خارج التبريرات أو الأسباب، أو حتى الدوافع، المسيحية، والوطنية، والسياسية، ذات الصلة بحسابات “القوات اللبنانية”، بقي السؤال الذي يشغل “حزب الله”، ويشغل تيار “المستقبل”، وأطرافاً لا يُستهان بها في 8 و14 آذار يوغل في إلحاحيته، لماذا أقدم سمير جعجع رئيس حزب “القوات” على إعلان تبنّي ترشيح النائب ميشال عون للرئاسة الأولى؟
لا حاجة للجوء إلى أجهزة كشف نيّات والخبايا، ولا حاجة لإستعادة ظهور “الملهمين والملهمات” على الشاشات للتذكير “بالنبوءة العبقرية”، أو “التوقّع السحري” لخطوة جعجع قبل حصولها، بوقت، يزيد أو ينقص عن أسبوعين أو ثلاثة، وشهر أو شهرين، فالسياسة محكومة بالوقائع، والوقائع محكومة بما يحصل على الأرض، والسياسة، ليست فن الممكن وحسب، بل هي محكومة “بالغايات تبرّر الوسائل”. ولا أحسب ما قاله ميكافللي على هذا الصعيد بالسلوك اللاأخلاقي، أو “الشرير”، فالرجل لم يكن يسعى لأيّ أداء شرير أو غير أخلاقي، بل دوّن ما لمسه من مراجعة تاريخ الأمم والشعوب والملوك والأمراء والقادة..
أحسن جعجع إستخدام الوسيلة، ولا حاجة لإعادة التذكير “بمشهدية” إعلان تبنّي الترشيح، ولا احتفالية إظهار الرجل بأنه الأشد حرصاً على الوحدة المسيحية، وعلى بقاء الجمهورية، وعلى إحياء الطائف، والتحالفات الإقليمية والدولية والعربية المرتبطة به، فضلاً عن إعلان “العداء المطلق” لإسرائيل كعدو.
فما هي الغايات بالضبط، وما هي الأهداف؟
في الماضي كانوا يقولون: إن سوء الظن من حُسن الفطن. وعليه، فالنظر في الغايات، يُبنى على تاريخ الرجل، وأدائه، والإقرار بعدم سذاجته، وطموحه لإدارة ملفات ذات صلة بأهدافه البعيدة والقريبة، وغالباً ما تُوصف بالأهداف الإستراتيجية، التي يتعيّن أن يكون التكتيك في خدمتها، وليس بالعكس.. فالرجل ذو تاريخ عسكري، مشهود، وذو صلابة، يعرفها سجّانوه في وزارة الدفاع على مدى 11 عاماً، تحت الأرض، والرجل قرأ، وقارب، معارف فلسفية، ومنطقية، وتجارب سياسية، هو الآن في مرحلة النضوج، على مشارف ما بعد سن التقاعد لو كان الرجل موظفاً في إدارة من إدارات الدولة..
ولا غرو، في القول بأن جعجع أحسن التكتيك، هو ترشّح للرئاسة القويّة، في الجمهورية القويّة (الشعار المرفوع في معراب)، وهو في الوقت نفسه، حصل في أول جلسة إنتخابية، حُدّدت لانتخاب الرئيس على 48 صوتاً، بما في ذلك أصوات “تيار المستقبل”.. وراقب، ورصد وتابع، فأيقن أن لا جدوى من ترشيحه، وأن “بازار التفاهم” مع التيار الوطني الحرّ، الذي أنهكت شعاراته تجارب الحكومات المتعاقبة، (وعبّر عنها الرئيس فؤاد السنيورة تعبيراً موفقاً في تصريحاته الأخيرة)، لا بأس من الدخول فيه، في الوقت الرئاسي الضائع: وحصل إعلان النيّات بين الطرفين.. في هذا النوع من التكتيك، بقي جعجع، يسجّل نقاطاً على خصمه التاريخي (عون وتيّاره).
ماذا عن الأهداف والنيّات، والتكتيك حول تحقيق هذه الأهداف؟
في حلقات ضيّقة تُناقش خطوة جعجع، ليس من زاوية رغبته بإنهاء الشغور الرئاسي، أو إيصال خصمه عون إلى تحقيق حلمه الدائم منذ العام 1988، بالوصول إلى بعبدا، “قصر الشعب” وحلم الأمير الجديد باستعادة الهوية والسيادة، لشعب لبنان العظيم.. بل من زاوية إعادة رسم وقائع السياسة في لبنان بالتماهي مع وقائع السياسة سريعة التغيّر في الشرق الأوسط، تتقدَّم قضية حزب الله على ما عداها..
يقول هؤلاء في الحلقات الضيّقة، أن ترشيح عون من قبل جعجع، يستهدف، في رأس ما يستهدف فك تحالفه مع حزب الله. إن حزب الله هو الهدف البعيد من وراء هذا الترشيح..
ويستدل هؤلاء على دعم أطروحتهم هذه بالوقائع التالية:
1ـ في المنطقة استعدادات قويّة لإعادة ترتيبات المعادلات والتوازنات بين الدول والجماعات المتحاربة من اليمن إلى سوريا. وحزب الله في قائمة هذه الترتيبات، ليس بانسحابه من سوريا، وإضعاف قوّته التنظيمية والسياسية والشعبية والعسكرية والقتالية وحسب، بل بإخراجه تدريجياً من اعتباره اللاعب الأقوى في الحياة السياسية اللبنانية، تارة بسبب تحالفاته مع المسيحيين، وتارة بسبب سلاحه، والتفاف الطائفة الشيعية وشرائح أخرى سنّية ودرزية معه..
2ـ دلّت الإجراءات العقوبية المالية الأميركية، التي تحرّكت جمعية المصارف ورئاسة المجلس النيابي لعدم وضعها موضع التنفيذ، أن المستهدف من ورائها حزب الله، الأمر الذي ظهر، عبر اعتبار تحويل رواتب نوابه الى المصارف خطوة تُعاقب عليها الخزانة الأميركية، فضلاً عن ملاحقة مصرفيين ورجال أعمال شيعة، قيل أنهم يدورون في فلك الحزب وإدارة أمواله.
ولا يكفي أن تُعلن قيادة حزب الله أن لا أموال لديها في المصارف، وأن لا مصالح لها، حتى تضع الإدارة الأميركية اليد عليها.
وتعرف إدارة باراك أوباما أن الإجراءات العقابية المالية ضد الحزب، لا تعدو كونها حملة تهويش دعائي، تُرعب لبنان ومصارفه، وتُرعب القوى السياسية المحتضنة لحزب الله..
3ـ شكّلت حملة إسرائيل المتجدِّدة ضد ما تصفه “بصواريخ حزب الله” مناسبة جديدة لرئيس الدبلوماسية الأميركية جون كيري، الذي لم يرَ مناصاً، وهو يناقش مع وزير خارجية المملكة العربية السعودية عادل الجبير موضوع تمثيل المعارضة في مؤتمر جنيف-3، من أن يتطرّق إلى صواريخ “حزب الله”، محذّراً منها، ومعتبراً أنها تشكّل خطراً على الإستقرار في المنطقة..
4ـ في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عُقد في القاهرة، وأعلن التضامن مع السعودية ضد إيران، مستنكراً إحراق السفارة في طهران والقنصلية في مشهد، تبنّى الوزراء اقتراح وزير الخارجية البحريني من اعتبار “حزب الله” تنظيماً إرهابياً.. وهذا يدلّ على حجم الضغوطات الجارية لاعتبار أن المشكلة في لبنان، قبل انتخابات الرئاسة هي “الدور الخطير” الذي يقوم به الحزب في لبنان وسوريا وسائر دول المنطقة..
في هذه البيئة الضاغطة لبنانياً، ومالياً وإقليمياً ودولياً، وبعد أن اعتبر الحزب أن تحالفه مع عون، ثم ترشيحه إيّاه باعتباره صاحب “الحيثية المسيحية” الأكبر مسألة نهائية، مريحة، في الاتصالات والمفاوضات، والمشاركة في الجلسات أو انعدامها، جاء ترشيح جعجع لعون، ليضع الحزب أمام ما يعتبره جعجع ساعة الحقيقة. فانتخاب عون رئيساً أصبح في مرمى الحزب، فإذا كان جادّاً ضغط على النائب سليمان فرنجية للإنسحاب، وإذا كان جادّاً ضغط على الرئيس نبيه برّي لقبول عون رئيساً.. إلى آخر ما قاله جعجع في إطلالتيه التلفزيونيتين مع محطتي (L.B.C.I) والعربية..
في البلد كلمة سرّ واحدة: حزب الله المسؤول الأول والأخير عن وصول عون إلى الرئاسة، فإذا هذا لم يحصل يكون الحزب لا يريد الرئاسة، ولا الجمهورية، ولا عون، فيصبح التساؤل بالتالي مشروعاً: ما جدوى التفاهم؟
وهنا لا يُخفي جعجع أن نتائج خطيرة ستترتّب، وأن الحزب سينجر “حتماً” (إنتبه لكلمة حتماً) حليفه المسيحي، القوي ميشال عون..
يقول جعجع إن سلاح حزب الله كان في كل كلمة من النقاط العشر التي على أساسها رشّح عون من معراب قبل أسبوع بالتمام والكمال.
حتى اللحظة، لا شيء يدلّ على اهتزاز علاقة الحزب بعون.. وحتى اللحظة ثمّة نقاش في أوساط الحزب حول الخيار الأقل ضرراً، في مرحلة حافلة بالعواصف من كل حدب وصوب؟!