كنا هناك ــ بطرس خضرا: أنا وشقيقي على جبهة واحدة

كتبت كريستين الصليبي في “المسيرة” – العدد 1511

تربّى بطرس خضرا وسط عائلة مسيحية مؤمنة وفي مجتمع علّمه أهمية الحفاظ على كرامة الإنسان وضرورة الدفاع عن الوجود المسيحي في لبنان والشرق. عدم تشجيع أهله لأي حزب وابتعادهم عن السياسة لم يمنع بطرس من الانخراط في صفوف المقاتلين في “القوات اللبنانية” وحمل السلاح. عند اندلاع الحرب عام 1975 كان عمر بطرس 7 سنوات لكن ذلك لم يمنعه من التردّد إلى الثكنة والانضمام إلى الكشّافة والمشاركة في التدريبات اللازمة ليصبح في ما بعد مقاتلاً بكل ما للكلمة من معنى.

يروي بطرس خضرا: “تعرضت المناطق في دير الأحمر ومنها ضيعتي “الصفرا” للكثير من المشاكل والهجمات الفلسطينينة. طبيعة دير الأحمر الجغرافية وضعتها وسط مجتمع منوّع طائفياً، وتعرُّضُنا للهجمات دفع الأهالي الى التدرب على حمل السلاح واستعماله، والى خوض المعارك. لطالما كانت قرى دير الأحمر محاطة بالخنادق ومراكز الحراسة قبل 1975 تاريخ اندلاع الحرب، يومها كنت لا أزال صغيراً لكن المشاهد ما زالت محفورة في ذاكرتي. أذكر أنّه من العام 1973 حتى 1976 كان أهل المنطقة يشترون السلاح بما تيسّر معهم من أموال، وذلك بهدف تحصين المناطق هناك وردّ أي هجوم قد يقع علينا”.

ويضيف: “فكرة الحفاظ على وجود المسيحيين في لبنان والشرق والحفاظ على مناطقنا والدفاع عن أرضنا ترسّخت داخل كلّ واحد منّا حتى وجدت المقاومة اللبنانية فتلاقت الأفكار بيننا وبينها ما دفعنا للإلتحاق بصفوف المقاتلين، فالقضية كانت واحدة والهدف واحداً”.

عندما اندلعت الحرب عام 1975 كان بطرس في السابعة من عمره فقط “لكن مشهد الشباب يحملون السلاح ويذهبون الى المعارك أشعلت فيّ الحماسة. انخرطت بداية في صفوف حزب “الكتائب” فكانوا يسلّمونني مهمّات مثل حراسة الثكنة والتذخير. ما إن بلغت سن الرابعة عشرة وذلك في العام 1982 حتى انخرطت فوراً في صفوف “القوّات اللبنانية”. انتسبت بداية إلى خلية الطلّاب في مدرسة سان ميشال في الفياضية حيث كنت أتعلّم، كما أنني كنت عضواً في الكشّافة، وكنّا نتمرّن حتى أخذونا إلى أوّل معركة كإحتياط”.

عن موقف أهله يقول بطرس: “رفض أهلي رفضاً قاطعاً في البداية انخراطي في صفوف المقاتلين، كانوا يخافون أن أستشهد في المعارك فيخسرونني. لكن مع الوقت استطاعوا تقبّل الموضوع خصوصاً أنّه آنذاك كان على كلّ واحد منّا التضحية في سبيل الدفاع عن الوجود المسيحي”.

كان بطرس تلميذاً عندما “بدأت قيادة “القوات اللبنانية” تأخذ الطلّاب في عطلة كلّ أسبوع للتدرّب على استعمال السلاح؛ خلال الحرب كانوا يؤمنون وصولنا إلى المدارس والجامعات نهاراً ثم يأخذوننا كإحتياط ليلاً”.

تنقلّ بطرس بين العديد من الجبهات: الفياضية، وجبهة دير بلّلا وشناطة، ودير مار يوحنا بساتين العصي، وجرود العاقورة، والأسواق في بيروت، ومرفأ بيروت، وعيون السيمان وكفرذبيان، وبسكنتا وقناة بكيش، والكرنتينا وجبهة المتحف.

يلفت بطرس إلى أنّه “في جبهة دير بلّلا وشناطة كنت صغيراً لم يسمحوا لي بدخول أرض المعركة لذلك عملت في فرقة حرس الثكنة وكانت مهماتي تقتصر على خدمة الرفاق وتحضير الأسلحة لهم”.

عن أوّل معركة شارك فيها واستعمل السلاح يخبر بطرس: “وقعت معركة بين الجيشين اللبناني والسوري، وأذكر أنّ القيادة أمرت بإرسالنا لمساندة الجيش اللبناني الذي كان يتعرّض لقصف هائل. بدأت المعركة في ثكنة عاريا التابعة لجبهة ضهر الوحش، استمرّت تقريباً يوماً كاملاً، وسقط فيها العديد من الجرحى لكن الحمدلله أن أحداً لم يستشهد”.

 

ويتابع بطرس: “عندما حملت السلاح للمرّة الأولى سيطر الخوف عليّ خصوصاً أنّ المقاتل يكون وسط أصوات المدفعية والمصابين الذين يسقطون أمامه والأجهزة التي يُعطى من خلالها الأوامر. كان الأمر صعباً عليّ لكن ما إن أطلقت الرصاصة الأولى حتى زال الخوف كلّه كما أنني بتّ أفكّر بالقضية وبأنّه عليّ الدفاع عن أرضي وأهلي ووجودنا في هذا الوطن، أضف إلى ذلك أنني كنت متمكناً من السلاح وأعرف الكثير عنه. عندما انتقلت إلى صفوف المقاتلين كنت في البداية مع المشاة ثم انتقلت إلى لواء الدفاع بعدها إلى سرايا وحدات الدفاع.

من أكثر المعارك الموجعة التي حفرت في ذاكرة بطرس كانت تلك التي وقعت في بداية حرب الإلغاء في ضبية حيث أصيب بعدّة رصاصات وخسر إبن عمته وعنها يخبر: “دخلت الرصاصات في رجلي ويدي ووجهي. عندما كنا نتفقد بعضنا علمت أن ابن عمتي قد استشهد في المعركة بسبب إصابته برشق من الرصاص أثناء انتقال الشباب من مبنى إلى آخر”.

على رغم إصابته لم يتوقّف بطرس يوماً عن المشاركة في القتال وأبى أن يتخلّى عن رفاق الدرب، فور انتهائه من العلاج انتقل إلى جبهة القليعات.

خلال الحرب ضدّ الجيش السوري طلبت قيادة “القوّات اللبنانية” من الشباب التوجّه إلى منطقة الرهوة في جرود العاقورة، “كنا نتحضّر لمحاولة صدّ أي هجوم كان ممكن أن يشنّه السوريون علينا؛ وصلنا إلى هناك وقطعنا حوالى 5 إلى 7 كيلومتراً من حقول زرعها السوريون بالألغام، كان هناك خطر كبير علينا لأننا دخلنا منطقة عدوّة لكننا استطعنا المرور بسلامة. نصبنا الكمائن لهم هناك وأقمنا مركزاً لنا، لم يستطع الجيش السوري التقدّم ولا مرّة خلال وجودنا في المنطقة. كنا نرصد كلّ تحركاتهم من مكان وجودنا فنرى الدبابات والمروحيات التي كانت تنقل لهم الذخائر والأسلحة”.

أما عن المهمات البحرية، فيقول: “كانت القيادة ترسلنا ليلاً بزوارق صيد صغيرة مع صيادي السمك، فننزل على سنسول مرفأ بيروت ونسهر هناك حتى بزوغ الفجر. كانت مهمتنا مراقبة المنطقة بهدف حماية المجلس الحربي، وعند الفجر كنا نعود مع صيادي السمك”.

عام 1984 قرّر شقيق بطرس، وهو أصغر منه بعامين، أن يحذو حذو شقيقه فانضمّ إلى صفوف المقاتلين؛ “على رغم اعتراض أهلي وخوفهم إلّا أنّه أصرّ على الانضمام إلى المقاومين. كانت القيادة ترسلنا إلى الجبهات نفسها تقريباً، لطالما كنت أطلب من أخي أن يهتمّ بنقل الجرحى والشهداء وأنا كنت أقف على الجبهات وفي مقدّمة المقاتلين باعتباري الأكبر سنّاً وعليّ دائماً حمايته. وفي كلّ معركة كنا نتوجّه إليها أنا وشقيقي كان والدي يأتي من القرية للإطمئنان إلينا وكان يسلك طريقاً طويلاً ويصطحب معه إمرأة أو عجوزاً ليسمحوا له بالمرور على الحواجز السورية بسهولة”.

“عام 1989 وقعت معركة قوية على جبهة المتحف بين الجيشين اللبناني والسوري، أمرتنا القيادة بالتوجّه إلى أرض المعركة لمساندة الجيش وتشكيل خطّ دفاع. أذكر أننا كنا في ثكنة MP فنقلونا بالملّالات إلى مركز التيوس على المتحف. كانت هناك وزارة الدفاع القديمة كما السفارة الفرنسية، بعد وقوع الهجوم على الجيش اللبناني استلمنا كـ”قوّات لبنانية” مبنى السفارة الفرنسية وبدأنا بإطلاق النار على السوريين لردّهم. أما الجيش فاستلم المنطقة الممتدّة من الأمن العام لناحية عين الرمانة والمستشفى العسكري. استطعنا ردّ الهجوم وأعدنا مراكزنا ثم بقينا في مركز التيوس، وكلّ هذا حصل بالتنسيق مع ضباط الجيش اللبناني”.

يضحك بطرس متذكّراً أنّه “خلال تواجدنا في مركز التيوس استيقظنا في إحدى الليالي على صوت صراخ الرفيق إيلي حموي، عندما استفقنا وجدناه يصرخ ويقفز كالمجنون لم نفهم ما الذي حصل معه بداية، لكن ما لبث أن هدأ ليخبرنا أن جرذاً عضّه. أخذناه مسرعين إلى المستشفى لإعطائه العلاج اللازم بعد موجة من الضحك”.

تعرّف بطرس إلى بشير الجميّل عندما كان في قسم أشبال مركز الصفرا في منطقة سنّ الفيل – النبعة. “عندما استُشهِدَ بشير الجميّل خفنا كثيراً وصُدمنا، وهذا تحديداً ما شعرنا به يوم اعتقال الدكتور سمير جعجع، كان الموقف هو نفسه تقريباً. قبل اعتقال الحكيم بشهر كنا نجلس معه في أحد الاجتماعات وقال لنا: “يللي بصير عليي بصير عليكم، نحنا مع الدولة ولازم تفوتو على مراكز الدولة، أنا ما رح إتخلى عن القضية لو شو ما صار”.

بعد اعتقال الحكيم لم تنقطع اتصالات بطرس مع الرفاق ومع النائب ستريدا جعجع ولكن بطريقة سريّة، كما شارك في كلّ النشاطات التي كان الشباب يقيمونها للمطالبة بحريّة الدكتور جعجع.

خلال وجود الحكيم في غدراس عمل بطرس في السنترال كونه كان يحمل شهادة TS في الإلكترونيك، وخلال أيام العطلة يعمل في شركة للإتصالات السلكية واللاسلكية، “كنت أتقاضى في حينه 50000 ل.ل. شهرياً. خبرتي في العمل بالاتصالات ساعدتني على إيجاد وظيفة لي وإكمال مسيرتي المهنية بعد حلّ حزب “القوّات اللبنانية”.

ويختم بطرس حديثه: “في العام 2000 تزوّجت وسافرت لفترة الى خارج البلاد بهدف العمل، لديّ أربعة أولاد وإبني الصغير أندرو لا يسمح لي بالذهاب إلى معراب وحدي فهو يحبّ “القوّات” ويعتبر نفسه عضواً في الحزب على الرغم من صغر سنّه. وحالياً أنا مسؤول عن الانتخابات في مركز الصفرا ولا زلت حتى اليوم أتابع نشاطاتي الحزبية بالإندفاع والالتزام اللذين طبعا مسيرتي منذ البداية”.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل