#adsense

هذا هو مرشح المسيحيين القوي

حجم الخط

لم يسبق لأي زعيمٍ مسيحي ان اتخذّ خطوةً مماثلة لخطوة الدكتور سمير جعجع.

في العام 1970 قضت الحسابات السياسية والمناطقية والشخصية لأركان “الحلف الثلاثي” الاّ يتنازل واحدهم للآخر، بالرغم من تحالفهم السياسي والانتخابي، فرست التسوية النهائية بينهم على تبنّي المرشحٍ “المغمور” سليمان فرنجية.

بعد 46 سنة من هذه الحادثة، لا يذكر التاريخ سوى ان اركان الحلف الثلاثي حققوا فوزاً مسيحياً مدوياً في انتخابات 1968 وجيّروا قوتهم الثلاثية لفرنجية، صانعين منه رئيساً مسيحياً قوياً.

وفي 7 تموز 1980 لم يكن الرئيس كميل شمعون ليوكل زمام القيادة لبشير مُعبّداً له طريق الرئاسة، لولا خسارة الأحرار في “الصفرا” وانقلاب موازين القوى جذرياً لمصلحة “الكتائب”. بعد 36 سنة من هذا الحدث، لا يتذكّر التاريخ سوى ان كميل شمعون كان كبيراً ونبيلاً وشهماً، وأحد صانعي رئاسة بشير.

لم يغرف الحكيم من تاريخ العلاقات المسيحية-المسيحية كيفما كان، ولم يتشبّه بالعظماء الذين سبقوه “على علاّتهم”، وإنما كان يتمّعن بالتجارب الماضية لتصحيح شوائبها والتشبّه بأفضلها، تماماً كمن يفصل القمح عن الزؤان.

في سبيل الوصول الى رئيسٍ قوي اليوم، اختار الحكيم اقصر الطرق واقلّها انانيةً واكثرها نكراناً للذات، متخطياً بأشواط وطنية ومسيحية اركان الحلف الثلاثي ورجالاتها الكبار، فلم يتردد بالتنازل لغريمٍ سياسي، لا يربطه به “حلفٌ ثلاثي” ما، ولم يتخذّ خطوته تحت وطأة الخسارة وإنقلاب موازين القوى، وإنما في اوج قوته وحضوره المسيحي والوطني والعربي والدولي.

لقد اختصر الحكيم بخطوته تلك، كل الجوانب الإيجابية للعلاقات المسيحية-المسيحية منذ العام 1968 و1970 مروراً بـ 7 تموز 1980 وحتى اليوم. وهو اسس لمدرسةٍ في الأخلاق السياسية داخل القوات اللبنانية، وارسى معايير قيمّية للعلاقات المسيحية-المسيحية، يصعب خرقها من جهة، ويَصعُبُ، إلاّ لمن كان بهامةٍ كهذه، الإلتزام بها من بعده. هكذا يُشرّع التاريخ ابوابه امام عظمائه.فما من مجدٍ اعظم بعد.

امّا بعد، فإن ما قبل 18 كانون الثاني 2016 ليس كما بعده…

بعد “اتفاق معراب” لم يعد بالإمكان الحديث عن مرشحين مسيحيين اقوياء، بصيغة الجمع، بل عن مرشحٍ مسيحي قوي واحد، بصيغة المُفرد، هو العماد ميشال عون.

اتفاق المسيحيين في معراب الذي قضى بسحب ترشيح رئيس القوات لمصلحة الجنرال، اسقط مقولة “المرشحين الأربعة الأقوياء”، وحصر هذه الصفة، رئاسياً، بالعماد عون فقط.

لقد اثبتت الإحصاءات الكثيرة التي اُجريت، قبل توقيع ورقة “اعلان النوايا” وبعدها، ان 90% من المسيحيين يؤيدون التفاهم بين التيار الوطني الحر و”القوات اللبنانية”، وهذا ما ينسحب، بطبيعة الحال، على تفاهم الثنائي القواتي- العوني حول ترشيح العماد عون للرئاسة.

من حق اي مرشحٍ إذاً ان يخوض غمار المعركة الرئاسية بمواجهة إرادة 90% من المسيحيين، لكن ليس من حقّه بعد اليوم اعتبار نفسه مرشحاً مسيحياً قوياً. ومن حق اي طرفٍ ان يحاول إيصال اي مرشحٍ لا يُعبّر عن إرادة المسيحيين، ولكن ليس من حقّه اللوم والشكوى في ما ستتركه خطوته من تداعيات على مستقبل لبنان والعلاقات بين طوائفه المتعددة.

اتفاق “الثنائي المسيحي” يعني بأن استمرار فرنجية في ترشحّه لا يحظى بتأييد إلاّ قلّة قليلة من المسيحيين، شأنه شأن عبد الرحيم مراد “سنيّاً” في رئاسة مجلس الوزراء، وغازي يوسف “شيعياً” في رئاسة مجلس النواب.

“مؤتمر معراب” اضفى على ترشيح عون ميثاقيةً مسيحيةً كاملة، يكفي ان يحصل هذا الترشيح على دعم واحدةٍ من الطائفتين الإسلاميتين السنية او الشيعية، حتى يحظى بميثاقيةٍ إسلامية، ولو جزئية، ويُصبح عندها انتخاب عون امراً واقعاً لا مفّر منه.

يكفي إذاً، ان يُقرن زعماء الشيعة وعودهم للجنرال بالفعل، حتى يبيت ليلته الأولى في قصر بعبدا قبل ان يطلع فجر عيد القديس مارون في التاسع من شباط.

ليس تخطّي إرادة المسيحيين بالأمر الذي يمكن ان يمّر مرور الكرام في نظامٍ توافقي قائمٍ على الفيتوات الطائفية المتبادلة، كالنظام اللبناني. فيتو اليوم لك، وغداً عليك، وبعده على شكل الدولة ربما…

في زمن سقوط الأقنعة واللغة الباطنية التي ميّزت علاقات الدول والشعوب في الشرق الأوسط، وفي زمن افول الحروب بالوكالة وإعلانها بالأصالة، تسقط “الزعامات” الوكيلة وتحّل مكانها الزعامات الأصيلة.

اهميّة “مؤتمر معراب” انه سحب الوكالة من “زعماء التفليسة” في البيئة المسيحية، وأعاد القيادة المسيحية الى بيت الطاعة.

بعد تفريغ الساحة اللبنانية من زعاماتها المسيحية اعتباراً من العام 1990 وحتى الـ 2005، في ظل الاحتلال السوري، وجدت الطائفتين السنية والشيعية ان الساحة المسيحية الفارغة تُشكّل مدىً حيوياً هاماً لها لتحسين شروطها الداخلية والإقليمية، فنفذّت كلٌ منها انتشاراً داخل هذا المدى الحيوي الذي اخفق المسيحيون في استعادته منذ العام 2005، بفعل التحالف الرباعي من جهة، وضعفهم السياسي والتنظيمي من جهةٍ ثانية، وانقسامهم من جهةٍ ثالثة.

اهمية “لقاء معراب”، في ظل استنزاف “حزب الله” من جهة و”تيار المستقبل” من جهةٍ ثانية، انه يُعيد تصحيح ميزان القوى الداخلي، ويُرسّم الحدود مسيحياً، ويدفع الأطراف الأخرى الى الانسحاب من المدى الحيوي المسيحي، وتنفيذ إعادة انتشارٍ ضمن رقعة الشطرنج المخصصة لكل منها بحسب الطائف.

صحيحٌ ان مبادئ “الحرية والسيادة والاستقلال” تُشكّل اوليةً مُطلقة لـ”القوات”، إلاّ ان الشراكة الفعلية لا الإسمية، لا تقّل عن هذه المبادئ اهميةً واولوية. حماية الوجود المسيحي لا تتأمّن من خلال دولةٍ سيدّة وقوية فحسب، وإنما من خلال مشاركة المسيحيين الفاعلة والمتساوية في بناء هذه الدولة.

وإذا كان البُعد السياسي والوطني المُوزّع بين اصطفافي 8 و14 آذار لم يفلح، بعد عشر سنوات من التحرير، في استعادة الشراكة الفعلية، فلا بأس عندها من إعادة تكرار المحاولة، وإنما من خلال البُعد المسيحي الطائفي.

وإذا كانت الديمقراطية التوافقية المُرتبطة اساساً بالبُعد الطائفي التعددي للمجتمعات، قد استُخدمت كـ”ورقة تين” تلطّى خلفها اصطفافاً 8 و14 آذار، المُفترض انهما عابران للطوائف، للتخلّف عن تطبيق الديمقراطية الأكثرية، واقتسام المغانم واحتلال المواقع السياسية والإدارية والعسكرية، فلا بأس ايضاً من نزع “ورقة التين” هذه، والعودة الى جوهر الديمقراطية التوافقية حتى تُمارَس وفق اسسها وقواعدها الأساسية، القائمة على حقوق الطوائف ومصالحها الحيوية.

منذ العام 2005 وحتى 2015 لم تأخذ الديموقراطية التوافقية بعين الإعتبار، لا البُعد الوطني لـ8 و14 آذار، ولا البُعد المسيحي المُشتّت بين هذه وتلك. جُل ما اخذت به كان مصالح الطائفة السنّية من جهة، والطائفة الشيعية من الجهة الثانية.

اهميّة “مؤتمر معراب” انه اعاد للديموقراطية التوافقية معناها الحقيقي ووضعها فوق الطاولة، لا تحتها، حتى تُمارَس بالتساوي في إطارها الصحيح، وفي كل الاتجاهات.

ليس صحيحاً ان السبب الحقيقي الذي حدا ببعضهم لأن “يجنّ جنونه”، عائدٌ الى ترشيح الدكتور جعجع للعماد عون، وإنما لأن هذه الخطوة اسقطت الأقنعة وعرّت بعض المتاجرين بالميثاقية، ولأنها في صدد إعادة كل طرفٍ الى حجمه الحقيقي، لا المُنتفخ.

المتضررون من هذه المصالحة، عليهم ان يُفكّروا ملياً في مرحلة ما بعد إسقاط حظوظ عون وضرب إرادة المسيحيين بعرض الحائط: اكتساح الثنائي المسيحي معظم المقاعد المسيحية، حتى وفق قانون الستين؛ ثم تعطيلٌ بديهي ومشروع للجلسات التشريعية والحكومية؛ وصولاً الى انهيار المؤسسات القائمة… ثم اعادة بنائها وفق اُسسٍ تشاركية سليمة.

المسألة ليست إذاً عملية تعدادٍ للأصوات، او مفاضلة بين مرشحٍ وآخر، إنها اليوم قضيةٌ ميثاقية يتوقف عليها مستقبل شكل الدولة اللبنانية الموحّد.

موافقة العماد عون على ورقة البنود العشر في معراب هو بمثابة تكريسٍ لتوافقيةٍ سياسية يُطالب بها المسلمون منذ الـ43، ولكن إذا اخفقت توافقية العماد عون في الوصول الى بعبدا، فذلك يعني ان المطلوب ليس “رأس عون” من الناحية السياسية، وإنما رأس “المسيحي القوي” سواء كان طرفاً او توافقياً.

وإذا اخفقت توافقية العماد عون، فذلك يعني ان “التوافقية” الوحيدة التي يريدها الشريك المسلم هي “التوافقية الاحتكارية”، اي تلك التي يحتكر فيها الطرف السنّي “نصف الرئيس”، والطرف الشيعي النصف الآخر، لا ان تكون توافقيةً مستقلّةً قائمةٌ بذاتها ولذاتها، تُرسّم حدود مداها الحيوي بين الطرفين، ولا تجعل منه ارضاً سائبة يقطع فيها كل طرفٍ منهما نصف المسافة حتى يُصبح وجهاً لوجه مع الطرف الآخر.

التوافقية المستقلّة التي يسعى الدكتور جعجع الى تحقيقها عبر هذه الخطوة، هي في إرساء توازنٍ واستقرار فعليين داخل السلطة يتجلّى عبر تأمين ممرٍّ آمن لسعد الحريري الى رئاسة الحكومة كممثل للسنّة و”14 آذار”، ولنبيه برّي الى رئاسة مجلس النواب، كممثل للشيعة و”8 آذار”.

في تسعينات القرن العشرين استعاد المسيحيون بالعرف ما فقدوه من صلاحياتٍ في دستور الطائف، وتحوّل الرئيس من رئيسٍ حَكَم في نظامٍ برلماني، الى رئيسٍ شريك في نظامٍ توافقي، وهذا ما عُرف حينها بالترويكا. ولكن الإشكالية الأساسية التي رافقت ظهور الترويكا حينها تمثّلت في ان الرئيس لم يكن يُعبّر عن مصالح المسيحيين وتطلّعاتهم داخل النظام، وإنما عن تطلعات الإحتلال.

اهميّة “مؤتمر معراب” انه تصحيحٌ ميثاقي لمفهوم الترويكا، لا يكتفي باسترداد صلاحيات المسيحيين عرفياً وتكريس النظام التوافقي في لبنان، وإنما يذهب باتجاه إيصال رئيسٍ يمثّل مصالح المسيحيين وتطلّعاتهمداخلتركيبة النظام.

مُخطئ من يعتقد ان تبنّي ترشيح عون من قبل “القوات” يتعارض مع مفهوم “14 آذار”، لأن البُعد الذي حدا بالقوات الى ترشيح عون يختلف عن البُعد الذي يجعلها تتبنّى مبادىء “14 آذار”. 1 كيلومتر لا يساوي 1 كيلوغرام، وكذلك لا يتعارض معه ايضاً. وِحدة قياس السيادة ليست بالضرورة نفسها وِحدة قياس الشراكة.

وهكذا فإن تحقيق السيادة قد لا يعني بالضرورة تحقيقاً للشراكة، تماماً مثلما ان تحقيق الشراكة قد لا يعني بالضرورة تحقيقاً للسيادة. وهكذا ايضاً، فإن تبنّي ترشيح العماد عون يُحقق للمسيحيين الشراكة الوطنية، فيما اعتناق مبادئ “14 آذار” يُحقق لهم السيادة الوطنية.

اختيار الدكتور جعجع للعماد جاء في بُعده التشاركي لا السياسي، واعتناقه لمبادئ “14 آذار” كان ولا يزال يحمل ابعاداً سياسية ووطنية.

من هنا ايضاً وايضاً اهمّية “لقاء معراب” الذي يحاول ان يجمع المجد من طرفيه، وذلك بعدما سعت “القوات” في “14 آذار” لتحقيق سيادةٍ غير مُنجزة كبديلٍ عن شراكةٍ مُغيّبة، وبعدما حصل عون من “8 آذار” على شراكةٍ غير مُكتمِلة، كبديلٍ عن سيادةٍ وطنيةٍ مُنتهكة.

في تموز 1984 وضع حزبا “الكتائب” و”الأحرار” نصّ “مشروع وثيقة” لتسوية لبنانية شاملة جرى فيه تحذير المسلمين بأن “لا تعايش مسيحياً-اسلامياً إذا لم يُعمل باستمرار على تقوية الحضور المسيحي في لبنان وتعزيزه”.

“لقاء معراب” ليس خطوةً قواتية من فراغ، هو يعبّر عن وجدان المسيحيين وتطلعاتهم الى مساواةٍ حقيقية مع شركائهم سنّةً وشيعة منذ عقود. فمن يحتمل بأن يضع جريمة إهدار حقوق المسيحيين في رقبته؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل