
النهضة السياسية لمسيحيي لبنان
قد يكون الدكتور سمير جعجع، بدعمه ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، سحب أخيراً الخيط الصحيح لفك عقدة انتخاب رئيس لبناني جديد للبلاد. مضى عامان تقريباً ولبنان من دون رئيس – وهو المركز الذي يعود تقليدياً الى الموارنة – لأن سياسييه فشلوا في حل الأزمة السياسية التي شلت لبنان. لكن حتى ولو لم تحقق مبادرته الهدف المنشود ، فإن سمير جعجع، بضربة معلم، أعطى زخماً لنفوذه السياسي بين اللبنانيين المسيحيين، وخلط الأوراق السياسية الوطنية، كما أعاد الرابط السياسي وضمن الحماية الذاتية للطائفة المسيحية المهمشة والمحاصرة منذ فترة طويلة.
كان الخبر صاعقاً حتى بالنسبة إلى أكثر مراقبي السياسة اللبنانية رهافة. في النهاية، إن التنافس السياسي والخلاف بين رئيس حزب “القوات اللبنانية” سميرجعجع، ورئيس “التيار الوطني الحر” ميشال عون، هو الأقدم والأكثر دموية في البلاد. فقد تحارب القائدان المسيحيان بشراسة خلال الحرب الأهلية 1975 – 1990، وألحقا دماراً هائلاً في المناطق المسيحية، وتسببا في انقسامات عميقة ودائمة بين جمهوريهما.
في تشرين الأول من العام 1990، أجبر الجيش السوري عون على سلوك طريق المنفى إلى باريس لقيادته “حرب تحرير” فاشلة ضد وجوده العسكري في لبنان. أما جعجع، فقد تم سجنه في العام 1994 بتهمة تفجير كنيسة في زوق مكايل سقط بنتيجته 10 أشخاص، واتُهم بقتل رئيس الوزراء اللبناني رشيد كرامي في حزيران 1987 ومنافسه السياسي المسيحي داني شمعون مع زوجته وولديه بعد ثلاث سنوات. لم يكن جعجع وحده من ارتكب أعمالاً وحشية خلال الحرب؛ من بين جميع أمراء الحرب، كان الوحيد الذي واجه سنوات السجن الطويلة، أما الباقون فقد تم العفو عنهم واحتلوا مناصب مرموقة في السلطة تحت إشراف الوصاية السورية. في حزيران 2005 عاد عون من فرنسا، وأطلق سراح جعجع بعد شهر.

تنافس حزبا عون وجعجع بشراسة في الانتخابات البرلمانية اللبنانية بعد جلاء القوات السورية من لبنان. انضم جعجع إلى تحالف 14 آذار المناهض لسوريا، والذي نشأ بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 14 شباط. بينما عون، وفي محاولة مثيرة للجدل لتحسين فرصه في أن يصبح رئيساً، وحد قوته مع “حزب الله”. لكن لم يكن “حزب الله” أو تحالف 14 آذار قادرين على تحقيق الرغبات الرئاسية لحليفيهما المسيحيين، واستمر عون وجعجع في وضع الفيتو على ترشيح كل منهما، فكانت النتيجة عرقلة انتخاب رئيس مسيحي نموذجي على رأس الدولة.
إن المواجهة الجسدية والسياسية بين جعجع وعون، وتداعياتها الكارثية التي أثرت على مصير المسيحيين اللبنانيين هي أساسية لفهم خطوة جعجع الأخيرة، فاعتبار شراكته الجديدة مع عون بمثابة رد فعل غير محسوب على ترشيح حليفه السني سعد الحريري لمنافسه الآخر سليمان فرنجيه، لهو أمر مغر. ففي النهاية، لابد أن جعجع صُدم من قرار الحريري الغريب لدعم فرنجيه، أقرب المقربين من الرئيس بشار الأسد، الرجل الذي يُعتقد أنه ساهم بشكل واسع بقتل والد الحريري إضافة إلى العديد من السياسيين المناهضين للنظام السوري، كما أن الحريري لم يكلف نفسه عناء التشاور مع جعجع قبل اقتراح مبادرته، الأمر الذي أغضب جعجع وخيب أمله.
لكن من الخطأ حصر مبادرة جعجع السياسية اللامعة بفورة عاطفية أو بتحول مفاجئ في التحالف. بدلاً من ذلك، كانت المبادرة استراتيجية سياسية محسوبة ومدروسة بعناية من قبل جعجع الذي انكب على دراستها لمدة سنة على الأقل. إنجاز هام في عملية التقارب هذه تم في حزيران 2015، عندما وقع الرجلان، في منزل عون، “إعلان نوايا” يلتزم بمبادئ السيادة اللبنانية الصارمة التي ينحاز إليها تحالف 14 آذار ويقاومها “حزب الله”.
.jpg)
ليس من الصعب إدراك أن جعجع يريد أن يكون قوة قادرة في السياسة المسيحية اللبنانية، وبما أن السوريين قد أصبحوا خارجاً، فإن هدفه قابل للتحقيق إلى حد كبير. لكن السبيل الوحيد ليحقق رؤيته، هو، ومن سخرية القدر، بتعبيد الطريق أمام عون ليصبح رئيساً، الأمر الوحيد الذي كان يركز عليه رئيس “التيار الوطني الحر” منذ عودته إلى لبنان في العام 2005. هذا هو المنطق. إن أصبح عون رئيساً، فسيتعزز دور جعجع كصانع ملوك مسيحي في نظر المسيحيين اللبنانيين، وبالتالي، سيزداد نفوذه داخل المجتمع المسيحي بشكل كبير. سوف تعتبره أغلبية المسيحيين اللبنانيين الرجل الذي كسر الجمود الرئاسي، وأعاد المسيحيين إلى السلطة، وأقام سلاماً مسيحياً داخلياً تاريخياً للأجيال القادمة. مع الوقت، وهو لن يكون طويلاً نظراً لتقدم عون في السن، قد يتمكن جعجع من الفوز بقلوب وعقول القاعدة التي تدعم غريمه، وإن سارت الأمور على ما يرام، قد يخلفه ربما كرئيس بعد انتهاء فترة ولايته التي تدوم ست سنوات.
يبدو كل هذا واعداً بالنسبة إلى جعجع، إلا أنه سيكون على استراتيجيته أن تقاوم القول المأثور اللبناني القديم بأن التعيينات السياسية الوطنية في لبنان هي نادراً ما تكون مسألة محلية. فالقوى الإقليمية وأحياناً الدولية هي من تقرر من يجب انتخابه رئيساً من المجتمع المسيحي الماروني ومن يجب تعيينه كرئيس للحكومة من المجتمع السني. (تمت السيطرة على رئاسة مجلس النواب من قبل رئيس حركة “أمل” الشيعية نبيه بري، الحليف القوي لـ”حزب الله” منذ تشرين الأول 1992).
الخبر السار هو أنه بات للسياسيين اللبنانيين مجال للمناورة أكبر مما كان في الماضي، نظراً لخروج سوريا من لبنان، وانشغال العالم بمحاربة الدولة الإسلامية، والقلق من اتساع الفراغ السياسي في المنطقة. في الواقع، إن لبنان غير المستقر والمشلول باستمرار يؤذي حملة محاربة الدولة الإسلامية. هذا لا يعني أن اللبنانيين سيتمكنون من النجاح بمفردهم. هذا يعني أن القوتين الإقليميتين اللتين تمارسان التأثير الأكبر على السياسيين الوطنيين اللبنانيين – إيران والسعودية – قد تبديان المزيد من المرونة تجاه تفضيلات وحسابات وكيليهما “حزب الله” وسعد الحريري، من أجل منع حرائق المواجهات الإقليمية السنية – الشيعية من أن تطال لبنان.
إن الحزبين المحليين اللذين لم يتلق منهما جعجع وعون أي رد نهائي هما “حزب الله” وتيار “المستقبل” التابع للحريري. أبدى الجانبان فتوراً، فلم يجهضا أو يتبنيا مبادرة جعجع. كان على “حزب الله” أن يكون سعيداً جداً بدعم جعجع لعون. في النهاية، فإن أمين عام “حزب الله”، حسن نصرالله، وعد عون عندما وقع مذكرة التفاهم معه في العام 2006، أنه سيفعل كل ما في وسعه ليساعد حليفه المسيحي للفوز برئاسة الجمهورية. واحتراماً له، وبالرغم من الضغوط الدولية والإقليمية الشديدة على حزبه، التزم عون بتحالفه مع “حزب الله”.
لكن الآن “حزب الله” مربك ومتحفظ حيال هذا الغرام المستحدث بين عون وجعجع. لم يثق الحزب الشيعي يوماً بجعجع، فهو يراه يمينياً متطرفاً وقريباً جداً من واشنطن. وبما أن عون الآن قد تقرّب من جعجع، بدأ “حزب الله” يتساءل إن كان الرئيس عون، بعد توقيعه على إعلان مبادئ “لبنان أولا” مع حليفه الجديد، يمكن الوثوق به. ماذا لو عاد عون إلى أساليبه القديمة في شن حملات عدائية ضد جميع أشكال التدخل الخارجي والمدافعة عن قضية عدم تدخل لبنان في النزاعات الإقليمية؟ حملة كهذه قد تعقد أجندة “حزب الله” الموالي لإيران ومشاركته في الحرب السورية.
أما بالنسبة للحريري، فسيكون عليه التشاور مع السعودية، ربما أكثر مما يتشاور “حزب الله” مع إيران، ليرى إن كان بإمكان السعودية أن ترفع الفيتو الذي وضعته على عون. فمنذ زمن غير بعيد، قال الحريري علنا إنه لن يقف في طريق التضامن المسيحي وإنه سيقبل برئيس يختاره المسيحيون بأنفسهم وتدعمه الكنيسة المارونية. سيكون من مصلحة الحريري أن يتمسك بأقواله وأن يبدو داعماً فعالا للسلام الإسلامي – المسيحي والحوار بين الأديان في منطقة جرفها التطرف الديني العنيف.

لم يتضح حتى الآن موقف السعودية من عون، لكن يبدو أن السعوديين غير راضين عن نسف جعجع لمشروع فرنجيه الذي تم ترتيبه بتوجيه فرنسي وأميركي. ترتاب السعودية أيضاً في أن يكون للدوحة دور في مكائد جعجع، بما أن الأخيرة تغلغلت بهدوء في السياسة اللبنانية على مدى السنوات القليلة الماضية على حساب السعودية. لكن قد تغير السعودية رأيها إن تلقت تطمينات من إيران بأن رئاسة عون قد تأتي برئاسة الوزراء للحريري، على افتراض أن يتخطى حزب الله مخاوفه تجاه عون. إن حدث هذا، سيحظى المسيحيون برئيسهم القوي، وسيرحب السنة برئيس وزرائهم العائد إلى الوطن، ويظل الشيعة محتفظين برئاسة مجلس النواب، ناهيك بالطبع “حزب الله” القدير، القوة العسكرية والسياسية الأقوى في البلاد.

بالطبع، لا شيء من هذا، إن تحقق، سيحل المشاكل الأخرى المتعددة التي كان على لبنان أن يتعامل معها منذ تأسيس الجمهورية، بما في ذلك غياب الإصلاح، والمحاسبة السياسية، والفساد، وفشل الانتقال إلى ديمقراطية حقيقية، وأخيراً وبشكل مأساوي، العجز حتى عن جمع القمامة من شوارع بيروت. لكن هناك أمل بأنه مع هذه الوصفة القصيرة والمتوسطة الأجل للاستقرار السياسي، يمكن إعادة تفعيل مؤسسات الدولة، والتفاوض حول قانون انتخاب جديد، والمحافظة على الأمن القومي.
أما بالنسبة لجعجع، فإن مبادرته قد لا تنجح، لكنه رغم ذلك، قد يظهر بأنه الرابح لهندسته قيامته السياسية الخاصة ولتعزيز التضامن المسيحي في زمن الخطر الكبير المحدق بالأقليات الدينية في الشرق الأوسط.
Back to Lebanon’s Future..The Political Revival of the Country’s Christians