كم مرة يجب أن يشعل محمد البوعزيزي النار في نفسه لتنفجر «ثورة الياسمين» في تونس، وكم مرة يفترض أن يذوي الياسمين أو قد يصطبغ بالدم والمرارات، ثم يظهر مواطن يشنق نفسه احتجاًجا على عدم وجود فرصة لحياة كريمة تقوم على تحقيق الذات من خلال العمل وتأمين الاكتفاء والكرامة؟ تونس ليست إلا نموذًحا يتكرر في دول كثيرة في عالمنا العربي حيث القلوب المحترقة أكثر بكثير من الأجساد التي تندلع فيها نار اليأس والسخط، فها هو صراخ المواطنين يتعالى من جديد في تونس بعد خمسة أعوام على قصة البوعزيزي، مطالًبا بالخبز والشغل كمدخل طبيعي إلى الكرامة.
وفي حين يرتفع هذا الضجيج المقلق من تونس، يمكننا الاستماع جيًدا إلى صداه المشابه في كثير من البلدان العربية، وهو ما يطرح دائًما سؤالاً في مستوى التحدي الحقيقي: كيف يمكن معالجة هذا الواقع المتفاقم والخطر، عبر وضع خطط متنورة رؤيوية وهادفة، تؤسس لعملية تطور تدريجي راسخة، تؤمن تقدًما اقتصادًيا وإنتاجًيا يطّور فرص العمل والإنتاج ويستوعب العمالة وينهي البطالة، وبالتالي يوازن بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي، وخصوًصا في تلك الدول التي تنتج من الأفواه أكثر مما تنتج من أرغفة الخبز؟ لست أدري لماذا يقوم سفير ناشط، صاحب مهمات دبلوماسية متراصة في بلد يغلي مثل لبنان هذه الأيام، بالسعي للرد علمًيا وعبر دراسة معّمقة ومفعمة بالإحصاءات والمقارنات واستخلاص سلسلة من الخطط المقترحة، على كل هذه الأسئلة المهمة وربما المصيرية، وخصوًصا بالنسبة إلى عدد من الدول العربية التي شهدت خّضات بدأت ربيًعا لشدة الحاجة الاجتماعية إلى الربيع وانتهت شتاء عاصًفا وصادًما يعيد المراوحة في الأزمات؟ السفير السعودي في بيروت علي عواض عسيري استقطع من وقته المحشود بمهمات دبلوماسية دقيقة، وبشبكة العلاقات الواسعة التي أرساها ويرعاها في الوسط السياسي والاجتماعي اللبناني، أربعة أعوام كاملة ليرد عن تلك الأسئلة المذكورة، من خلال أطروحة هادفة ومميزة بعنوان «التعاون الاقتصادي الإقليمي في العالم العربي: الخيار الأمثل بعد الربيع العربي»! لقد شاءت المصادفة أن تكون حركة الاحتجاج الشعبي على خلفية استمرار الأزمة الاقتصادية قد تجددت في تونس، في الوقت الذي جلس عسيري قبل أيام أمام حشد من السياسيين والإعلاميين، في جامعة بيروت العربية يناقش أطروحته عن السبل العلمية الضرورية والملحة التي يمكنها معالجة هذا الواقع عبر خطط آيلة إلى التطوير التدريجي وليس إلى الثورات الاجتماعية والثقافية، وما يمكن أن تفرزه من التداعيات السياسية ومن الانتفاضات، التي أكدت من خلال الواقع والنتائج أن الخطط السياسية إن لم تكن مصحوبة ببرامج اقتصادية تنموية علمية ومدروسة، فقد تتسبب بمزيد من عدم الاستقرار الاجتماعي في المنطقة.
في مواجهة لجنة تحكيمية تألفت من الدكتورة نهال فريد مصطفى عميد كلية إدارة الأعمال كأستاذ ومشرف رئيس، وعضوية ثلاثة دكاترة ومشرف مشارك من جامعة أكسفورد البريطانية، ناقش عسيري أطروحته مجادلاً وابلاً من الأسئلة العلمية على امتداد أكثر من ساعتين ليحصل على شهادة الدكتوراه بالدرجة الممتازة.
ولئن حرص عسيري على توضيح أنه جاء مناقًشا كمرشح لنيل شهادة الدكتوراه، وليس كسفير، وأن مضمون أطروحته يعّبر عن آرائه الشخصية ولا يمثل في أي حال من الأحوال وجهة نظر الحكومة السعودية، فإنه بالتالي تمكن بعد مراقبة لأحداث الربيع العربي ومقارنات مع الحقائق العلمية المتصلة بالتطوير الاقتصادي، المستند إلى خطط توازن بين العناصر الإنتاجية المواتية والنمو الاجتماعي، أن يضع أطروحة ممتازة تسند الشرح والتعليل العلميين إلى سلسلة من الإحصاءات وجداول المقارنات الضرورية لتوضيح الأفكار الهادفة. وفي السياق يرى عسيري أن العالم العربي في حاجة ملحة إلى خطة اقتصادية نهضوية تخلق فرص عمل وإنتاج وتحّسن من الواقع الاجتماعي، بما يمنع تالًيا من قيام اضطرابات تزيد الوضع سوًءا في غياب التخطيط المسبق. لكنه يعتبر أن لكل دولة عربية سياساتها وقيمها الاجتماعية والثقافية الخاصة مما يجعل كلاً منها في حاجة إلى جدول زمني تدريجي ينسجم مع واقعها، وصولاً إلى المعالجة والنضج الاجتماعي والسياسي، بما يعني أنه ليس هناك من وصفة سحرية واحدة يمكن تطبيقها في كل دولة ومجتمع. عسيري يرّكز على أن التدقيق في نسيج التركيبة الديموغرافية في العالم العربي يؤّكد أنها باتت تشّكل مجتمعات أكثر شباًبا وأكثر تعُّلًما، لكن في المقابل (وهنا لب المشكلة) أكثر بطالة، ما يجعل هذه المجتمعات أكثر تطُّلًبا في مواجهة السياسة المسؤولة أصلاً عن التحسين الاجتماعي، الذي لم تواكبه أي تنمية مدروسة في الاقتصاد يمكن أن تستولد الاستقرار بالضرورة.
على هذه الخلفية أصبح المجتمع يشّكل تحدًيا مشترًكا أو متشابًها لكل الدول العربية الغنية منها والفقيرة، وهذه مشكلة حّساسة تتفاقم مع التوّسع المدني السريع، حيث من الضروري أن نلاحظ أن ما يقرب من 50 في المائة من السكان في مصر والمملكة العربية السعودية تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاًما، ولأن معدل البطالة في العالم العربي بات يتجاوز الـ26 في المائة مقابل متوسط عالمي لا يزيد على 13 في المائة، فإن من الضروري أن نتنبه إلى ضرورة خلق فرص عمل هادفة ومدروسة تكفل تحويل العنصر الشاب الكثيف، عائًدا إنتاجًيا يرّسخ الاستقرار بدلاً من أن يتحّول صاعًقا يسبب الانفجارات الاجتماعية التي يمكن أن ينتج منها مزيد مما عرف بـ«الربيع العربي». يشرح عسيري أسباب عدم حصول اندماج إقليمي في بعض الدول العربية رغم وجود صفات استثنائية داعمة مثل الجغرافيا واللغة وقاعدة الموارد، ويرى أنه رغم الخلافات بين بعض الدول العربية يمكن لبقية العالم العربي تفعيل التعاون الاقتصادي، وهنا يمكن أن يكون للمملكة العربية السعودية دور مؤّثر في قيادة عملية التكامل الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط. الأسئلة التي يطرحها عسيري ضرورية: هل تكفي المساعدات الثنائية وقروض البنك الدولي والتحويلات المالية وإيرادات السياحة لسد الفجوة الناتجة عن النمو السكاني المتزايد في عدد من البلدان مثل مصر وتونس؟ أوليس من الضروري أن تقوم دول الخليج بتنويع اقتصادها وعدم الإفراط في الاعتماد على النفط والغاز، وخصوًصا بعدما ثبت الآن عدم استقرار قيمتهما في سوق العرض والطلب؟ في سياق الرد على كل هذا، يقترح عسيري نموذًجا للتطوير الاقتصادي يستند إلى خمس استراتيجيات مترابطة وحيوية تفضي في المستقبل إلى خمس فوائد راسخة ومتينة تحقق التكامل وتضمن التطوير والتنّوع، ويقرن ذلك بجداول مقارنات وإحصاءات توضيحية علمية.. والسؤال تكراًرا: من أين يأتي علي العسيري بما ييِّسر له كل هذا النشاط الدبلوماسي الحيوي وهذا العطاء العلمي العميق والثاقب؟