#adsense

40  عامًا على تهجير الدامور… روايات من قلب المأساة: لا نصدق أننا بقينا أحياء

حجم الخط

ثمة محطات في الذاكرة لا تفترض وجود مناسبة لإعادة تحريكها وسكبها على الورق، أو تحويلها إلى حكايات نرويها فصولاً متقطعة أمام الأولاد والأحفاد.

وثمة صور حفرت في الذاكرة وصارت جزءا من الأحلام الليلية، أو قل كوابيس الليل الطويل على رغم طيّها في صفحات الزمن الطويل.

20 كانون الثاني 1976 تاريخ خرج من روزنامة العمر وصار واحداً من أكثر المحطات وجعاً في تاريخ الحرب اللبنانية وفي ذاكرة الداموريين خصوصاً، الذين كبروا على مأساة القتل والذبح والرعب والجوع والتهجير. فهم كبروا وفي عيونهم مشهد قتل الأب والأم والأخت والأقارب إما رميا بالرصاص او ذبحاً أو اغتصاباً أو… “فسخاً”! كبروا وفي ذاكرتهم أبراج من المآسي والذكريات غير القابلة للترميم او التجميل او حتى التضميد. ومن قال إن من عاش فصولها طفلاً استطاع ذات يوم ان يعود إلى ذاك البيت الذي شهد فيه على مجزرة ذبح والديه؟…

توفيق عيد وجورج عون كانا طفلين عندما حصلت المجزرة. شهدا على فصول القتل والسبي والذبح. فصول يعودان إليها بزفرات متقطعة، بغضب، بثورة، بحزن… وككل داموري يرفضان ان تصبح مجرد ذكرى. فمن يلغِ تاريخه لا يتقن فن العيش بكرامة. قالاها وفي عينيهما مشهد واحد: صراخ ودموع أطفال الدامور الزاحفين نحو بوابة الحياة هرباً من ساطور “داعشيي” ذاك الزمن. ومن روايتيهما نستعيد فصولاً من ذكرى مجزرة الدامور التي ذهب ضحيتها عدد كبير من الشهداء.

الروايات عديدة. كل يرويها من زاوية البيت الذي شهد فيه على فصول المجزرة، او من ذاك القارب الذي حمله بحراً من حارته التي دفن فيها أحلامه الطفولية وكل ألبوم صور العائلة إلى مرفأ الأمان او قل الولادة الثانية. الروايات عديدة لكن العنوان واحد: مجزرة الدامور. وشعور واحد: “لا نصدق أننا بقينا أحياء”.

توفيق عيد: حسَّينا حالنا بالمقبرة

عاش فصول المجزرة وبقي الشاهد الوحيد مع شقيقه طوني وشقيقتيه سميّا وراغدة. ماذا عن مصير باقي أفراد العائلة؟ من الدامور التي عاد إليها وحده من دون أشقائه الذين يرفضون حتى اليوم ان يطأوا عتبة البلدة التي تنبش ما في الذاكرة من فصول مأساوية يروي: “مطلع شهر كانون الأول من العام 1975 بدأت المعارك والمناوشات حول الدامور تزداد حدة خصوصاً مع تطويق مسلحي “لواء اليرموك” بوابتيها لجهة بيروت والشوف. كنا نسمعهم يرددون إن الدامور هي بوابة الشوف والجنوب لكننا لم نفهم معنى هذه العبارة إلا عندما بدأت المعارك في الدامور”.

ذاك الوقت كان عمر توفيق لا يتجاوز الـ9 سنوات وكان يعيش مع والديه جريس وإلهام وأشقائه طوني 7 سنوات وسميّا 4 سنوات وراغدة 10 سنوات في منزل في حي الروس. وعلى رغم صغر سنه إلا أنه فهم لعبة الحرب وقواعد شرف الدفاع عن الأرض والأعراض من والده الذي كان يشهد له أهل الحارة بقوته واستبساله وشجاعته، ومن شباب الحارة الذين شيدوا المتاريس وحملوا ما توافر من البنادق والأسلحة الفردية والخرطوش الذي كانوا يشترونه من “خارجيتهم” للدفاع عن أهل الدامور وأرضها. ويروي توفيق: “كان والدي وعمي مارون وأولاد عم والدي يقاتلون مع شباب “الكتائب” في حينه ويتناوبون كل ليلة على حراسة الحارة، وكنا نشاهدهم وهم يتحضرون للذهاب إلى الثكنات ونرافقهم أحياناً إلى المتاريس بعدما أقفلت المدارس ومنها المدرسة الرسمية في الدامور التي كنا نتعلم فيها”.

مع اشتداد حدة المعارك وسقوط حي الروس في أيدي مسلحي “لواء اليرموك”،  قرر والد توفيق الإنتقال إلى حي القناطر لأنه كان يرفض مغادرة الدامور. وكأنه كان يدرك أن بقاءه سيسطّر ملحمة بطولة ولو على حساب ذاكرة أطفاله البيضاء. في حي القناطر سكنت العائلة في منزل خليل غنيمة مع باقي أفرادها بالإضافة إلى شخصين من أقاربه وعمه مارون. وكانوا جميعهم ينتمون إلى حزب “الكتائب”. ويتذكر توفيق الهجومين التاريخيين اللذين تعرضت لهما الدامور قبل سقوطها . “في 17 كانون الثاني شن “لواء اليرموك” هجوماً عنيفاً على حي الروس من جهة حارة الناعمة وتكبدوا خسائر بشرية فادحة على يد شباب الحارة ورجالها الذين كانوا يقاتلون بشراسة لحماية بيوتهم وحارتهم. لكن المقاتلين تمكنوا من الدخول إلى منزل عائلة “آل كنعان” فقتلوا وذبحوا كل أفراد العائلة وعددهم 8. اما الهجوم الثاني فكانت نتائجه مأساوية إذ استشهد عدد كبير من الشباب منهم طوني غريب وطانيوس أسمر عيد وإمرأة بعمر 76 عاماً بعدما أعدموها رمياً بالرصاص بسبب انتساب ابنها إلى حزب “الكتائب” ولم يتمكن من تلبية نداء استغاثتها ومساعدتها او الوصول إليها لإنقاذها.

20 كانون الثاني 1976. الواحدة فجراً. يسكت توفيق لثوان. يتنهد عميقاً. يحاول ان يقفز بعمره وذاكرته فوق هذا الفصل المأساوي الذي شهد فيه مقتل والديه أمام عينيه. صحيح انه كان طفلاً ويظن كما كل الأطفال أن الحق ينتصر و”البطل ما بيموت”. لكن وحشية وإجرام الطغاة الذين كانوا ينفذون مسلسل إجرامهم بالتعاون مع أشخاص ناقمين ومندسين من البلدة أبادت كل أحلامه. وبين ليلة وضحاها كبر الطفل كما كل أطفال الدامور الذين شهدوا على المجزرة أضعاف أضعاف عمرهم الطري.

“وصلنا لليوم المأساوي” يقولها توفيق بصوت ونفس متقطعين ويتابع: “كانت الساعة الواحدة من فجر يوم 20 كانون الثاني 1976. لا أزال أتذكر المشهد أمامي وكأنه اليوم. كانت أمي إلهام تقف أمام فرن الصاج حيث كانت تخبز المناقيش والخبز للشباب الموجودين على الجبهة والمتاريس. كان آخر رغيف خبز على الصاج لتلك الليلة وكل العمر. فجأة اقتحمت مجموعة من المسلحين البيت وعددهم نحو 35. كانوا مكشوفي عن الوجوه باستثناء شخص واحد كان ملثماً وراح ينادي على كل فرد من أفراد العائلة بإسمه: جريس، مارون، بطرس خليل كل كتائبي يجي لهون وإلا راح نقوص الكل. استيقظنا مذعورين وخرجنا إلى القاعة حيث انتشر المسلحون وشاهدت أمي تقف في وجه الرجل الملثم وصرخت في وجهه: “يا فلان ما بدي سميك قدام ولادي … يا عيب الشوم ع شرفك. نسيت كم مرة خلصك جوزي جريس بعد ما يوقفوك الكتائب بسبب أعمالك الوسخة؟” فأجابها: “نحنا بدنا جريس ومارون (عمي). وقالت له: “جريس مش هون (وكان يختبئ داخل البيت مع أولاد عمه وصاحب البيت خليل غنيمة وإبنه بطرس ونمر بو سرحال. اما مارون فكان خارج البيت). يسكت توفيق ويتنهد: “كنا نحو 20 طفلاً في البيت. بدأنا بالبكاء خصوصاً عنما اشتدت حدة الخلاف بين الملثم ووالدتي. فجأة سمعنا أصوات طلقات نارية إذا بها تخترق جسد أمي وتسقط أرضاً كما أصيب إبن عم والدي الياس برصاصة في قدمه. وقبل ان تلفظ أنفاسها الأخيرة قالت له: “ولادي أمانة بين إيديك وأسلمت الروح. فجأة خرج والدي والشباب وحصل إشكال بالسلاح الأبيض مع المسلحين أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى بينهم. لكن عددهم وعديدهم كانا كفيلين بتحديد ميزان القوى وعندما أشار الرجل الملثم بإصبعه إلى والدي عرفوا انه جريس وسمعت أحدهم يقول “خلص لقطنا جريس” فاقتادوه وكبلوه وأخذوا معهم باقي الرجال الذين كانوا يختبئون في المنزل وأوقفوهم على حائط البيت وأعدموهم رمياً بالرصاص. وحده الياس عيد ابن عم والدي وشقيق طانيوس الذي أعدم مع والدي نفذ لأنه كان مختبئاً تحت السرير بعدما أصيب برصاصة في قدمه.

في هذه الأثناء وصل عمي مارون ولاحظ وجود ما يقارب المئة مسلح في الباحة الخارجية وشاهد جثث الشهداء على الأرض فبدأ بإطلاق النار من دون ان يهاب أحداً. والكل كان يشهد لشهامة وبطولات “الأسمر”. (اللقب الذي كانوا ينادونه به) لكنه هذه المرة لم يظمط من قبضة الطغاة. كبلوه بالجنازير وربطوا إحدى قدميه إلى عامود الكهرباء والثانية بخلفية سيارة من نوع جيب ومشوا بها حتى أسلم الروح… فسخوه!

حصل كل ذلك والأطفال يشهدون على المجزرة. او قل على الملحمة. اعدموا الأم والأب من دون رحمة، وقتلوا عمهم “فسخاً”… ولم ينفع بكاء الأطفال واستجداؤهم. صرخوا حضنوا بعضهم. لكن قرار المجرمين كان واضحاً: “بدنا نقتل كل الولاد لأنو ما منعرف مين منن ولادو لـ”جريس”. عندها حصل خلاف بين المسلحين بين مؤيد لإعدام الأطفال وتركهم أحياء. وكانت هناك امرأة من الحارة فبدأت ترجوهم أن يتركونا وان يكتفوا بما فعلوه بالرجال والنساء. فبادرها أحدهم بركلة وأخرجها بالقوة من البيت. وما هي الا دقائق حتى سمعنا أحدهم ينادي “كلكن اطلعوا بالجيب”. وتوجهوا بنا إلى كنيسة السيدة حيث كان هناك ما يقارب الـ350 شخصاً بين أطفال ونساء ومسنين. جلسنا على الأرض. كان البرد قارساً. صدى البكاء وصراخ النسوة والفتيات اللواتي كن يقتدن على أيدي المسلحين ومشهد اغتصابهن وتعذيبهن قبل قتلهن إما بالرصاص او ذبحاً لا يزال يحفر في مخيلتي. ويتابع توفيق: كان المسلحون يتناوبون على شتمنا وشتم الصليب وهددوا بقتلنا أكثر من مرة في الكنيسة. وبدأت الصلوات. إلى أن صدر القرار بإحراق الكنيسة بمن فيها. فصبوا على الأشجار المحيطة بها مادة المازوت لكن عناية أمنا العذراء حالت دون اشتعالها. أعجوبة؟ ومن قال أننا لم نعش إلى اليوم إلا بفضل القدرة الإلهية والأعاجيب السماوية؟

لحظات الرعب والشعور بالموت المحتم في كل لحظة التي عاشها توفيق وأشقاؤه حالت دون التفكير بمأساة اليتم والتشرد. كانوا يظنون أنهم سيلتقون بالبابا جريس والماما إلهام بعد لحظات إلى ان سمعوا صوت أحد المسلحين ينادي على كل الداموريين او من تبقى منهم للخروج من الكنيسة والصعود إلى السيارات العسكرية والآليات التي كانت متوقفة في الخارج وفي داخلها مسلحون من “لواء اليرموك”. فكروا أنهم سيأخذونهم إلى المقابر لدفنهم أحياء أو لقتلهم وإحراقهم كما كانوا يكررون على مسامعهم. لكن طريق الجلجلة وصلت بهم إلى مخيم صبرا وهناك كانت رحلة الموت الجديدة. ويروي توفيق: “عندما وصلنا إلى المخيم بدأ الناس يصرخون: لشو جايبينن أحياء؟ أقتلوهم! كانوا يشتمون كل شخص ينزل من السيارات العسكرية ويرشقوننا بالبيض والبندورة المعفنة. 20 يوماً أمضيناها بين الحياة والموت. كل يوم كنا نشهد على إعدامنا. وعندما نجوع كانوا يقدمون لنا الأرز المسوَّس والبندورة المعفنة ونشرب من مياه المجارير.

عندما صدر القرار بإعادة الأطفال والنسوة إلى الدامور قرر توفيق وأخوته النزول عند عائلة زوجة خاله في الناعمة مع 5 أطفال آخرين. لكن جشع الملثم المندس بين المسلحين لم ينته عند حدود قتل والدي توفيق. فقرر الإنتقام من أولاده لإبادة العائلة. “طوق المسلحون الناعمة وبدأوا يجولون بمكبرات الصوت وينادون على الأهالي بتسليم أولاد جريس. وعندما وصلوا إلى البيت حيث كانوا يسكنون تنكرت ربة البيت لتوفيق بهدف حمايته وخبأته مع باقي الأطفال في التنور وغطته بالأعشاب إلى حين خروج المسلحين من البيت. “حسينا حالنا بالمقبرة خصوصاً أنو طلبت منا ربة البيت انو ما نتنفّس ولا نتحرك”. وبعد نحو 3 ساعات فتح باب التنور وخرجوا إلى …النور. ومن هناك توجه أولاد الشهيد جريس مع خالهم إلى الرميلة بحماية وحراسة 4 سيارات عسكرية تابعة لتنظيم “الكفاح المسلح “الفلسطيني. “ربونا أهل الماما”.

يوم السبت الأسود تعرض جريس عيد للخطف على يد مسلحين في ما كان عائداً من مقر عمله في السفارة النمساوية. ويروي توفيق انه بعد يومين على اختطافه وصلتهم أخبار مفادها ان والدهم قتل. وبدأت أم توفيق بالبكاء والعويل. “لا أزال أتذكر صوتها ونحيبها… فجأة سمعنا الباب يدق. فتحت الباب وإذا برجل يقف منهكاً من التعب وقال لنا بصوت منخفض ان والدي موجود في أحد مستشفيات المدينة. توجهنا إلى هناك وكان المشهد الصدمة. كان متورماً بسبب الضرب والتعذيب لكنه كان لا يزال حياً. وكأن القدر أراده ان يستشهد فوق تراب الأرض التي عشقها حتى الشهادة”.

في العام 2001 عاد توفيق إلى الدامور مع زوجته وأولاده الثلاثة: جورج (27 عاماً على إسم والده) ومارون (24 عاماً على إسم عمه) وإلهام (20 عاماً على إسم والدته). عاد ليسكن في أرضه التي دفع اهله وأقاربه حياتهم ثمناً لبقائها. لكنه لم يسكن في البيت الذي شهد فيه على مجزرة والديه. استأجر منزلاً مجاوراً ولا يزال يسكن فيه. أما إخوته فلم تطأ أقدامهم أرض الدامور منذ أربعين عاماً. يرفضون حتى زيارة أخيهم ويكتفون في لقائه إما خارج البلدة او يطمئنون عليه بواسطة الهاتف. “صوت إمي بعدو بدينيي هيي وعم تلفظ أنفاسا الأخيرة. ومشهد جثة بيي وعمي المفسوخ عند المدخل بعدو عم بيحفر.. أنا كمان ما نسيت وما سامحت ابن البلدة الملثم المندس مع المسلحين بس قررت إرجع ع ضيعتي”. نسأل: “هل التقيت بالرجل المندس يوماً؟ ويجيب توفيق: “أبدا بس إذا التقيت في راح انتقم لأنو ما سامحتو”.

 

جورج عون: إلتقيت أمي وإخوتي في جبيل. غمرتن وبكيت

كان أيضاً طفلاً. لكن وجع مأساة التهجير من الدامور حوله إلى عصب ونضال على رغم الإعاقة الناتجة عن إصابته في إحدى معارك حرب الإلغاء واستشهاد والده في الحرب نفسها نتيجة سقوط قذيفة على المنزل في سن الفيل. من الطفولة الضائعة في ثنايا التهجير يبدأ جورج عون روايته.

“كان عمري 8 أعوام عندما بدأت المناوشات في الدامور في كانون الأول 1975  وتحولت لاحقاً الى معارك كرّ وفرّ قبل ان يصدر القرار باحتلال الدامور وإلغاء هويتها كونها تشكل بوابة نحو الجنوب والشوف. أذكر انه كان هناك مدفع هاون 82 في الجلّ المواجه لمنزلنا في حي السيدة وكان يصوب من خلاله شباب المقاومة المسيحية نحو حارة الناعمة حيث يرابض الفلسطينيون والجماعات المسلحة. هذا المشهد لن انساه خصوصاً انني كنت أقف إلى الشرفة واتمنى لو كنت معهم. في إحدى المرات رأيت مجموعات مسلحة تدخل البلدة وتحمل في يدها السواطير. كانت المرة الأولى التي أرى فيها مشهداً مماثلاً وكانت غالبية العناصر ملتحية وتضع أقراطاً في أذنيها. فجأة سمعنا أصواتاً مصدرها منازل آل المتني وآل عيد في حي القناطر كانوا ينادون على كل شخص بإسمه. فجأة وصلوا إلى منزلنا نادوا على أبي لكنه تمكن من الإفلات والهرب منهم. أما نحن فلجأنا إلى كنيسة السيدة التي كانت تبعد عن منزلنا قرابة الـ200 متر، وأصيبت شقيقتي برصاصة  في يدها نتيجة إطلاق عناصر “لواء اليرموك” النار عشوائياً على الداموريين الذين لجأوا إلى الكنيسة، وتم نقلها إلى مستشفى الدامور التي كانت تبعد مسافة نحو 200 متر. هناك كان المشهد الذي شعرت من بعده أنني كبرت 20 عاماً. الجثث المشوهة على الأرض والجرحى بالمئات، من بينهم إمرأة مصابة بضربة ساطور على فكها وكانت لا تزال مكبلة اليدين… هذا المشهد لن أنساه. لكن العناية الإلهية أنقذتها وعلمت لاحقاً أنها سافرت الى الولايات المتحدة وخضعت لعمليات تجميلية عديدة. وعلمنا لاحقاً انهم أعدموا كل افراد آل المتني وآل عيد”.

في كنيسة السيدة كان يجلس كاهن رعيتها الأب منصور لبكي مع الأهالي ويصلون. وفي الخارج كانت أصوات الرصاص وعمليات الإعدام تجري على مرأى النساء والأطفال الموجودين داخل الكنيسة. وبين جولة إعدامات وأخرى كانت تدخل مجموعة جديدة من المسلحين  للتهويل والشتم بالمقدسات وتهديد الأهالي بقتلهم. ويروي عون: “عندما شعرنا أن الموت بات محتماً تلا علينا الأب لبكي صلاة ورتل معنا قبل ان يمنحنا “الحلّة”. فجأة يدخل أحد العناصر ويطلب منا الخروج على دفعات والتوجه نحو قصر كميل شمعون في السعديات. كنا نحو 300 شخص. مشينا نحو 2 كلم سيراً على الأقدام لكن الخوف والرعب كانا يلازماننا خصوصاً ان الجثث المشوهة كانت تملأ الطرقات والمشهد كان فظيعاً مروعاً. مشينا من دون توقف خوفاً من ان يتحول كل شخص متعب إلى مشروع جثة مشوهة او ضحية عملية اغتصاب او خطف. كنت امسك بيد امي التي كانت تحمل اخي الرضيع الذي لم يكن يتجاوز عمره الشهرين وفي اليد الثانية اختي الصغيرة.

عندما وصلنا إلى قصر السعديات فكرنا أن رحلة الحياة الجديدة بدأت وكنا مطمئنين إلى ان والدي تمكن من الهرب. فجأة بدأ المسلحون يختارون عشوائياً الأشخاص ويطلبون منهم الخروج ليتم إعدامهم رمياً بالرصاص في الباحة الخارجية. لن أنسى أصوات استغاثة النساء والأطفال وصوت طلقات الإعدام واتخيلها تخترق أجساد الأبرياء. لكن الأفظع كان مشهد اغتصاب الفتيات وتعذيبهن قبل إعدامهن. وفي هذه اللحظات فهمت لماذا خبأت أمي شقيقتي التي كانت تبلغ الـ13 من عمرها في بطانية كبيرة وحولتها إلى أريكة تجلس عليها خوفاً من ان يراها المسلحون. فجأة رأيت أبي يقفز من شرفة القصر إلى القاعة التي كنا نتجمع فيها وما ان رأه أحد المسلحين حتى اشتبك معه وحاول ان يقتله. لكن أبي بادره بضربة على رأسه بواسطة آلة حادة كانت مرمية على الأرض فسقط مضرجاً بدمائه. ونتيجة البلبلة التي حصلت دخلت مجموعة من المسلحين فهرب والدي من جديد عبر الشرفة ولحق به المسلحون في الأحراج وسمعنا لاحقاً أصوات طلقات نارية وصرخات تكبير واختفى من حينه. فكرنا انه قتل. لكن بعد 3 أعوام عاد وأخبرنا انه كان مخطوفاً لدى مجموعات فلسطينية مسلحة في مخيم صبرا وتمكن من الهرب بمساعدة أحد الأشخاص الذي تعرف إليه في المخيم وهو درزي وكان يعمل في أرضنا”.

لا يخفي جورج عون شعوره بالندم لأنه لم يعط والده الوقت اللازم للجلوس معه والإستماع إليه. كان يفكر انه قادر ان يعوض عليه غيابه عنه عندما يستريح المقاتل من هاجس الجبهات. لكن والده رحل إلى أحضان يسوع بسبب الإصابة البليغة الناتجة عن سقوط قذيفة على المنزل في منطقة سن الفيل خلال حرب الإلغاء عام 1990. رحل قبل ان يخبره فصول عملية خطفه والتعذيب الذي تعرض له وبدت آثاره واضحة على جسده ونفسيته بعد عودته. نادم إلى حد كبير لكن ما عاد ينفع الندم. كل ما يدركه عن والده انه بعد هروبه من قصر كميل شمعون في السعديات عاد إلى بيته واكتشف انه تحول إلى رماد وكانت الجثث تملأ المكان ففضل النوم في المقابر التي انتهكت حرمات الموتى فيها. وهناك تعرض لعملية خطف وللتعذيب طيلة مدة اختطافه بدليل ان زوجته لم تتعرف إليه في المستشفى بسبب تعرضه للضرب المبرح.

من قصر السعديات الى البحر در. يتذكر جورج ويروي: “طلب منا المسلحون ان نسير خطاً واحداً على خط السكة الحديدي وصولا إلى الشاطئ الصخري. كنا نسمع أصوات سقوط القذائف ويشتد كلما اقتربنا من المرفأ. وبدأ التدافع عند الفلوكة التي كانت تؤمن وصول النساء والأطفال إلى الباخرة التي ستقلنا. أذكر ان هناك أشخاصاً سقطوا في البحر بسبب التدافع والخوف من القصف الذي اشتدت وتيرته عند وصول الأهالي. ومنهم من مات غرقاً. حاولت أمي إقناعي بالصعود أولاً الى الفلوكة لكنني رفضت فأصرت وعمدت إلى “دفشي” في حين بقيت هي وإخوتي على الشاطئ. كان همها أن يظمط شخص واحد من العائلة. عندما وصلنا إلى الباخرة أنزلونا إلى أسفلها. لا أزال اذكر مشهد الغبار الأبيض الذي كان يغطي أرضها بحيث غرقت قدمي فيه. فجأة تسقط قذيفة بالقرب من الباخرة وتصيبها بشظاياها مما أدى الى تسرب مياه البحر إليها. كانت لحظات خوف وهلع شديدين. النسوة تولول والأطفال يبكون والشباب يعملون على إفراغ المياه وسد الفجوات.

عندما وصل جورج عون الى مرفأ جبيل ظن انه انتقل الى بلد آخر من دون أمه وأخوته. لكنه سمع الأهالي يتداولون بإسم مدينة جبيل فأيقن انه لا يزال في وطنه وانه سيلتقي من جديد بأفراد عائلته. كان يشعر بالجوع والعطش الشديدين “كان مرق علينا 3 أيام من دون لقمة أكل ولا شرب. بس وصلنا عالمرفأ لفنا الصليب الأحمر بالحرامات وأعطانا كباية حليب. ما بنسى طعمتا يمكن قد ما كنت عطشان وجوعان. اليوم بحاول فتش عن هالطعمة من جديد بس من دون جدوى لأنو القصة نفسية”. بعد إخضاع الواصلين لفحص طبي تم نقلهم إلى إحدى مدارس جبيل وبعد أيام التقى جورج بأمه وإخوته “حسيت إنو الى عمر ما شفتن. غمرتن وبكيت..”

في سن الفيل حي الداموريي سكن جورج مع عائلته وبدأ مشوار المقاومة والنضال. حمل السلاح في عمر الـ 13 وكان يخدم على الجبهات مع الشباب قبل ان ينتسب إلى فرقة الـSKS  ويشارك في معارك تحرير الأرض والدفاع عن الوجود. لكن فرصة الحياة التي كتبت لوالده بعد خطفه في الدامور على أيدي الجماعات المسلحة لم تتكرر. فاستشهد في سن الفيل في العام 1990 بعد سقوط قذيفة على المنزل. كما أصيب جورج إصابة بليغة في العام نفسه في منطقة الجديدة مقابل الشاليه سويس أدت إلى بتر الجزء الأسفل من قدمه و3 أصابع من يده اليسرى بالإضافة إلى تضرر إحدى عينيه مما اضطره للسفر إلى فرنسا والخضوع للعلاج الجسدي والنفسي. وهناك تزوج من سيدة فرنسية وأنجب ثلاثة أولاد نديم (20 عاماً) وسيندي (18 عاماً) وسيبال (15 عاماً). وأكمل دراسته في اختصاص هندسة الإلكترونيك قبل ان يعود إلى لبنان لا بل قل إلى الدامور.

في العام 1996 عاد جورج عون مع أفراد عائلته إلى الدامور. كانوا من أول أفواج العائدين إلى قراهم: “قعدنا عالتراب لأنو بيتنا كان ع الأرض لكن الإحساس الذي عشته لا يتكرر. فهذه الأرض جزء من كياني ووجودي ولي في كل شبر منها تاريخ وذكرى قد تكون مؤلمة لكنني أرفض مغادرتها ولن أقبل بالموت الرخيص بعدما مت وعدت إلى الحياة 3 مرات”.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل