#adsense

السعودية و”القوات”

حجم الخط

كتب شارل جبور في موقع Lebanonfiles:

تحولت كل القوى السياسية فجأة إلى حريصة على علاقة “القوات اللبنانية” بالمملكة العربية السعودية، فنصحت الدكتور سمير جعجع قبل ترشيحه العماد ميشال عون من مغبة إقدامه على هذه الخطوة التي من مؤدياتها قطع الرياض علاقتها مع “القوات”، وذلك في رسالة مزدوجة: الأولى بخلفية تحذيرية لثنيه عن الترشيح، وهنا بيت القصيد، والثانية من منطلق الحرص على مستقبل العلاقة القواتية مع السعودية، وكأن تلك القوى أحرص من “القوات” على مصلحتها.

وبعد ترشيح جعجع لعون راحت تتوالى التسريبات من كل حدب وصوب بأن السعودية مستاءة جداً من خطوته، وأنها قطعت العلاقة معه، وممنوع عليه زيارتها وإلى آخر هذه المعزوفة، فيما أكد رئيس “القوات” مراراً وتكراراً ان علاقته مع المملكة على أفضل ما يرام، وأنها أبلغته ثقتها التامة بكل ما يمكن أن يقدم عليه من خطوات، وكشف في إحدى إطلالاته عن تطور قريب يصب في هذا الاتجاه.

والفارق الجوهري بين ما يؤكده جعجع عن ثبات العلاقة مع السعودية، وبين التسريبات التي “تبشِّر” بالويل والثبور، أن الطرف الأول هو شخص معلوم يتحمل أمام الرأي العام مسؤولية أقواله التي ستظهر صحتها أم عدمه في المستقبل القريب أو المتوسط، فيما الطرف الثاني مجهول يتلطى خلف المصادر حفاظا على صدقية سيفقدها بالتأكيد لو كشف عن وجهه الحقيقي.

وفي مطلق الأحوال، وبعد أكثر من أسبوع على خطوة الترشيح، لم يصدر أي موقف سلبي عن المملكة، كما لم يصدر قبلها أي موقف سلبي من ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية، ما يعني ان المملكة تعاملت بالمثل مع جعجع والحريري.

ومن المعلوم في هذا السياق ان مبادرة الحريري ليست سعودية المنشأ، وقد أكد أكثر من مرجع ومسؤول في “المستقبل” نفسه أنها صناعة لبنانية استجلبت تأييدا خارجيا، وذلك من منطلق حرص هذا الخارج على إنهاء الفراغ الرئاسي، وبالتالي الهدف من تصويرها في البداية بانها مبادرة سعودية محاولة لقطع الطريق على أي معارضة من الفريق الحليف، اعتقادا من هذا الطرف ان موافقة حلفاء فرنجية مضمونة، ولكن الخطأ في الحساب والتقدير أدى إلى تطورين:

التطور الأول، رفض “حزب الله” مبادرة الحريري، وتمسكه بترشيح العماد عون. وشكل هذا الخطأ في تقدير موقف الحزب دعسة ناقصة أدت إلى تجميد المبادرة، ودلت على تسرع وعدم إلمام بموقف الحزب الفعلي والذي يبدّي فيه الحليف عون على الرئيس فرنجية، لأن الحليف يوفر له الغطاء المسيحي الذي لا يؤمنه الرئيس، وقد يكون هدفه الأساس تجنب خسارة الحليف، إنما إبعاده في الوقت نفسه عن بعبدا.

التطور الثاني، رفض الدكتور جعجع المبادرة جملة وتفصيلا، وراح يعد العدة لإبرام تفاهم رئاسي مع عون، وإن دل هذا التطور على شيء أيضاً، فعلى خطأ في تقدير ردة فعل رئيس “القوات”، وكأن العلاقة معه حديثة العهد، فيما هو يرفض ان يوضع أمام الأمر الواقع، خصوصا في الملف الرئاسي، حيث حرص منذ البداية على الإمساك بالمبادرة الرئاسية.

وإذا كان رهان أصحاب المبادرة على قدرتهم تجاوز تحفظ “حزب الله”، سيما أنهم روجوا في الكواليس واللقاءات الثنائية انه يعمل على إقناع عون، وان نهاية شباط يكون فرنجية في بعبدا بغطاء من الحزب، فالأحداث دلت خلاف ذلك تماماً، فضلا عن انه حتى لو تلقى الحزب إشارة إيرانية بانتخاب فرنجية، على رغم استبعاد هذا الاحتمال، فإن تجاوز جعجع-عون غير ممكن إطلاقا، لأن يشكل كسرا لأكبر قوتين مسيحيتين، مع ما يمكن ان يخلِّفه من إحباط وردود فعل قد تصل إلى حد الكفر بالنظام القائم في اللحظة التي يحرص فيها المجتمع الدولي على الحفاظ على آخر بقعة مسيحية في هذا الشرق.

وفي هذا السياق بالذات يكشف كل من التقى بمسؤول سعودي أن أولوية السعودية عدم تجاوز الموقف المسيحي، وان المملكة تثمِّن لجعجع وقوفه إلى جانبها في ثلاثة محاور استراتيجية أساسية:

المحور الأول، تمسكه بالعمق العربي والعلاقة المميزة مع السعودية التي لم تتبدل منذ خروجه من المعتقل إلى اليوم، على رغم ما تعرض له من مواجهة وتخوين للتخلي عن هذا الخيار الذي يصب في المصلحة اللبنانية.

المحور الثاني، رفضه أي مساومة في الملف السوري، وتقاطعه مع المملكة على ضرورة سقوط النظام القائم.

المحور الثالث، تمسكه باتفاق الطائف وسعيه لتوسيع القاعدة المسيحية المؤيدة لهذا الاتفاق من خلال ترشيح عون وموافقته على “إعلان معراب” الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من “إعلان النيات” الذي أكد فيه الجنرال الالتزام باتفاق الطائف.

وهذه النقطة الأخيرة تحديدا حظيت بترحيب سعودي لافت من منطلق ان مبادرة جعجع تشكل حماية للطائف، وتمنع توظيف موقف شريحة من المسيحيين لإسقاطه، بل ان مصلحة الرياض تكمن في موقف مسيحي جامع من دورها السلمي والجامع في لبنان، فيما انتخاب أي رئيس غير عون، وخلافا لإرادة جعجع، يؤدي إلى إضعاف البيئة الحاضنة لاتفاق الطائف، ويقوي النفوذ الإيراني.

وتأسيسا على ما تقدم، يرى مراقبون انه في اللحظة التي تنتقل فيها العلاقة السعودية-الإيرانية من مرحلة القطيعة إلى إبرام التسويات، يدخل العماد عون إلى بعبدا باعتباره الشخصية الوحيدة القادرة على تطمين طهران بعدم الطعن بالحزب في مرحلة التحولات والتسويات، وتطمين السعودية بعدم الطعن بالطائف الذي يكون قد حظي، عن طريق جعجع، بأوسع تأييد مسيحي منذ إقراره.

المصدر:
lebanonfiles

خبر عاجل