لم يتوقّع أحد، في السياسة والإعلام، أكثر ممّا قاله قائد “حزب الله” حسن نصرالله، في الملفّ الرئاسي، بعد الصمت الثقيل الذي فرضته عليه معراب، والحرج الكبير الذي لاحقه به سمير جعجع إلى عقر داره.
وبعد الارتباك الواضح الذي استمرّ 11 يوماً، لم يكن في استطاعة نصرالله أن يواجه المأزق بغير الوسيلتين المعروفتين:
– الاستمرار في الدعم النظري الإنشائي لميشال عون كثابتة سياسيّة أخلاقيّة منذ إعلانه “الدّيْن في رقبته إلى يوم الدِين” على أثر “حرب تمّوز” 2006، وقبلها ببضعة أشهر “ورقة مار مخايل” التي لم يكن يحلم بأفضل منها التحاقاً بمشروعه وتسليماً بسلاحه. مع إضافة “ديمقراطيّة” طارئة عن تسامي وتسامح و”عجز” في مسألة الضغط على “8 آذار”، خصوصاً ركنيها برّي وفرنجيّه!
– الهروب إلى الأمام بعودته إلى “السلّة” السياسيّة، لناحية الربط المحكم بين انتخاب الرئيس وبينها، فينتهي الأمر بلا رئيس ولا سلّة.
وهذا هو الخيار الأمثل الآن ل”حزب الله” نزولاً عند توجّه إيراني واضح يكشف عدم جهوزيّة طهران لبازار البيع والشراء في رقعة النفوذ من الخليج إلى لبنان.
ولعلّ المؤشّر البليغ على هذا التوجّه أتى من باريس، ففي حين تحدّث الرئيس الفرنسي هولاند عن ضرورة معالجة الملفّ الرئاسي اللبناني، ذهب همّ الرئيس الإيراني روحاني إلى “الاستقرار” غير مبالٍ بانتخاب الرئيس، بما يعني الإبقاء على الوضع الراهن في السياسة والأمن، إلى أن تبدأ مرحلة توزيع حصص التسويات لأزمات المنطقة. وهذا يوجب دفع الفراغ الرئاسي اللبناني شهوراً إضافيّة إلى الأمام.
كلّ ما أراده نصرالله من إعلان موقفه هو الاحتفاظ بالمكاسب التي منحه إيّاها عون بكرم حاتمي مجّاني منذ عشر سنوات حتّى الآن، وتمويه الحقيقة التي باتت ساطعة وحاسمة، وهي أنّه غير جاهز لانتخاب رئيس، ولو كان من صلبه ومتبرّعي “انتصاراته” ومقدّمي خدماته.
ومسارعة عون، قبل ساعات من خطاب نصرالله، إلى تكرار مقولته ب”التحالف الوجودي” بينهما وكَيل المدائح لشقّه التوأم، لم تقدّم ولم تؤخّر في موقف الأخير. فما كتبته المصلحة الإيرانيّة قد كُتب، ويستطيع الأوّل الانتظار أسابيع وأشهراً أُخرى، طالما أنّه انتظر سنتين، بل أكثر من ربع قرن، على حلم اليقظة.
والمثير في هذا الواقع “الناصع”، أنّ مرشّح معراب لا يريد أن يصدّق مناورات نصرالله، ولم يتعلّم من تجربة سواه قبل أسابيع، حين اصطدم ترشيح شريك تكتّله وأحلافه سليمان فرنجيّه بالتمنّع نفسه لدى “حزب الله”. والأكثر إثارة أنّه يفتّش عن أعذار وتبريرات لنكث نصرالله بوعوده الحاسمة، مكتفياً بالكلام المعسول.
حتّى أنّه لم يُبدِ ارتياحاً إلى الموقف الإيجابي القوي لسمير جعجع في حضّه نصرالله على التقاط فرصة اتفاق معراب والتوجّه فوراً لانتخاب عون في مجلس النوّاب. وتبيّن أنّ هناك صوتاً خبيثاً همس في أذنه بأنّ هذا الموقف يضرّ أكثر ممّا يفيد، و”ينقّز” الضاحيه بدلاً من تشجيعها!
وفي الحقيقة، “نقزة” الضاحية ليست ناتجة عن اتفاق معراب، ولا عن تصريحات جعجع، بل هي حالة مقيمة في سياستها الرافضة لوجود رئيس شرعي للجمهوريّة إذا لم يكن ثمرة اختراقات نوعيّة في التوازنات تحت مسمّى “السلّة”، على خلفيّة تحقيق أهداف “المؤتمر التأسيسي” بدون عقده.
وحتّى الآن، لا يدرك عون هذه الحقيقة، بل ربّما يداورها ويتهرّب من مواجهتها لعلّه يصل تسلّلاً إلى قصر بعبدا كما غادره. ولم يقل كلمة واحدة بعد في “السلّة” التي يضعه فيها حليفه “الوجودي”.
قبل معراب، كان رأس حربة “السلّة”، يحارب لإجراء الانتخابات النيابيّة قبل الرئاسيّة، ويذهب بعيداً لانتخاب الرئيس من الشعب. كان يسبق “سلّة” نصرالله بأشواط.
بعد معراب، يهادن ويساوم في كلّ شيء. تغاضى عن “السلّة”، فتح خطوطاً مع الجميع باستثناء غريمه فرنجيّه، حاول تفسير “البنود العشرة” لترشيحه بما لا يتناقض مع التزاماته مع “حزب الله”، حتّى أنّه برّرها بأنّها مطابقة ل”معاهدة التعاون والتنسيق” الموقّعة مع النظام السوري بعد هزيمة 13 تشرين 1990!
ولكنّه لم يقل كلمة واحدة عن التناقض الفاقع بين ما وقّع عليه في معراب وما وقّع عليه في مار مخايل. وسكوته عن “تفاهم 6 شباط” يدفع “حزب الله” إلى تذكيره به. وقد بات هذا الصمت المدوّي أكثر ما يُثير حفيظة حارة حريك وشكوكها.
ولم تَعُد لازمة عون عن “التكامل الوجودي”، ومزايا “السيّد”، والتزام “التعاون والتنسيق” مع النظام السوري، كافية لإقناع “حزب الله” بانتخابه. وقد اهتدى نصرالله إلى ما يظنّ أنّه يبرّىء ذمّته تجاهه، ورأى في درع نبيه برّي و”شطارته” ما يقيه سهام معراب وحساب الرأي العام.
وهكذا يسقط ترشيح عون ضحيّة “السلّة” التي حشره فيها حليفه، وضحيّة اللعب على ورقتين متناقضتين.
والنتيجة… سلّة رئاسيّة “فاضيه”!