قصر بعبدا بل بأن لا يصل الرئيس سعد الحريري إلى السراي وأن معركة رئاسة الجمهورية هي غطاء لمعركة رئاسة الحكومة ولمعركة أكبر أيضاً هي معركة قانون الإنتخابات وتكوين الأكثرية النيابية التي من خلالها يستطيع الحزب أن يشكل الحكومة التي يريدها وأن يسمي رئيس الحكومة الذي يريده تمامًا كما كان يريد أن يفعل بعد 7 أيار وبعد السماح بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بعد اتفاق الدوحة. مرة جديدة اختبأ “حزب الله” وراء تمسكه بتمسك الجنرال عون بترشيحه وقد كشف بشكل مباشر تقريبًا أنه وراء قرار إبعاد الرئيس سعد الحريري من لبنان خصوصًا أن الحريري عندما غادر لبنان بعد ترئيس الرئيس نجيب ميقاتي الحكومة ربط الموضوع بأسباب أمنية وقد تم الحديث وقتها عن اكتشاف سيارة مفخخة كانت محضرة لاغتياله.

على رغم الحديث عن احتمال اتجاه الدكتور سمير جعجع إلى ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية فإن هذا الأمر بقي ملتصقاً بجانب آخر يتعلق بالإصرار على استمرار تحالف “القوات” مع “تيار المستقبل” والرئيس سعد الحريري. بالتالي إن معركة قصر بعبدا لا تنفصل عن معركة رئاسة الحكومة وإن “القوات” تعتبر دائماً أن أي تسوية رئاسية يجب أن تستكمل بتسمية الحريري رئيساً للحكومة بعد الإستشارات النيابية الملزمة وهي ليست خارج هذا السياق. ففي حسابات “القوات” لا مكان للصفقات السياسية التي تدخل ضمن إطار تقاسم الحصص. و”القوات” عندما تفكر باتخاذ خطوات تؤدي إلى مخارج وحلول إنما تفعل ذلك انطلاقاً من حسابات وطنية تتعلق بإعادة تركيب بنية الدولة والمؤسسات. وهي لا تقارب موضوع رئاسة الجمهورية إلا من خلال هذه الخلفية الإستراتيجية التي على أساسها أعلن رئيسها الدكتور سمير جعجع برنامج ترشيحه للرئاسة تحت عنوان “الجمهورية القوية”. ولذلك لا تذهب “القوات” نحو خياراتها الرئاسية إلا تحت هذا العنوان ولا تقبل إلا بمن يحقق هذا البرنامج الكفيل بإعادة التوازن السياسي والطائفي والوطني. التوازن الذي يقوم على سلطة الدولة أولاً وأخيراً وعلى محاربة الفساد وإعادة إحياء المؤسسات وإعطاء الفرصة الدائمة لإحداث التغيير المطلوب من خلال اللعبة الديمقراطية لا الإنقلابية.

عندما يفكر الدكتور جعجع بخيار الإنسحاب من المعركة الرئاسية لمصلحة العماد ميشال عون فهو يعرف أن هذا الخيار له سلبياته وإيجابياته وحساباته الكثيرة وأنه يجب أن يقترن بعملية تسويق واسعة لتجعله مقبولاً من القوى المحلية والدولية المؤثرة في قرار انتخاب الرئيس. وهو يدرك أيضاً أن الشارع المسيحي يترقب بشغف خطوة من هذا النوع لأنه يعتبر أن مثل هذا الأمر يعيد المسيحيين إلى دائرة القرار وينهي عهود التهميش. وهو يدرك أيضاً أن كل الأطراف تحتاج إلى ضمانات وأن هذه الضمانات لا تكون إلا عن طريق الدولة وأن المسألة كلها تحتاج إلى حسابات دقيقة.

ولكن على رغم أن هذه الحسابات لم تصل بعد إلى نهايات أكيدة بدأ التعاطي مع القضية على أساس أنها حاصلة حتماً وعلى قاعدة كيف ستتم مواجهة تفاهم عون وجعجع بعدما كان التعاطي يتم على قاعدة أن عون وجعجع ضد بعضهما. وقبل أن تتم ترجمة التفاهم بدأ البعض يرسم سيناريوهات تفصيلية وأخذ يرصد اللحظة التي سيزور فيها رئيس تكتل التغيير والإصلاح معراب ردًا على زيارة الدكتور جعجع إلى الرابية واللحظة التي ستلي هذه الزيارة ويعلن فيها جعجع ترشيح عون.

وفي ظل كل هذه المشهدية يكبر السؤال عند المتخوفين: ماذا سنفعل إذا اتفق عون وجعجع؟ ويكبر ترقب موقف “حزب الله”: هل يقبل بالعماد عون رئيساً؟ أم أنه سيتعاطى معه كما تعاطى مع ترشيح النائب سليمان فرنجية على قاعدة أن ساعة الرئاسة الأولى لم تحن بعد لأن قرار الرئاسة الثالثة لم يؤخذ، بعد الأمر الذي يجعل المعركة معركة رئاستين لا معركة رئاسة أولى.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل