
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1543
لم يكن 18 كانون الثاني 2016 يوماً استثنائياً في معراب. لم يكن مجرد حدث كبير فقط. كان يوماً تاريخياً سيكتب في ذاكرة التاريخ مثل تواريخ أخرى قليلة لا تمحى لأنها كانت الأساس في تغيير مجرى الأحداث. منذ زار الدكتور سمير جعجع الرابية والتقى العماد ميشال عون لإعلان ورقة النوايا كان هناك سؤال دائم: متى سيزور عون معراب؟ المسألة كانت لا تتعلق فقط بالتوقيت بل بالحدث أيضاً. لم يكن مطلوباً أن تكون الزيارة عادية بل خطوة استراتيجية نحو تغيير كبير لا يقدم عليه إلا الأقوياء في إيمانهم وقضيتهم. وهذا ما فعله سمير جعجع في 18 كانون فقد تجرأ وأقدم حيث لا يجرؤ الآخرون، ولم يتردد في إعلان ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية وفي رسم خارطة جديدة للتوازنات الداخلية. أن يزور العماد عون معراب فتلك مسألة عادية أما أن يرشحه سمير جعجع للرئاسة فتلك مسألة أكبر.
يهوى سمير جعجع القيادة والمغامرة والقرارات الصعبة المصيرية. عندما تحين الساعة لا يتردد. يدرس جيداً. يخطط ويجري الحسابات الدقيقة ويتخذ القرار. هذا ما فعله في محطات كثيرة كان لقراراته فيها القدرة على تغيير مجرى الأحداث وقلبها حيث لا يتوقع الآخرون. هكذا كان منذ انخرط في عملية الدفاع عن لبنان الدولة والكيان. أكثر من مرة انتظر كثيرون ما سيفعله سمير جعجع وأكثر من مرة كان يفاجئهم. هكذا فعل في 15 كانون الثاني 1986 عندما أسقط الإتفاق الثلاثي، وفي أيلول 1988 عندما أفشل مع العماد عون اتفاق مورفي ـ الأسد، وفي العام 1989 عندما وافق على اتفاق الطائف كممر للخروج من الحرب والدخول في مرحلة السلم وإعادة بناء الدولة، وفي العام 1991 عندما اتخذ قرار تسليم السلاح، وفي العام 1994 عندما رفض مغادرة لبنان وفضّل السجن على الخضوع لعهد الوصاية السورية. وهذا ما فعله عندما ذهب في ربيع العام 2006 إلى ساحة الشهداء بعد خروجه من الإعتقال مؤكداً على دور “القوات اللبنانية” الطليعي في ثورة الأرز، وعندما ترشح في نيسان 2014 لرئاسة الجمهورية وأعلن برنامج “الجمهورية القوية”، وهذا ما فعله في 18 كانون الثاني الحالي عندما أعلن تبني ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية من أجل هذه “الجمهورية”.
كان المشهد ذلك النهار الطويل معبّراً وصاعقاً في معراب. لم يشهد المقر ذلك الحشد الكبير كثيراً. كان يشبه إلى حد الحشد الذي أتى ليشهد إعلان الدكتور جعجع ترشيحه للرئاسة.
يوم الأحد في 17 كانون الثاني جاءت الدعوة من الأمانة العامة في “القوات اللبنانية”: “يعقد رئيس الحزب مؤتمراً صحافياً يوم غد في المقر العام ويطلب الحضور عند الساعة الخامسة والنصف وأن يكون اللباس رسمياً”. قلة قليلة كانت تدرك حقيقة ما يحصل ولكن الدعوة كانت كفيلة بالإعلان عن أن شيئاً كبيراً يتم تحضيره ويجب أن يكون الحضور كبيرًا لمواكبة الحدث.
منذ مدة بدأ الدكتور سمير جعجع يمهد لاتخاذ هذا القرار الكبير. في أكثر من مناسبة عامة وخاصة بدأ يلمح إلى إمكانية ترشيحه العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية. لم يكن الأمر مباشراً ولكن كان العنوان “أنه يخبئ مفاجأة كبرى”. ما هي هذه المفاجأة؟ كان المطلوب أن يتم التسريب بشكل متدرج ومدروس. كانت الإتصالات مع العماد ميشال عون تستمر في شكل بارز وواضح ومفتوح على كل الإحتمالات. عندما تم الإعلان عن ترشيح النائب سليمان فرنجية بدأ المسار يأخذ سرعة أكبر وكأنه كان هناك سباق مع الوقت. لم تعد الخيارات الكبيرة تسمح بالإسترخاء. كان هناك تحدٍ يجب أن يقدم عليه. الصورة كانت واضحة: ليس لدى “القوات” موقف عدائي من ترشيح النائب سليمان فرنجية ولكن لا يمكن حشرها في خانة سليمان فرنجية أو الفوضى. ذلك الترشيح نقل اللعبة إلى ملعب آخر. كان هناك اتفاق على أن المطلوب أن يكون هناك رئيس للجمهورية وإذا لم يكن الأمر متاحًا لسليمان فرنجية فيجب أن يكون هناك خيار آخر. كان لا بد من اختراق التعطيل الذي يعتمده “حزب الله” وفريق 8 آذار وإذا كان هذا الإختراق غير ممكن إلا بمرشح من خارج 14 آذار فلماذا لا يكون العماد ميشال عون؟
في لقاءاته الحزبية والإعلامية بدأ الدكتور سمير جعجع يكشف عن أنه في صدد اتخاذ قرار كبير. وكانت الرؤية واضحة لدى “القوات”. إذا كان الخيار بين سليمان فرنجية والعماد ميشال عون فالعماد عون هو الأقرب إلى خياراتنا. لماذا؟ لأنه يتمتع بقاعدة شعبية كبيرة ولأنه يجب أن يتم وضع حد لترشيح من ليس لهم قاعدة أو الذين يكون ترشيحهم لقطع الطريق على الممثلين الحقيقيين للرأي العام المسيحي سيراً على القاعدة التي كان يطبقها النظام السوري خلال عهد الوصاية. بالإضافة إلى ذلك إن النائب سليمان فرنجية لا ينكر أنه من صلب خط 8 آذار بينما العماد عون متحالف مع هذا الخط ويتميّز عنه بمواقف كثيرة ولا يمكنه أن يتنازل في قضايا تعتبر سيادية وأساسية في إدارة الدولة. وأكثر من ذلك بعدما أعلن العماد عون خياره أن تكون المنافسة محصورة بينه وبين الدكتور سمير جعجع كأول ممثلين للشارع المسيحي وبعدما تم التوصل إلى ورقة النوايا بين “القوات” و”التيار” كان بدأ البحث في موضوع الرئاسة من أجل الوصول إلى قواسم مشتركة وتصوّر واحد قبل أن يتم ترشيح فرنجية. هذا الترشيح سرّع في اتخاذ القرار ولم يكن سبباً مباشراً له وبالتالي ليس رد فعل بل محاولة للخروج من هذه الدائرة إلى دائرة الفعل. وأكثر من كل ذلك فهذا الإتفاق يريده المسيحيون والكنيسة. بعد تجربة إعلان ورقة النوايا وتجربة التمسك بمشروعي قانون استعادة الجنسية والإنتخابات النيابية في جلسة تشريع الضرورة كان هناك شعور باستعادة الثقة بالنفس من خلال “التيار” و”القوات” معا وفي موضوع الرئاسة لا خروج عن تحقيق هذه الرغبة. يجب أن تمحى سنوات الخصومة في شكل كامل وأن تطوى نهائياً الصفحات السوداء التي كانت قاسية ومرة وموجعة. على الأقل هذا التوافق يعيد التوازن إلى اللعبة الداخلية وإن كان سيشكل انقلاباً في التوازنات القائمة. كما أن التطبيق الفعلي للطائف الحقيقي يجب أن تكون بدايته من هذه الخطوة لأن الحضور المسيحي في الدولة هو المدخل لقيام هذه الدولة ولتحصين السلم الداخلي ووضع حد للتهديد بالدم وهز الإستقرار الأمني. كان واضحاً أن ما ستقدم عليه “القوات” خيار استراتيجي كبير وكان المطلوب أن يتم التحضير جيداً له على عدة مستويات: داخل “القوات اللبنانية” ومع الأطراف الدولية المؤثرة في قرار الإنتخابات ومع العماد ميشال عون من أجل الوصول إلى تصورات مشتركة لطريقة إدارة الدولة وللمشاركة في الحكم ليس مع “القوات” فقط بل مع الأطراف الأخرى وخصوصاً في ما يتعلق برئاسة الحكومة مع الإشارة إلى أن الرئاسة اليوم هي رئاسة ما بعد الطائف وأن أدوات الحكم تبدأ من قانون الإنتخابات النيابية الذي ينتج الأكثرية في مجلس النواب ويحدد التوازنات داخل الحكومة وتسمية من يكون رئيساً لها وذلك على قاعدة تأمين التمثيل الحقيقي للجميع وخصوصًا للمسيحيين.
عندما تمت الدعوة إلى المؤتمر الصحافي كان واضحاً أن القرار الكبير قد اتخذ ولكن على رغم ذلك بقي هناك من يشكك ويعتبر أن سمير جعجع لن يقدم على هذه الخطوة. منذ بداية ذلك اليوم انجلت الصورة تلقائياً. كانت بكركي محطة الوصول إلى معراب. كثيرون كانوا يطالبون بأن يتفق المسيحيون أولاً. وها هي الساعة قد حانت وكانت بكركي مبتهجة لهذا القرار الذي تخطى المبادرة الجدية بترشيح فرنجية كما كان يسميها البطريرك الراعي.
كان التدفق إلى معراب غير عادي ابتداء من الساعة الثالثة بعد الظهر. انتقل الحدث فجأة إلى هناك. كل وسائل الإعلام اتجهت نحو تأمين النقل المباشر بينما انتظر كثيرون بداية النقل المباشر. متى سيصل العماد عون ومن أي طريق وكيف سيدخل القاعة؟ وهل سيصفق له القواتيون الحاضرون بكثافة؟ هل سيبدأ الدكتور جعجع المؤتمر الصحافي ثم يأتي العماد عون أم أنهما سيدخلان معا؟ لماذا أتى النائب ابراهيم كنعان والوزير جبران باسيل باكراً؟ وهل يعني ذلك أن عون لن يحضر؟
وسط دهشة الجميع الذين انتظروا هذه اللحظة دخل سمير جعجع والعماد عون معاً إلى القاعة التي غصت بالحضور ولم تتسع للجميع الذين أتوا ليشهدوا على هذا الحدث. في كلمته وصف سمير جعجع هذه الخطوة بأنها تأتي في سياق الخطوات التي لا يقدم عليها إلا الأقوياء وحيث لا يجرؤ الآخرون. قبل ذلك كان هناك من يصف ما سيحصل بأنه عملية كوماندوس ستؤدي إلى تغيير استراتيجي وتقلب التوازنات.
هذا الإنقلاب في المشهد كان حاضراً جداً في نشرات أخبار ليل 18 كانون الثاني وفي عناوين صحف اليوم التالي والتعليقات التي رسخت هذه الصورة. ثمة من ذهب إلى اعتبار ما حصل بأنه انقلاب مسيحي. وهناك من اعتبره إعلانا لزعامة سمير جعجع. وثمة من استحضر واقعتي إسقاط الإتفاق الثلاثي واتفاق مورفي ـ الأسد. وثمة من اعتبر أن جعجع انقلب على 14 آذار وأن عون سلمه القيادة. ولكن كان هناك اتفاق على أن ما حصل في معراب عرس كامل وأن جعجع تجرأ وفعلها.
لقد فعلها جعجع حقاً. ثمة من بدأ يحسب ما سيربحه رئيس “القوات” لا ما سيربحه العماد عون. ولكن ثمة صورة بدأت تترسخ: عون وجعجع معاً. وما حصل ليس إلا خطوة كبيرة في مسار طويل لن تكون نهايته في قصر بعبدا وهو سيبقى الحدث حتى إشعار آخر.
لقد فعلها سمير جعجع فماذا سيفعل الآخرون؟