#dfp #adsense

التوحُّد… بين الصعوبات السلوكية وطرق التكيُّف

حجم الخط

لا ترتبط اضطرابات التوحّد بأيّ من العوامل العرقية، أو الاجتماعية، أو المالية. وبالتالي، الكلّ معرّض لهذا الاضطراب في النموّ والذي يخلق قصوراً في قدرة الشخص على التواصل الشفهي وغير الشفهي مع الأشخاص أو الأشياء، وصعوبة في تكوين علاقات مع المحيطين به. من هنا وجوب فهم حالته وعدم تهميشه، بل جعله يندمج في المجتمع.وللتعرّف على أسباب التوحّد (Autism) وعوارضه وعلاجه وكيفية مساعدة مَن يعاني من هذه الحالة، حاورنا الاختصاصية بتقويم النطق واللغة والاختصاصية في العلاج التنموي التواصلي للتوحّد والأستاذة في جامعة القديس يوسف اديت القوبا هريش، التي قالت إنّ التوحّد هو “اضطراب في النموّ العصبي، يتميّز بصعوبة بناء علاقة مع الآخرين والتواصل معهم، وبصعوبة في التصوّر الاجتماعي وبعض السلوكيات النمطية التكرارية إضافةً الى حساسية للحواس”.

تختلف مظاهر وميّزات التوحّد اختلافاً كبيراً، وذلك حسب مستوى التطوّر والعمر الزمني للفرد، شارحة أنّ “التشخيص يوضَع بين السنتين ونصف والثلاث سنوات، ولكن قد تظهر قبل هذا العمر سمات سلوكية غير طبيعية، ما يقضي بدء التوجيه للعلاج.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الذكور أكثر عرضة للتوحّد من الإناث، وبحسب الاحصاءات الأخيرة للجامعة الأميركية في دُور الحضانة في بيروت، تبيّن أنّ هناك 1 على 66 طفلاً في لبنان يعاني من التوحّد”.

 

الأسباب

تتعدّد أسباب الإصابة بالتوحّد، وتذكر هريش منها الأسباب المتعارَف عليها مثل:

  • العومل الجينية الوراثية
  • العوامل البيئية: مشكلات في تطوّر الدماغ قبل الولادة أو فوراً بعدها، بالإضافة إلى تأخّر في تطوير المحيط لمهارات الطفل.

 

العوارض

وتختلف العوارض المتعلّقة بالتوحّد، وتظهر عند البعض بطريقة مضاعفة فتكون مرافقة بالتأخّر الذهني، وعند البعض الآخر بطريقة أخفّ، وتنتج إثرها اضطرابات بالتفاعل الاجتماعي، وبالنموّ التواصلي الشفهي وغير الشفهي بالإضافة إلى الاضطرابات الحسّية مثل الإنزعاج من الضوء، أو من الأصوات، أو من طعم بعض المأكولات…

وعوارض أخرى تعددها كالآتي:

  • عدم استجابة الطفل لنداء أهله
  • غياب التواصل النظري بين الطفل والأشخاص وصعوبة في التركيز المشترَك وأخذ المبادرة
  • تأخر في النطق، مع صعوبة في التعبير والتواصل بالإشارة.
  • وجود بعض السلوكيات النمطية واهتمامات مركّزة في مجالات محدّدة وصعوبة في ممارسة الألعاب والنشاطات التخيّلية.
  • عدم تعبير الطفل لنيل حاجاته (كطلب الأكل أو الشرب) حتّى بالاشارة.
  • حساسية مفرطة في البصر أو اللمس أو السمع مثلاّ، بسبب اضطرابات في الوظائف الدماغية المسؤولة عن تحليل الإدراكات الحسّية، وقد تؤثّر في تفاعل الولد مع المحيط واكتساب النطق.

لكن على رغم هذه العوارض، يمكن للمصابين أن يتعلّموا، ويفكّروا وينتجوا، حتّى إنّ بعضهم يتمتّع بطاقات تفوق قدرات سائر الناس، كقوّة الذاكرة البصرية مثلاً. ومن أجل تحفيز تعليم المصابين، يجب على المحيط التكيّف مع وضعهم لتنمية قدراتهم التعليمية بطريقة مناسبة لوضعهم، فبعضهم بحاجة لتعليم مختصّ يرعى مشكلاته ويحافظ على قدراته، والبعض الآخر يندمج في المدارس العادية مع بعض المساعدة، ويمكن أن يصل الى المستوى الجامعي وحتّى أن يصبح استاذاً في الجامعة، مشيرةً الى أنه “تقلّ قدرة المدارس العادية والمربّين المؤهّلين فيها في لبنان على فهم سلوكيات الطفل المتوحّد ومساعدته، لذلك يتمّ التوجّه الى المدارس المختصّة”.

 

التشخيص

لا يتمّ التشخيص بواسطة طبيب واحد، بل بفريق من الاختصاصيين، وتفصّل هريش، شارحة: “للتشخيص، نحن بحاجة لفريق عمل على رأسه طبيب الأمراض النفسية للأطفال، بالإضافة الى طبيب أمراض عصبية للتقييم، والتنسيق مع طبيب أذن وأنف وحنجرة للتأكّد من عدم وجود مشكلات سمعية، ويمكن أن نقوم أيضاً بفحوصات نظرية، للتأكّد من عدم وجود أيّ مشكلة عضوية”.

ومن ناحية أخرى، تضيف: “يقوم اختصاصي في علم النفس بتقييم شامل، هدفه تحديد المستوى والقدرات الذهنية والمستوى العاطفي (أيْ نقاط الضعف والقوّة في القدرات الذهنية والتفاعلية والعاطفية) للطفل.

ويكشف اختصاصي تقويم النطق واللغة عليه، لتقييم قدراته التواصلية الشفهية وغير الشفهية (مثل استعمال النظر وتعابير الوجه) ومستوى نموّ النطق واللغة.

وبحسب عمر الطفل، يتمّ تقييم الناحية التربوية وأسسها ولغته المكتوبة”. وبعد التقويم والتشخيص، وإذا كانت النتائج تؤكّد الإصابة بالتوحّد، يضع فريق العمل خطوات العلاج.

 

العلاج

لا يوجد علاج موحَّد لجميع حالات التوحّد، بل يجب أن يتلاءم مع الملفّ الشخصي لكلّ مصاب حسب الميّزات المحدّدة في التشخيص، وتفصّل العلاج، قائلةً: “عادة، نبدأ بعلاج تنموي تواصلي لتنمية الوظائف الدماغية المسؤولة عن سلوكيات التواصل.

أمّا عن وسائل العلاج، فشرحت أنه “يتمّ الانطلاق من اهتمامات الطفل، أيْ اللعب الذي يتمّ من خلاله تعزيز التواصل بينه وبين الآخرين (فالمتوحّد لا يعرف أن يلهو مع الآخرين فهو بطبعه انطوائي)، كما أنه يتمّ الاتكال على الكتيّب المصوَّر المقسَّم بحسب المواضيع (الأكل، اللعب، العائلة، الحيوانات…) لمساعدة الطفل على التعبير بانتقاء صورة معيّنة من الكتيّب للتعبير عن رغبته أو احتياجاته”.

ومن الناحية السلوكية التربوية تندرج برامج التحليل السلوكي التربوي بهدف مساعدة الولد على الاستقلالية وتحفيز قدراته التعليمية”.

ولا يقتصر العلاج على المتوحّد فقط، بل يتعدّاه ليلامس محيطه، وتؤكد هريش أنّه “على الأهل فهم مشكلة ولدهم، وتعلّم كيفية التعامل وتنصح بـ:

– عدم التكلّم بصوت مرتفع أو بسرعة، بل تكييف نبرة الصوت نسبة لتفاعل الطفل معها.

– التكلّم بوضوح، تقصير الجمل، وتوجيه له اسئلة موجّهة غير مفتوحة (مثلا: بَدّك تشرب؟)، وإمهاله الوقت للمساعدة على الفهم والرّد.

– تكييف وضعية الأهل وسلوكهم خلال التواصل مع الولد لمساعدته وتوجيهه واللجوء الى استعمال الإشارات عند طلب أيّ أمر منه.

– عدم استعمال اللغة غير المباشرة التي تحتوي على معانٍ مبطّنة أو مستترة.

– إذا كان الطفل ينزعج من الأماكن الصاخبة (الأعياد، الأسواق التجارية…)، يجب عدم اصطحابه اليها، بل إعداده تدريجاً ليتكيّف معها (اصطحابه المرّة الأولى 10 دقائق وزيادة الوقت تدريجاً بحسب تأقلم الطفل).

– الصبر في التعامل مع الطفل، وفي حال أراد أن يأكل يجب انتظاره ليعبّر ويتفاعل نظريّاً قبل إعطائه حاجته.

– إذا كان الطفل يميل الى تقليد أصوات معيّنة، يجب على الأهل معرفة أنه يحاول التواصل والتعبير عن نفسه، من هنا وجوب فهم المعنى الذي يقصده بهذه الأصوات أو الحركات,

وأضافت: “يمكن للطفل أن يبكي أو أن يرمي نفسه أرضاً وأن يميل لتصرّفات غير ملائمة تجاه نفسه أو الآخرين عند عدم تمكّنه من التعبير، ولكن يتمّ العمل على هذه السلوكيات لتخفيفها والتخلّص منها، وعلى الأهل عدم التركيز فقط على تنمية قدراته التعليمية والذهنية في عمر صغير، بل التركيز على القدرات التواصلية.

وفي المقابل، لا يوجد بعد أيّ دواء للحدّ من التوحّد بل يتوفّر بعضها للمساعدة في علاج بعض السمات المرافقة للتوحّد التي تمنع نجاح العلاج، مثل الإفراط في الحركة، وعدم التركيز”.

واختتمت حديثها قائلة إنّ “التشخيص المبكر أمر أساس لمنع تفاقم حالة التوحّد، ولتحسين حال الطفل والشخص المصاب بالتوحّد وتكيّفه مع محيطه”.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل