
صحيحٌ ان العماد ميشال عون هو “مرشّح المسيحيين القوي” اليوم، لكن وصوله الى بعبدا سيُحيله حُكماً رئيساً توافقياً لكل اللبنانيين، يمارس سلطته بالتفاهم والتوافق والحوار، وإلاّ اوقع عهده في الشرذمة والفوضى والإنقسام.
عندما حاول الرئيس سليمان فرنجية ممارسة صلاحياته كرئيسٍ مسيحي قوي، بمعزلٍ عن إرادة المسلمين، انفجرت الصيغة وتشظّى الميثاق، ووقعت البلاد في الفوضى.
لم ينتظر العماد عون اكثر من ثلاثين سنة في سعيه للفوز بمقعد الرئاسة، من اجل ان يكون عهده الرئاسي سبباً في تشليع وحدة لبنان، وهو لم ينتظر كل هذه المدّة حتى تكون ممارسته للسلطة في بعبدا سبباً لاندلاع حروبٍ طائفية او مذهبية.
يمكن للمرشح الرئاسي ان يتصرّف كما يحلو له، وان يُحاول تحسين شروطه الرئاسية كما يراه مناسباً، إلا ان وصوله الى الكرسي محكومٌ بتوازناتٍ طائفية وسياسية تحول دون تفرّده في اتخاذ القرارات، وإلا اوقع عهده في المقاطعة والمحظور.
مصلحة العماد عون تكمن في إرساء توازنٍ سياسي واستقرارٍ نقدي، والعمل على التوفيق بين مكوّنات الوطن كافةً. مصلحته هي في ان يكون رئيساً للـ10452 لا ان تنحسر سلطته وتنحصر ضمن حدود الجغرافية المسيحية فحسب.
ليس العماد عون اقوى من بشير الجميّل الذي قبض على الرئاسة بفائض قوةٍ سياسية وعسكرية وشعبية، وبدعمٍ اميركي واوروبي وإقليمي وصلت طلائعه الى مُحيط جلسة الانتخاب في اليرزة، ومع ذلك فهو سعى بشتّى السبُل الى تطمين المسلمين، بحيث ظلّ يُلاحق الرئيس صائب سلام حتى نجح اخيراً بلقائه في قصر بعبدا، مؤكداً له انه مع شعار “لا غالب ولا مغلوب”، وفي ذلك تمسّكٌ من قبل الرئيس المنتخب بالطابع التوافقي للنظام اللبناني.
وممّا يؤكد ذلك، خروج الرئيس سلام مسروراً من هذا اللقاء، مُعلناً “ان الإجتماع كان مفيداً ومفيداً جداً”، لافتاً الى “ضرورة طي صفحة الماضي”، داعياً الى التعاون السياسي مع الرئيس المنتخب.
الزعيم الوطني الكبير صائب سلام لم يقلق من وصول الرئيس المسيحي القوي بشير الجميّل الى السلطة حتى في اوج قوته وعظمته وجبروته، لا بل دعمه ومحضه الميثاقية الإسلامية المطلوبة.
في رسالةٍ تطمينية ارسلها الى عدوّه السياسي آنذاك، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، تعّهد بشير الجميّل بحماية المدنيين الفلسطينيين اللاجئين الى لبنان، معتبراً “انهم أمسوا في حماية رئيسٍ قوي”، فرّد عليه عرفات بقوله:”لم نعد ننظر الى بشير الجميّل كما كنا ننظر اليه في ما مضى، فهو الآن رئيس مسؤول، وعليه ان يتصرف على اساس هذا الواقع…”.
يمكن للمرشح الرئاسي ان يخوض معركته وفقاً لمستلزمات المرشح المسيحي القوي، لكنه بمجرّد وصوله الى قصر بعبدا يُصبح رئيساً مسؤولاً، مُؤتَمَناً على الدستور وعلى وحدة لبنان ومصالح اللبنانيين لأي طائفة او فئةٍ انتموا.
رفض بشير الجميّل طلباً اسرائيلياً بعقد اتفاق سلام بين لبنان واسرائيل، بانتظار ان يستحصل على موافقة رئيس الوزراء “السنّي”. وفي ذلك تكريسٌ للدويكا الرئاسية، اي الدولة برأسين، التي نشأت مع ميثاق 1943. علماً ان بيغن لم يفهم مسألة الدويكا الرئاسية في لبنان، بل كان يعتقد بأن كل شيء اصبح مُهيأً للسلام بين لبنان واسرائيل، بمجرّد انه اتفق مع المسيحيين، وبمجرّد ان رئيس الجمهورية، المنوط صلاحية التوقيع على الإتفاقات الخارجية، بحسب الدستورالقديم، هو مسيحي.
بكلامٍ اوضح، يمكن للشريك المسلما لاّ يقلق من وجود اي رئيسٍ في قصر بعبدا، سواء كان مرشحاً قوياً ام غير قوي، وسواء كان عون ام غير عون، لأنه في نهاية المطاف يُسند ظهره الى طائفةٍ بأكملها تُحامي عن صلاحياتها وامتيازاتها داخل النظام عبر موقع رئاسة الوزراء، حتى ولو كان بشّار الأسد نفسه رئيساً للجمهورية في بعبدا.
فلنُقارب المسألة من زاوية أُخرى: حتى ولو كان اعتى اخصام القوات اللبنانية رئيساً للوزراء، فلن يكون قادراً على التشفّي من “القوات”، عندما يكون ظهيرها المسيحي مُغطى بوجود رئيس للجمهورية قريبٍ منها. والأمر ذاته ينطبق على وضعية سعد الحريري “سنياً” في رئاسة الوزراء، ايّاً تكن هويةالرئيس المسيحي القوي في بعبدا.
إذاً فمن مصلحة الثنائي جعجع-الحريري، ومن مصلحة “14 آذار” كمكّونٍ وطني ان يكون ظهير “القوات” محمياً مسيحياً بوجود رئيسٍ للجمهورية مُرتبطٌ بتفاهمٍ معها، تماماً مثلما ان ظهير تيار “المستقبل” هو محمي سنياً اصلاً، عبر موقع رئاسة الوزراء.
لمصلحة من ان يكون ظهير “القوات اللبنانية”، كمكوّنٍ أساسي في “14 آذار”، مكشوفاً مسيحياً؟ وما الفائدة من هذا الأمر، ما دام ظهير تيار “المستقبل” مُغطّى سنياً اصلاً، بموافقة وتسليم معظم الأطراف، بمن فيهم “القوات” و”التيار الوطني الحر” نفسه.
الا يؤدي انكشاف “القوات” مسيحياً الى إضعاف “14 آذار” وطنياً؟ إن انكشاف “القوات” مسيحياً لا يؤدي سوى الى انكشاف تيار “المستقبل” سنياً وليس العكس. لو نجحت مبادرة الرئيس الحريري لأمكن ملاحظة هذا الإنكشاف بالعين المُجرّدة.
لا نبالغ إن قلنا ان الفضل في منع هذا الانكشاف “الثنائي” والحؤول دون سقوط هيكل 14 آذار على رؤوس الجميع، يعود لحكمة وتبصّر سمير جعجع.
ما يبدو “خيانةً وطنيةً عُظمى” اليوم، سيغدو قراراً وطنياً معتدلاً، متبصّراً، وعاقلاً في الآتي من الأيام. فـ”لا تكرهوا شيئاً من القوات لأنه خير”، واصبروا “على السخن كي تأكلوه بارداً”.
إذاً، وبخلاف ما يعتقد بعضهم، فإن وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية يعني حكماً وصول مرشح “تيار المستقبل” الى رئاسة الوزراء، مع جرعة قوة مضافة لوضعيته السياسية والطائفية والوطنية، لأسبابٍ عدة:
اولاً في البُعد الطائفي المجتمعي: لأن وصول المرشح المسيحي القوي يستتبعه حكماً وصول المرشح السني القوي، ولأن عدم وصول المرشح المسيحي القوي يستتبعه حكماً فيتو على وصول المرشح السني القوي والمرشح الشيعي القوي. كما ان تعطيل مجيء مرشح المسيحيين القوي يستتبعه تسونامي انتخابي يُطيح بعشرات “الرؤوس” المحسوبة على الجهة المُعطّلة والتي سيتحّتم عليها ان تُسددّ في “النيابة “اكثر بكثير مما ستربحه في الرئاسة.
ثانياً في البُعد السياسي الوطني: لأن وصول مرشحٍ عن “8 آذار” الى الرئاسة يستتبعه حكماً وصول مرشحٍ عن “14 آذار” الى رئاسة الحكومة. وبما ان موقع رئاسة الحكومة معقودٌ للطائفة السنية فمن البديهي ان يؤول الى ممثّلها الأقوى، اي “تيار المستقبل”.
ثالثاً في البُعد المذهبي: لأن وصول مرشحٍ مدعومٍ من الشيعة الى الرئاسة(!!)، يفضي حكماً الى وصول مرشحٍ مدعومٍ من السنّة الى رئاسة الوزراء، لأن البديل عن ذلك هو الإحتقان والتوتّر المذهبي، المرفوض لبنانياً وسعودياً وايرانياً ودولياً.
رابعاً في البُعد المسيحي: لأن تفاهمات معراب تقضي في إحد جوانبها بما بحمي “14 آذار”؛ فمخطىء من يعتقد ان تبنّي الشريك المسلم لترشيح العماد عون هو انكسارٌ له، بل على العكس، لأنه بذلك يربح الطائفة المسيحية الى جانبه، ويربح عودته الى رئاسة الحكومة بضمانة ثلاثة طوائف على الأقل، اي السنة والمسيحيين والدروز، ويربح اكثريةً نيابية جديدة، ويربح “تعرية”ً شاملة امن لا يريد حصول الانتخابات الرئاسية من اساسها.
خامساً في البُعد الميثاقي الدستوري: لأن “الرئيس المسيحي القوي” ينتمي الى مرجعيةٍ طائفية، هي الطائفة المسيحية، وهو الإبن الشرعي لها، وليس لقيطاُ، وهذا ما يُعزز روحية الميثاق الوطني.
– ولأن وصول الرئيس المسيحي القوي، يُقوّي تلقائياً موقع رئاسة الوزراء عبر تحلّق الطائفة السنية حوله وشدّ عصبها بهدف إرساء توازنٍ سياسي بمواجهة “قوّة” الرئيس المسيحي.
– ولأن ارتباط الرئيس بمرجعيةٍ مسيحية، يُحتّم عليه ممارسة صلاحياته بمسؤولية، تحت طائلة تحميل المسيحيين تبعات افعاله، بخلاف الرئيس “اللقيط” الذي قد لا يجد حرجاً في إرساء “ثقافة” الفساد والمحسوبية، والإحتماء بطوائف اخرى “على القطعة”، والتنقّل من تموضعٍ سياسي الى آخر تبعاً لمصالحه، في مقابل شعور الطوائف الأخرى بأنها مُقيّدة وعاجزة عن الرّد على هذه التصرفات بالمثل، خشية إثارة ردود فعل الطائفة المسيحية التي لم يعد من الجائز تحميلها “مسيحياً” مسؤولية سلوك رئيسٍ مسيحي لم يؤخذ برأيها فيه اساساً.
– ولأن الرئيس “التوافقي”المرهون لإرادة الطائفتين السنية والشيعية لا يمكن ان يلعب دور الحكم والمايسترو الضابط للتوازنات وللحياة السياسية في لبنان، بحسب ما يمليه عليه الدستور والعرف، وإنما سيقف عارياً تماماً من اي مشروعيةٍ مسيحية توفيقية، وعاجزاً عن ممارسة اي دور خشية خسارته رضى إحدى الطائفتين، بعدما كانت خسارته للطائفة المسيحية تحصيلاً حاصلاً.
– ولأن رئيس الجمهورية في النظام اللبناني يحمل بُعدين: البُعد المسيحي بصفته ممثل المسيحيين في النظام، والبُعد الدستوري بصفته حَكَماً بين السلطات الدستورية في نظامٍ لبنانيٍ برلماني، ولكن من دون امتلاكه ادوات الحسم الدستورية بعدما تم سحبها منه بموجب تعديلات الطائف. بالتالي فإن قوةّ الرئيس الأساسية تنبع من مشروعيته الطائفية المسيحية التي اعادت تعزيز مكانته دستورياً، وجعلت منه رئيساً وازناً في المعادلة اللبنانية، وحصنّت مكانته للعب دور الحَكَم العادل والنزيه والفعّال في التركيبة اللبنانية. وبالتالي فإن افتقاد الرئيس للبُعد المسيحي وللمشروعية الشعبية المسيحية، يعني تحولّه الى “شاهد ما شافش حاجة”، ومُجرّد حَكَم لا يمتلك صفّارة إنذار ولا بطاقاتٍ صفراء او حمراء،يقف عاجزاً عن ضبط اللعبة السياسية والطائفية بتوازناتها الدقيقة، وعاجزاً ايضاً عن لعب اي دورٍ توفيقي فاعل ووازن، إن على صعيد التوازن السني-الشيعي، او على صعيد توازن 8 و14 آذار.
فهل يُعيد بعضهم حساباته بدقّة ورويّة ورؤيوية، ويواكب مبادرة جعجع باتجاه إيصال مركب “14 آذار”، ورئاسة الجمهورية، والتوازن، والشراكة، الى برّ الأمان؟