إفتتاحية “المسيرة”: أبعد من الرئاسة

إفتتاحية “المسيرة” –  العدد 1544

صحيح أن الحدث في 18 كانون الثاني كان في معراب، لكن أصداءه ترددت في العالم كله. حيث هناك لبناني، كان هذا اللقاء بين “القوات” و”التيار الوطني الحر”. أجراس المصالحة لم تدق في معراب وحدها بل ترددت أصداؤها من لبنان إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا والمكسيك والبرازيل وأستراليا. المسألة لم تعد تتعلق بترشيح العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية بل بما هو أبعد من الرئاسة وقصر بعبدا.

قبل أن يتم اللقاء الذي طال انتظاره كان ينقل عن رئيس حزب “القوات اللبنانية” قوله إنه بمعزل عن تبني ترشيح العماد ميشال عون وعن إمكانية انتخابه رئيسا أم لا، فإن ما تحقق على صعيد التفاهم بين “القوات” و”التيار الوطني الحر” هو ما يجب البناء عليه من أجل إعادة التوازن إلى السلطة ومن أجل إعادة بناء الدولة. فما يحصل لا يحمل عناوين مسيحية فقط بل عناوين وطنية وإن كان من يقوم بالخطوة طرفان مسيحيان يحظيان بأكبر قاعدة تمثيلية في الرأي العام المسيحي.

وبعد يوم واحد على حلوله ضيفاً في معراب كان العماد ميشال عون يقول في حديث تلفزيوني كلاماً بهذا المعنى وفيه أنه حتى لو لم ينتخب رئيساً فإن ما حصل في معراب يكفيه.

منذ تم توقيع ورقة التفاهم بين “القوات” و”التيار” في 2 حزيران الماضي كبرت دائرة الأسئلة حول ما يمكن بلوغه في هذه العلاقة المستجدة والمتجددة. كان ثمة اعتقاد أن الهوة الفاصلة ما بين “القوات” و”التيار” لا يمكن أن يتم ردمها أو بناء جسر للعبور فوقها ولكن ثبت أن الرهان على الفشل في الذهاب في هذا الإتجاه كان فاشلاً. لم يكن أحد ليصدق أن سمير جعجع سيكون في الرابية في ذلك اليوم. فجأة صعق الخبر الناس والمتابعين لهذه العلاقة المعقدة. صح الصحيح.

بعد إعلان التفاهم أخذ الآخرون يجرون حساباتهم على ضوء تساؤلات لم يكن لديهم عليها أجوبة: ماذا سيثمر هذا التفاهم؟ ما هي الخطوة التالية؟ إنها مجرد مناورة ستنتهي مفاعيلها. لا يمكن أن تتطور إلى تبني جعجع ترشيح عون أو العكس. مثل هذا الأمر كان مبررًا أخذه بالإعتبار. فعلى رغم اللقاء بقي الدكتور سمير جعجع مرشحاً، وبقي العماد عون مرشحاً، وبقيت جلسات الإنتخاب تدور في فلك تعطيل النصاب. ولكن هنا ربما كانت المفاجأة وكان بالإمكان الإستمرار في التنسيق واللقاءات بعيدًا من موضوع الرئاسة. ولذلك كان هناك إصرار على أن تكون هذه العلاقة أبعد من السباق إلى قصر بعبدا لأن مسألة الحضور المسيحي كانت الأهم والدافع الأقوى. لم تكن تلك المحاولة رد فعل على حوار “حزب الله” و”تيار المستقبل” بل كان دافعها الأساسي استمرار تهميش الدور المسيحي والحضور الفاعل في المؤسسات وفي استباحة هذه المؤسسات وتعميم ظاهرة الفساد وتدمير الدولة. لم تنطلق هذه المباحثات من خلفية مسيحية بحتة بل كانت بخلفية وطنية عامة تقوم على أساس فكرة قيام حركة 14 آذار وتكوينها وهي بناء الدولة والعبور من الدويلة إلى الدولة العادلة والقادرة على أن تكون ضامنة للجميع، لا ساحة لتقاسم المغانم. ولعل ما فاقم في تسريع هذا المسار ما نتج عن أزمة النفايات وما تكشف عن الخلاف على ملف النفط وتدهور وضع الكهرباء وتحويل لبنان إلى ساحة خلفية للحرب في سوريا والتطورات الحاصلة على صعيد كل المنطقة المشتعلة وما يحصل فيها من عمليات فرز طائفي وتهجير مذهبي.

بغض النظر عن ردود فعل الأطراف السياسية التي نظرت بارتياب إلى هذا التقارب، فإن الإحصاءات واستطلاعات الرأي بيّنت أن المسيحيين بشكل عام وبنسبة تفوق ال80 في المئة كانت مرتاحة إلى نتائج إعلان ورقة النوايا وزيارة الدكتور جعجع إلى الرابية. في المقابل بدأ البعض يحسب حسابات تتعلق بما سيبقى له في حال اتفق “القوات” و”التيار” في الإنتخابات النيابية في كل الدوائر وعلى قانون واحد لهذه الإنتخابات ولذلك أخذ هذا البعض موقفاً حذراً ومعاديًا معتبراً أن هناك حرب إلغاء سيشنها الطرفان بينما كان من المفترض أن ينضموا إلى هذا الإعلان الواضح والصريح.

في ظل كل هذه المعطيات جاء ترشيح النائب سليمان فرنجية ليعيد خلط الأوراق، وليسرّع المسار الذي كانت تسير عليه المباحثات بين “التيار” و”القوات”. موضوع الرئاسة أضيف على جدول الأعمال بناء على هذا التحول. ومن هنا طرحت مسألة أيصال الرئيس الأقوى مسيحيًا.

مشهد معراب قلب التوقعات. قبله وأثناء التحضير له كان الدكتور جعجع يعتبر أن هذه الخطوة ستشكل انقلاباً في الموازين الداخلية ولكن ما حصل بعده فاق ربما هذه التوقعات. كان المطلوب أن يحسم “حزب الله” موقفه ولكنه لم يفعل. ما يهمه ليس انتخاب العماد ميشال عون بل السلة الكاملة التي ينادي بها وربما تغيير النظام بكامله. ما طبقه مع ترشيح النائب سليمان فرنجية استعاده مع العماد ميشال عون على قاعدة أن هذه ليست ساعة الرئاسة وأنه يريد العماد عون رئيسًا ولكنه لا يريد أن يزعل النائب سليمان فرنجية وربما قد يضع شرطاً على العماد عون وهو أن يتكفل شخصيًا بإقناع فرنجية بالإنسحاب له وبإقناع “تيار المستقبل” والرئيس سعد الحريري بتأييده وإسقاط الفيتو عليه. ولكن هذا لا يعفي الحزب من إعلان موقفه: هل تريد العماد عون في بعبدا أم لا؟

هذا السؤال وجهه رئيس “القوات” مباشرة إلى “حزب الله”. ولكن الرد لم يأت من الحزب بل من عند الرئيس نبيه بري ومن عند النائب فرنجية ومن عند الرئيس سعد الحريري بعدما نأى النائب وليد جنبلاط بنفسه مع كتلته عن الإصطفاف وهو موقف متراجع ولو تكتيكياً عن الإلتزام بخطوة ترشيح فرنجية. الرئيس بري خرج عن صمته المطبق وحياديته وسأل الدكتور جعجع عما إذا كان المطلوب أن يقنعهم “حزب الله” بالقوة بانتخاب العماد عون. فرنجية تمسك بترشيحه وأعلن مقربون منه أنه لن ينسحب حتى لو طلب منه السيد حسن نصرالله أو رئيس النظام السوري بشار الأسد ذلك ووضع شرطاً على العماد عون يقضي بأن يتبنى الخطة “ب” التي تقول أن من يحصل على التأييد الأقل ينسحب لمن يحصل على التأييد الأكبر. الرئيس سعد الحريري تمسك بورقة فرنجية.

قبل جلسة التمديد لمجلس النواب أعطى الرئيس بري “القوات” و”التيار” معًا ورقة تأمين الميثاقية: إذا قاطعا أي موضوع مطروح تنتفي الميثاقية وإذا حضر أحدهما تتأمن. على هذا الأساس تم تقطيع مسألة التمديد للمجلس النيابي. ونزولا عند هذه القاعدة تمت الموافقة على إدراج مشروع قانون استعادة الجنسية ومشروع قانون الإنتخابات على جلسة تشريع الضرورة بعدما تمسك “القوات” و”التيار” بهذا الأمر. هذه المحاولة أثبتت أن توحيد الموقف المسيحي لأسباب وطنية ليس مسألة سهلة وليس مستحيلاً أيضاً. عندما يتفق “التيار” و”القوات” تحضر الميثاقية. وهذه القاعدة لا بد من أن تطبق في موضوع الرئاسة. التوافق المسيحي الحاصل هو الذي يؤمن الميثاقية وليس توافق بقية الطوائف على من يمثل المسيحيين. إما ميثاقية شاملة إما لا ميثاقية. أكثر من ذلك فإن تفاهم “القوات” و”التيار” يأتي من جناحي الإنقسام العمودي بين 8 و14 آذار ولذلك لا يجب أن يتم حصره بالبعد الطائفي. هذا ليس تفاهمًا مسيحيًا بقدر ما هو تفاهم وطني بامتياز يقوم على استعادة دور الدولة وتكريس دور المسيحين بعدما كان مستباحًا خلال عهد الوصاية ولم تفلح المحاولات في تغييره. على هذه القاعدة إذا كان التوافق الأكثري المسيحي على انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية يحتاج إلى بطاقة مرور فهذه القاعدة يجب أن تنطبق عندها على أي توافق آخر: الرئيس بري يصير بحاجة إلى بطاقة مرور ليكون رئيسًا لمجلس النواب والرئيس سعد الحريري يصير بحاجة إلى بطاقة مرور ليكون رئيساً للحكومة وهذا ما لم يتم تطبيقه سابقاً وما لا يجب تطبيقه لاحقاً. ربما هناك من كان يعتبر أن العماد عون في قصر بعبدا مرشحًا لـ”حزب الله” وقوى 8 آذار لا يؤمن التوافق والميثاقية ولكن بعد إعلان معراب تنتفي هذه المعادلة بحيث يصير عون مؤيَّدًا من “القوات” هو الذي يؤمن الميثاقية ويلعب دور الحاجز الفاصل وجسر العبور معًا في الصراع بين السنة والشيعة على مستوى المنطقة ولبنان.

من ضمن هذا الرداء الجديد للترشيح الرئاسي لا يمكن أن يكون ترشيح العماد عون إلا منطلقاً من مشروع 14 آذار. قبل هذا الترشيح وقبل ترشيح فرنجية كانت المباحثات بين “القوات” و”التيار” تقوم على أساس التفاهم على مرشح ثالث يكون نقطة تقاطع بين الحكيم والجنرال، ويكون قويًا نتيجة تأييدهما له ودخولهما معاً إلى قصر بعبدا وتوسع تفاهمهما إلى مرحلة ما بعد بعبدا وصولاً إلى قانون انتخابات جديد وحكومة جديدة وتوزيع جديد للحقائب الوزارية وتعزيز دور الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية. الإتفاق على ترشيح العماد عون لا يخرج عن هذا الإطار لأنه صار بمثابة هذا المرشح الثالث.

في ظل الإنقسام المسيحي كان من السهولة بمكان استباحة التمثيل المسيحي ومؤسسات الدولة. بعد لقاء معراب لم تعد ولن تكون هذه المسألة ممكنة. لأن فلسفة المصالحة تبقى أبعد من كرسي رئاسي ولأنها تنبع وتصب في صلب قضية مشروع 14 آذار. لا تسألوا بعض السياسيين عما حصل في معراب. إسألوا الناس. هؤلاء هم الذين سيقترعون في النهاية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل