
بعد تبني الدكتور سمير جعجع ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية تحوّلت الانظار نحو “الضاحية”. الكل يترقّب موقفها. اصدقاء “حارة حريك” ينقلون بأن قيادة “حزب الله” تلقت بايجابية خطاب رئيس حزب “القوات” بنقاطه العشر في ذاك اليوم التاريخي. ولكنه لم يتخذ موقفاً رسمياً من المبادرة. هو يعي جيداً أن الطابة اصبحت في ملعبه. المرشّحان للرئاسة من فريقه ومن اعز اصدقائه. ربّ قائل بأنه هنا تكمن مشكلة الحزب وإحراجه! وهذا صحيح ربّما. ولكن حسابات الحزب في مسألة الرئاسة تتخطى هذان الاحراج الى مسألة تكريس القوة التي يمتلكها الحزب والشيعة في لبنان سياسياً وعسكرياً محلياً واقليمياً في صيغة لبنانية جديدة. هذا ما ألمح إليه الحزب في تسريب مقولة “المؤتمر التأسيسي”. وهذا ما أشار إليه بوضوح أمينه العام السيد حسن نصرالله بكلامه عن “السلّة المتكاملة”! بالنسبة للحزب وللشيعة بشكل عام، ان الظرف تاريخي لرفع الغبن الذي لحق بالشيعة في الجمهوريتين الأولى والثانية، في “جمهورية ثالثة”!
في الواقع لم يُعطَ الشيعة حقّهم في الجمهورية الاولى. الميثاق عُقد بين الموارنة والسنّة الذين تقاسموا السلطة الفعلية في البلاد، مع ارجحية للموارنة. شغل الشيعة موقع الرئاسة الثانية. ولكن لم تُعامل الطائفة أسوة بالطوائف الكبرى الاخرى. وعلى سبيل المثال لم يكن للشيعة محاكمهم الجعفرية ولا مجلسهم الديني على غرار دار الافتاء. جزء من السبب طغيان السنّة. أما الجزء الثاني فهو تاريخ التهميش، لا بل الاضطهاد، الطويل الذي عاشته الطائفة في ظل السلطنة العثمانية والذي لا يمكن تحميله مسؤوليته الى سنّة لبنان. وكان من الطبيعي ان يستغرق حضور الطائفة وبناء مؤسساتها حقبة من الزمن. وهذا ما بدأه الامام موسى الصدر بتأسيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في العام 1967، كخطوة اولى لرفع “الحرمان” عن الطائفة.
حُرم الشيعة مساواة التمثيل في الادارات العامة. جزء من هذا الحرمان يعود الى سياسة الدولة وسياسييها. ولكن الواقع الاجتماعي للشيعة وغياب الكفاءات كان ايضاً احد الاسباب. فالشيعة، بغالبيتهم ابناء قرى. لم يكن متاحاً لهم، كما لكافة سكّان القرى، في الاربعينات والخمسينات متابعة التحصيل العلمي. اذ لا وجود للمدرسة في العديد من الأرياف. وكان الأهل يعتبرون الولد يداً عاملة إضافية في مجتمعهم الزراعي. لذلك كانت تنقص الطائفة الكفاءات للتوظيف في الادارات العامة. وهذا الواقع لم يكن محصوراً بالشيعة فقط. إنما كان أيضاً حال السنّة والموارنة في الاطراف حيث المجتمعات زراعية والانماء مفقود بسبب سياسة الدولة المركزية. لذلك كانت عكار تعاني الحرمان مثل الجنوب وربما اكثر. فكما طال الإهمال بلدة عرسال (السنّية) طال دير الأحمر (المارونية) والهرمل (الشيعية).
شارك الشيعة في الحرب اللبنانية على كافة الجبهات. واجهوا اسرائيل في الجنوب منذ دخولها في العام 1978 وقاتلوا في قلب بيروت الكتائب و”القوات اللبنانية” والجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية… “حكم” نبيه برّي بيروت “السنّية” وتحكّمت ميليشياته بها بعد خروج ياسر عرفات. ولكن عندما اتى زمن الحل لم يحصل الشيعة على ما كانوا يأملون به. اتفاق وقف الحرب جرى في مدينة الطائف السعودية. وكان من “الطبيعي” ان يحصل السنّة على “حصّة الاسد” في الحكم، رغم تدخّل الاسد الاب لزيادة حصّة الطائفة الشيعية، حليفته منذ السبعينات.
ما لم يحصل عليه الشيعة في النص في الطائف، حصلوا عليه في التطبيق في بيروت. دعمت الوصاية السورية زعيم “حركة أمل” لرفع الغبن عن الطائفة. انتخب رئيساً للمجلس النيابي وشارك في السلطة التنفيذية من خلال “الترويكا”. أدخل الشيعة بأعداد كبيرة الى الادارات العامة وأخذوا من حصة المسيحيين. عبّد طرقات الجنوب. حتى انتقل “الحرمان” الى جبل لبنان الشمالي واستمر في عكار، طبعاً. كما استُثني سلاح حزب الله من قرار حل الميليشيات الذي طُبّق على المليشيات المسيحية والدرزية.
بعد خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005 تعزّز موقع حزب الله في الداخل. استند الى قوته العسكرية واجهزته الامنية ليزيد من دوره ومن مشاركته في السلطة. فأصبح المهيمن وحتى “الوصي” عليها.
من وجهة نظر حزب الله، وربما غالبية الشيعة اللبنانيين ايضاً، حان وقت قطاف ثمار نضال الطائفة الذي استمر عقوداً، وتكريس القوة التي لدى الشيعة اليوم في صيغة حكم جديدة. وربما الحزب يستعجل الامر بسبب المتغيرات الاقليمية التي لا تبدو انها تصب في مصلحته.
في ايران لم تعد المواجهة شاملة مع المجتمع الدولي مع ما يستلزم ذلك التمسّك المطلق بكافة الاوراق وتدعيمها، وابرزها حزب الله في لبنان. فايران وقّعت اتفاقاً نووياً مع الدول الخمس + واحد. وبدأت تُرفع العقوبات عنها وتتحرّر أرصدتها في العالم. وها هي تفاوض المستثمرين الاجانب دولاً وشركات للنهوض باقتصادها المنهك بسبب العقوبات التي استمرّت أكثر من ثلاثة عقود. هذا الانفتاح الاقتصادي لا بد ان يقود، عاجلاً ام آجلاً، الى تبديل في السياسة الايرانية في الاقليم والتخلّي عن دعم الشيعة العرب وتأليبهم على أنظمتهم. وفي مرحلة لاحقة، ربما التخلي عن المنظمات والميليشيات التي انشأتها في العديد من دول المنطقة، واوّلها في لبنان.
في العالم العربي تبدو “الصحوة” السنّية التي تقودها المملكة العربية السعودية خطرة على سياسة ايران ونفوذها في المنطقة كما على الشيعة في الدول العربية. ولا تبدو المملكة متهاونة في اي من الملفات. فهي تخوض الحرب في اليمن. وتدعم المعارضة في سوريا. وتتشدّد تجاه شيعتها وشيعة الخليج. ومصّرة على الاستمرار في المواجهة السياسية في لبنان.
أما المتغيّر الاقليمي الأبرز بالنسبة لـ”حزب الله” وشيعة لبنان، فهو ما يجري في سوريا. النظام العلوي الحليف تهاوى. والبلاد تحوّلت الى بؤرة للإسلام الأصولي التكفيري. والتدخّل الروسي العسكري في الصراع يحدّ من النفوذ الايراني. والاتفاق الروسي – الاسرائيلي يجعل “حزب الله” ومقاومته بين فكي كماشة.
في العام 2008، بعد 7 ايار الشهير، اكتفى حزب الله بالثلث المعطّل. انتُخب رئيس للجمهورية. انتظر الحزب ست سنوات كانت مزعجة بالنسبة إليه بخاصة في السنتين الاخيرتين. اما اليوم فلا يمكنه الانتظار ست سنوات أخرى. حتى لو كان الرئيس العتيد احد حلفائه البارزين. فالانتظار لن يغيّر المعادلة لصالحه. بالتالي لن يستخدم نفوذه، لا مع حلفائه ولا ضد خصومه، لانتخاب الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية. وسيدفع اكثر باتجاه “المؤتمر التأسيسي” او “السلة المتكاملة”. والسؤال: هل سيتمكن من ذلك؟ بعد سنة على ذاك السابع من أيار، وقف أحد “صقور” تيار المستقبل في مكتبه وقال لي: “يمكن لحزب الله ان يحتلّ البلد ولكنه لن يأخذ توقيعي”!