#adsense

عهد الوصاية من عنجر الى الضاحية… تخلية ميشال سماحه: فصل من فصول تدمير الدولة

حجم الخط

كتب فادي الأحمر في “المسيرة” – العدد 1543

شكّل اطلاق سراح ميشال سماحه مفاجأة للرأي العام اللبناني. واللافت ان المفاجأة شملت ايضاً وزراء ومسؤولين كبارًا في الدولة اللبنانية، ممن يشغلون مواقع اساسية على علاقة مباشرة او غير مباشرة بهذه القضية. لو كنا في بلد يعيش حالة ديموقراطية “صحّية” وانتظام في الحكم، لاعتبرنا مفاجأة الرأي العام والمسؤولين في السلطتين التشريعية والتنفيذية بقرار قضائي أمرا طبيعيا وعلامة إضافية على فصل السلطات. ولكن في بلد مثل لبنان يبدو الأمر غير طبيعي. ما يدفعنا الى إعادة طرح السؤال: من هو الحاكم الفعلي للبلاد؟ وما هو الهدف من اطلاق ميشال سماحه؟

قرار المحكمة العسكرية أعاد الى الأذهان مرحلة الوصاية السورية. يوم كانت تُحكم البلاد من عنجر. و”ساكنها” يأمر بإصدار الأوامر بالاعتقال والسجن والمحاكمة. وبإصدار الأحكام بالإدانة او بالبراءة. غالبية الشعب اللبناني عايشت تلك المرحلة. ولا تزال حاضرة في ذاكرتها. ولكن ربما قلّة تدرك أن ما كان يحصل هو تدمير مُمنهج للنظام اللبناني عبر تعطيل الحياة السياسية وإلغاء المعارضة فيه وإسكات إعلامه وتسييس قضائه. كيف؟

سياسياً، بدأ تدمير النظام الديموقراطي اللبناني في العام 1991 بتسمية نواب لسد الفراغ الحاصل في مجلس 1972، المُمدد لعقود، بسبب وفاة عدد من النواب، ولرفع العدد من 99 نائباً الى 108 نواب. بعد ذلك راحت مراحل تدمير الحياة السياسية اللبنانية تتوالى فصولاً، وضمن خطّة بعيدة المدى. إنها طبيعة سياسة حافظ الأسد ذات البعد الاستراتيجي الهادئ والهادف. فكان تدمير النظام عمل يومي دؤوب يتم من دون ضجيج وصخب باستثناء بعض المحطات التي كان يفتعلها النظام السوري احياناً لـ “تخويف” السياسيين اللبنانيين والرأي العام اللبناني وإذلالهم لإخضاعهم. مُنفّذ تلك الاستراتيجية كان غازي كنعان، ومن بعده رستم غزاله. وللتذكير فقط، كان هذان الضابطان يؤلفان لوائح المرشحين للانتخابات النيابية ويختاران الوزراء وقادة الجيش وقادة الألوية العسكرية. كما كانا في غالب الأحيان يختاران الأشخاص الذين يشغلون وظائف في الفئة الأولى وأحياناً في الفئة الثانية والثالثة والرابعة. أما مهمة اختيار رئيس الجمهورية اللبنانية فكانت محصورة بالرئيس السوري. حافظ الأسد في البداية. ومن ثم ابنه بشار.

تحويل النظام اللبناني من نظام سياسي الى نظام أمني كان جزءاً أساسياً من تدمير بنية الدولة اللبنانية. من هنا أطلقت دمشق يد قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية للتدخّل في الشؤون السياسية الذين كانوا، بطبيعة الحال، يخضعون لسلطة “ساكن عنجر”. حتى إذا ما اضطر هذا الأخير الى الخروج من عنجر، كما حصل في العام 2005، يكون النظام السوري قد أرسى نهجاً جديداً أمنيا في الحياة السياسية اللبنانية يشبه الى حد كبير ذاك السائد في سوريا. وهكذا راح قادة الأجهزة يشاركون “ساكن عنجر” في تأليف لوائح المرشحين للانتخابات النيابية، واختيار رؤساء البلديات وأعضاء المجالس البلدية بخاصة في المدن الكبرى (مثل بيروت وطرابلس وصيدا…) ذات التأثير على الانتخابات النيابية في ما بعد. وقد تمادى البعض في التدخّل في الشؤون العامة. فحاول التدخّل في الانتخابات الداخلية في مؤسّسات دينية، على طريقة إيحاءات أجهزة الأمن السورية باختيار رجل الدين هذا واستبعاد ذاك.

إلغاء المعارضة في الحياة السياسية كان جزءاً من تدمير النظام اللبناني ليصبح شبيه “شقيقه” السوري. من هنا كان اضطهاد عناصر حزب “القوات اللبنانية” وفي ما بعد اعتقال رئيسه سمير جعجع المعارض الوحيد والأخير للوصاية السورية في تلك المرحلة. وفي السياق نفسه جرى اضطهاد ناشطي “التيار الوطني الحر” بعد أن نُفي زعيمهم إلى فرنسا. فلا مكان للمُعترض. ولا حكم إلا لـ “الحزب الواحد” المتمثّل بشخص رجل النظام السوري. من يخضع له ويؤيّده يبقَ في السلطة و”يحفظ رأسه”. ومن يعارضه يُنفَ او يُسجن او يُقتل. وتاريخ حزب البعث حافل بالأمثلة في سوريا ولبنان، في مرحلة حكم الأسد الأب، ومن بعده الابن.

إسكات الإعلام اللبناني وتدجينه كان أيضاً جزءاً من سياسة تدمير النظام الديموقراطي اللبناني. وأبرز محطاته منع النشرات الإخبارية في العام 1994 لمدة أشهر. ما دفع المؤسسة اللبنانية للإرسال، التي كانت حينها تلفزيون “القوات اللبنانية” والأولى في لبنان، الى استبدال الأخبار السياسية ببرنامج “صارت الساعة 8” للحفاظ على مشاهديها في تمام تلك الساعة بانتظار عبور “الغيمة السوداء” من القمع. زالت “الغيمة” ظاهرياً وعادت النشرات الإخبارية ولكن سيف الإغلاق النهائي بقي مصلتاً فوق رؤوس المؤسسات الإعلامية. وهذا ما حدث في العام 2002 مع تلفزيون الـ “أم تي في”.

أما قمة استراتيجية الوصاية السورية فكانت في تدمير القضاء اللبناني، الذي لم يكن في أحسن أحواله. وهنا مكمن الخطر الأكبر. فضرب السلطة القضائية يُسقط دولة القانون. ويحوّل النظام من ديمقراطي الى أمني وعسكري. وهذا ما حدث في لبنان في تلك المرحلة. ولا يزال! وفي هذا المجال من المفيد التذكير بمحاكمات الدكتور سمير جعجع ورفاقة في “القوات اللبنانية” التي كانت مبنية على على تقارير استخباراتية وعلى اعترافات اُخذت تحت التعذيب.

بعد خروج القوات العسكرية السورية من لبنان في العام 2005 كان من المفترض أن تتم إعادة بناء الدولة اللبنانية وسلطتها المركزية القوية. ولكن هذا لم يحصل. وبدا أن الوصاية انتقلت من دمشق الى “الضاحية”. فكانت هذه الأخيرة تعطّل نتائج الانتخابات التي أنتجت غالبية نيابية، وتفرض “الثلث المعطّل” في مجلس الوزراء، وتضغط لإقفال المجلس النيابي، وتستعمل قوتها العسكرية لإبطال قرارات حكومية، وتستعرضها في شوارع بيروت لتسمية رئيس حكومة… وتستمر في تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية. وها هي اليوم “تُملي” على القضاء العسكري تخلية ميشال سماحه. أليس هذا استمراراً في تدمير النظام القائم ودفعاً باتجاه “مؤتمر تأسيسي” يكرّس تحوّل النظام اللبناني، وهذه المرّة ليس الى شبيه بـ “شقيقه” السوري، إنما الى شبيه بالنظام الإيراني حيث سلطة المرشد الأعلى تتقدّم على رئيس الجمهورية وقوّة الحرس الثوري تتفوّق على قدرات الجيش النظامي؟!

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل