Site icon Lebanese Forces Official Website

حرب الورقتين (الياس الزغبي)

 باختصار، استطاعت معراب أن توقف “حرب الثلاثين” سنة بين الزعيمين، وتُطلق حرباً بين ورقتين تفصلهما عشر سنوات، من 6 شباط 2006 إلى 18 كانون الثاني 2016.

قيل الكثير وكُتب أكثر عن خلفيّات الإعلان الاحتفالي لترشيح سمير جعجع لميشال عون ونتائجه. عن المصالحة التاريخيّة ووحدة المسيحيّين والخيار الرئاسي والانقلاب والضربة الذكيّة والقرار الشجاع “حيث لا يجرؤ الآخرون”، والربح الصافي لمعراب.. وكلّها توصيفات صحيحة أعادت حسابات جميع الأطراف، وأربكت الحلفاء قبل الخصوم على حدَّي الاصطفاف.

وحدثت مقاربات ومقارنات مع نصوص واتفاقات وتفاهمات ووثائق أُخرى، ومن بينها اتفاق الطائف والدستور و”إعلان بعبدا” وأدبيّات “ثورة الأرز” والخطاب السياسي المركزي ل “14 آذار”.

لكنّ أحداً لم يُجرِ مقاربة أو مقارنة جديّة بين وثيقة “البنود العشرة” التي رشّح جعجع على أساسها عون، وبين الوثيقة الشهيرة المعروفة ب”ورقة التفاهم” بين عون و”حزب الله”.

هذه الورقة التي تطوي بعد أيّام سنتها العاشرة، كانت أساساً لكلّ الانقلابات السياسيّة والأمنيّة التي حصلت  (من انقلاب الدواليب والاعتصام في قلب بيروت، إلى غزوة 7 أيّار وإسقاط حكومة الحريري وانقلاب “القمصان السود”)، وشكّلت غطاء لكلّ الحروب من تمّوز 2006 إلى الانخراط في الحرب السوريّة ابتداء من 2012.

لذلك، ليس تفصيلاً، أو ترفاً فكريّاً وسياسيّاً، إجراء مقارنة عامّة ( ولو في عجالة مقال) بينها وبين “البنود العشرة”، لمعرفة حقيقة تناقضهما، بل تصادمهما، ومحاولة استشراف مصيرهما معاً.

وللمفارقة، فإنّهما في الشكل، يتألّفان من عشر نقاط. والفارق الشكلي يكمن في أنّ “بنود معراب” قدّم لها جعجع بتمهيد وحيثيّات، بينما خلت “ورقة مار مخايل” من أيّ مقدّمة أو ديباجة خلافاً لكلّ الوثائق السياسيّة، لا لشيء إلاّ لتفادي ذكر المواثيق التأسيسيّة التي تستند إليها الوثائق المماثلة، كشرعة الأمم المتحدة وحقوق الانسان والدستور و”وثيقة الوفاق الوطني”.

أمّا في المضمون، فيمكن اختصار التناقض بين النصَّيْن بنقطتين مركزيّتَيْن:

– الأولى، إثبات كلّ النصوص الأساسيّة التي يعتمدها لبنان كدولة في “بنود معراب” وتغييبها بالكامل عن نصّ “ورقة التفاهم”، وأهمّها قرارات الأُمم المتّحدة الخاصّة بلبنان ” بما فيها قرار إنشاء المحكمة الدوليّة 1757، والقرارات 1559 و1680 و1701.. وثيقة جعجع ذكرت كلّ قرارات مجلس الأمن بدون تفضيل أو تمييز أو استثناء، بينما أغفل “التفاهم” كليّاً الشرعيّة الدوليّة وتجاهل وجود الأمم المتحدة ذاتها.

كما أنّ “التفاهم” غيّب كليّاً وعمداً ذكر الدستور اللبناني واتفاق الطائف والشرعيّة العربيّة و”السياسة الخارجيّة المستقلّة” التي ركّزت عليها “بنود معراب”. وليس خافياً أنّ “حزب الله” ضدّ أيّ سياسة خارجيّة مستقلّة للبنان أو ما يُعرف ب”النأي بالنفس”، وضدّ قرارات مجلس الأمن والشرعيّة العربيّة والطائف، وقد فرض تغييبها عن “ورقة 6 شباط”. كما فرض عبارة غريبة بل هجينة على أدبيّات عون وتيّاره هي وصف الاحتلال السوري للبنان على مدى 30 سنة بأنّه مجرّد “تجربة شابتها ثغرات”!

–  الثانية، وهي الأعمق والأخطر، تكمن في التناقض بين مجمل بنود معراب والبند 10 من بنود “التفاهم”. وثيقة معراب تحدّثت عن ضبط الحدود في الاتجاهين (بما يعني كلّ التحرّك المسلّح من وإلى سوريّا)، ونشر الجيش اللبناني والقوى الأمنيّة الشرعيّة وحدها على كلّ الأراضي اللبنانيّة ومرجعيّة الدولة (وهنا تضمين عن رفض بقاء السلاح غير الشرعي)، بينما نصّ “التفاهم” على أنّ سلاح “حزب الله” ( ذكر “حزب الله” بالتحديد وليس سلاح المقاومة) هو وسيلة “مقدّسة”، وربط  الاستغناء عنه بتوافر “الظروف الموضوعيّة” وزوال الخطر الإسرائيلي، فأطلقه إلى زمن مفتوح وغامض. والدليل أنّ مسألة مزارع شبعا والخطر الإسرائيلي لم يعودا وحدهما حجّة السلاح، بل أيضاً الحرب ضدّ التكفيريّين، والدفاع عن مشروع إيران وشيعتها في العالم، ووظيفة السلاح “حيث يجب أن يكون”!

والمفارقة اللافتة، أنّه في حين تتحدّث “بنود معراب” عن الجيش اللبناني والقوى الأمنيّة الشرعيّة، تعمّد بند السلاح في “التفاهم” تغييب كل إشارة للجيش وهذه القوى في حماية لبنان. وبالطبع، لم يكن سقوط ذكر الجيش سهواً، أو خطأ مطبعيّاً. إذ، ليس من الطبيعي أن يخلو بند الدفاع عن لبنان من أيّ ذكر للجيش!

وفي تقدير أوّلي، لم يكن إلغاء “حزب الله” اجتماع كتلته النيابيّة نتيجة ارتباكه في تحديد موقفه من ترشيح جعجع عون، فقط، بل دليل ارتباك أعمق ناتج عن قراءته التناقض الكبير بين ما وقّع عليه عون في معراب وما وقّع عليه في مار مخايل قبل 10 سنوات.

إذاً، لا يقتصر حرج “حزب الله” الآن على إعلان موقفه من ترشيح “حليفه” في معراب، بل يتجاوزه إلى القلق من مصير الحلف في حدّ ذاته. ولا شكّ في أنّ صراعاً بدأ بين الحلفين القديم والجديد.

فهل يستطيع عون الخروج منه وكيف؟ هل يذهب إلى القول إنّ نصّ معراب عام وغير ملزِم ولا يتناقض مع “ورقة التفاهم”، كما بدأ يتشاطر ناطقون باسمه؟ أي، محاولة هروب إلى الأمام والرقص على حبلَيْن. وهل يقبل “حزب الله” هذا الرقص؟

كيف يستطيع “حليفا مار مخايل” تفادي التناقض المستجدّ، ومواجهة “حرب الورقتين” قبل أن تتحوّل إلى حرب إلغاء؟ وهل يكفي الصمت؟ تلك هي المسألة.

Exit mobile version