
زمن العمالقة في لبنان الذي يختصر بفيروز ووديع الصافي وصباح، له في الذاكرة أيقونة فنية رابعة، تجلت في صوت نصري شمس الدين، الذي ينطلق من أرض المسرح إلى أعلى القمم بكماليته.
نصري شمس الدين دخل بالصدفة عالم الموسيقى. في وقت كان موظفا في مركز البريد في بيروت، قرأ إعلانا في الصحيفة عن إجراء إذاعة الشرق الأدنى اختبارا للمواهب الجديدة، فوقف أمام لجنة ذاك الزمن، مع عاصي ومنصور، وحليم الرومي، وعبد الغني شعبان. لجنة ذهبية رأت في موهبته ما يستحق النجومية، فكانت الانطلاقة.
القرية اللبنانية وتقاليدها وجدت لنفسها مكانا في صوت وأغنيات نصري شمس الدين، ببساطتها وعمقها وطيبتها…
كلما عادت مسرحيات فيروز إلى الذاكرة، عاد معها طيف نصري شمس الدين، الذي لم يغب عن أعمال الرحابنة منذ انطلاقتها، وحصل على شرف لعبة البطولة في أكثر من عمل.
هو الملك فخر الدين العائد متوجها بالمجد والنصر، هو بو ديب المهووس بالصيد، وهو المختار مختلق قصة راجح التي أصبحت حقيقة في بياع الخواتم وفي أيامنا.
من بلدته جون في قضاء الشوف إلى كل نقطة في هذه الأرض تنطق بالعربية، وترتوي من الفن الرحباني، توجه نصري شمس الدين. لبس الطربوش والأغنية اللبنانية الحديثة، وسار بها إلى حيث حمله الزمن الذي كان قصيرا وظالما.
بعد سنوات قليلة من انفصاله عن الأخوين رحباني عام ثمانية وسبعين، للانطلاق في مسيرته المنفردة، رحل نصري شمس الدين عام ثلاثة وثمانين. كان يشعر بأن الموت اقترب عندما خذله نزيف دماغي.
كلما تغربنا عن زمن نصري شمس الدين، كلما أعادنا إليه الشعور بالنقص، والحاجة للأصالة…
وكلما جلسنا تحت أفياء أزرة قُدر لشموخها أن تكون رمزا لهذا الوطن، يتزاوج صوت نصري بصوت الجبال، التي منها أتى، وفيها يبقى…