#adsense

نحن والقضية ــ إيبول عطالله: هكذا فقدت وجهي وقررت أن أتحدى وأعيش

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1544

إيبول عطالله. كثر لا يعني لهم هذا الإسم شيئاً. وكثر ما عادوا يتذكرونه. ومنهم لمجرد ذكر إسمه يسرحون في البعيد ويرددون “الحياة وجدت لأمثاله”. لكن بعد اليوم، وتحديداً بعد قراءة شهادة حياته لن يعود إسم إيبول عطالله عابراً، ولن تكون شهادته مجرد كلمات مطبوعة على الورق.

من دير الأحمر مسقط رأسه انطلق مشوار النضال والعذاب. كان في الخامسة عشرة من عمره عندما خطف الثلج الأبيض والده على الطريق، فصار الطفل رب البيت فجأة لكن أحداً لم يعرف ان هذا الطفل كانت تسري في عروقه روح النضال والمقاومة. “لحظة” ما غيرت مسار حياته، أحلامه. لبس البزة الكاكية وانتسب إلى “القوات اللبنانية”. ومن تلك “اللحظة” أدرك انه بات مشروع شهيد، مشروع معوق. لكنه لم يتخيل يوماً انه سيكون مشروع إنسان مشوه، فقد كل معالم وجهه بفعل قذيفة أصابت الملالة التي كان فيها في إحدى المعارك. إنسان مشوه يخاف حتى من النظر إلى وجهه في المرآة، وعندما نظر إليه صدفة أصيب بالصدمة وانهار تماماً كما زواره الذين كانوا يعودونه في الأشهر الثلاثة الأولى من العلاج في أحد المستشفيات الإيطالية حيث نقل للعلاج ولا يزال يعيش هناك… وبدأ مشوار الجلجلة…

أكثر من 45 عملية خضع لها إيبول حتى اليوم والمشوار مع مبضع الجراح والتجميل لا يزال طويلاً. إيبول بكى، انهار، استسلم أكثر من مرة، لكنه قرر ان يواجه الحياة بإيمان وبقلب منزه عن الحقد او الضغينة.. قرر ان يعيش بوجه مشوه او قل بوجه أجمل من كل الوجوه لأنه تحدى كل أقنعتها ولا يزال.. “إيبول بتلبقلك الحياة”.

في الحلقة الأولى يبدأ إيبول شهادته التي لا تنتهي عند حدود الوجع والتشوه… شهادة ليست إلا فصلاً من رسالة حياة وزوادة إيمان.

على خطه الإيطالي طلبناه. “بونجورنو”… ويستطرد: “يا هلا بـ”المسيرة” …” كأنه لم يخرج من محيطه، من بيئته . فلكنة إبن دير الأحمر لا تزال مطبوعة في لهجته، وهو يرفض ان يتخلى عنها: “بفتخر بلهجتي وما بحاول اشتغل عليا وراح علِّما كمان لولادي”.

للحظات نحتار كيف يمكن ان نبدأ الحوار مع إنسان بات تاريخ ميلاده مسجلاً باللحظة التي عاد فيها من الموت. نحاول ان نفتش عن الكلمات، لكن الجواب يأتيك من هناك، من الطرف الآخر لهذا العالم الذي اندمج فيه إيبول “اسألي شو ما بيخطر ع بالك. أنا رجعت من شغلي وكل وقتي لـ”المسيرة” مع انو بشكّ تخلص شهادتي بساعتين وتلاتة. المهم انتِ تبلشي بالأسئلة ومستعد جاوبك على كل شي مع اني سكرت على هالمرحلة من زمان، وقررت عيش واتحدى وإغلب اليأس والا كنت انتهيت من 26 سنة”. البداية من تراب دير الأحمر التي يقسم إيبول بشرفها.

في 8 تشرين الأول 1967 ولد إيبولعطالله في دير الأحمر فكان الصبي الأول بعد اخته دوللي والثاني في عائلة مؤلفة من ستة أولاد. عاش طفولته في بيت تميز بالصلابة والعزم وحب الأرض، وتلقى علومه الإبتدائية في مدرسة الدير الرسمية، وكان مقرراً أن يكمل علومه ويكون على مستوى طموحاته. لكن رحيل الأب المبكر عن البيت نزع عنه صفة الطفولة. وبين ليلة وضحاها تحول الإبن البكر إلى رجل البيت ويروي إيبول: “في العام 1982 كان والدي عائداً إلى دير الأحمر مع احد أبناء البلدة سيراً على الأقدام بسبب الحواجز والطرقات المقفلة. وبسبب كثافة الثلوج والبرد القارس لم يعد رفيقه قادراً على السير، فقرر والدي ان يحمله على ظهره. لكنهما لم يصلا… ووجدوا جثتيهما في الجرد مجمدتين بفعل البرد والصقيع”.  وبحسب تقرير الطبيب الشرعي فإن وفاة رفيق سمير والد إيبول، حصلت قبل 24 ساعة من وفاته لكنه رفض ان يتركه جثة هامدة في الجرد، فتابع السير وهو يحمله جثة هامدة على ظهره إلى ان أسلم الروح. يومها كان عمر إيبول 15 عاماً وكانت الأخبار عن المعارك التي تخوضها “القوات اللبنانية” في أوجها فقرر إيبول الهرب من القرية بعدما نال نصيبه من الضرب والتهديد من قبل عناصر تابعة لجيش الاحتلال السوري، وتوجه إلى بشري مع أربعة اشخاص سيراً على الأقدام. ومن بشري نزلوا إلى بيروت في شاحنة مخصصة للشحن وكانت المرة الأولى التي يرى فيها إيبول البحر!

سكن إيبول في بيت عمه صبحي في منطقة جسر الباشا. في هذه الأثناء كانت هناك دورة للتطوع في الجيش اللبناني فكانت البداية المفصلية وخارطة حياة جديدة في حياة الصبي المراهق الذي نزل إلى بيروت بحثاً عن العلم حيث كان يتابع دراسته في معهد “cit”- الدورة في مجال الكهرباء، فوجد نفسه بين ليلة وضحاها ملزماً في ان يحل مكان رب البيت الذي توفي باكراً تاركاً وراءه أرملة و6 أولاد. “بيسمعو عمومتي بدورة لوحدات الـ75 بالجيش اللبناني بلشو ينقو عليي ويقنعوني انتسب خصوصاً انو بيي كان عنصر بالجيش اللبناني والمفروض كمل مشوارو، بينما انا كنت عم بتحضر تا إلتحق بـ”القوات” بمنطقة شناطة. بس عمومتي أصروا انو التحق بدورة الجيش مش لأنو عندن مأخذ ع “القوات”، بس السلك العسكري بنظرن في ضمانات أكتر خصوصاً للعيلة. إلى أن تمكنوا من ذلك على رغم إرادتي، فالتحقت بثكنة وحدات الـ75 الخاصة التابعة للجيش اللبناني في منطقة ضبيه بعدما عمدوا إلى تزوير بطاقة الهوية ورفع السن إلى 18 عاماً بدلاً من 16.

في هذه الأثناء كان إيبول يتردد إلى ثكنات “القوات اللبنانية” بهدف تفقد رفاقه من منطقة دير الأحمر إلى أن جاء يوم 15 كانون الثاني 1986 “بذكر كنت بثكنة الجيش بضبيه بس شفت الحكيم نازل مع الشباب على بيروت. حسيت أنو في شي عم يغلي بجسمي وإنو لازم آخذ القرار اللي بيرضي قناعاتي. شلحت بدلة الجيش انا وبالثكنة وقلتللن للعناصر اللي كانوا معي: “بخاطركن”. “سألوني: “شو عم تعمل لوين رايح؟ بكرا بتنال عقوبة. قلتلن رايح مع شباب “القوات” وسلمولي ع الجيش”.  ونزلت مع شباب “القوات” بالملالات اللي كانت متجهة نحو بيروت. وبدأت رحلة النضال التي اختارها إيبول بملء إرادته. رحلة أدرك منذ لحظاتها الأولى أنه سيكون مشروع شهيد أو معوق او ربما مفقود… ما هم. فقناعاته كانت بوصلة خياراته ومصيره.

أول معركة شارك فيها كانت في منطقة زوق مصبح بعدها انتقل مع الشباب إلى المجلس الحربي وأكمل معهم العملية العسكرية لإسقاط الاتفاق الثلاثي. عندما تسلم سمير جعجع قيادة “القوات اللبنانية” وأطلق عملية تنظيمها، التحق إيبول بدورات تابعة للوحدات الخاصة ولم ينج من عمليات التوقيف التي تعرض لها شباب “القوات” لا سيما بعد دخول عناصر من الجيش اللبناني ثكنات “القوات” في منطقة الحازمية حيث كانت غالبية العناصر فيها من منطقة دير الأحمر. يتنهد إبن الدير قليلا ويتابع “لازم آخد نفس عميق تا إقدر كمل”. ويستطرد: “يومها قاومت الثكنة التي كنت التحق بعديدها ببسالة. لكن مع تضييق الحصار تلقينا اتصالا من القيادة يطلب فيه من كل العناصر إخلاءها. “بس الحيط وولاد الأحمر واحد. ممكن الحيط يلين ويحنّ، بس نحنا نفل ونترك الثكنة؟ أبدا”. فدارت معارك عنيفة واستشهد عدد من الرفاق والعسكريين كما سقط عدد من الجرحى “لكننا قاتلنا حتى…الأسر”، يقول إيبول. ويضيف: “ولعل هذا هو السبب الذي دفع المحققين العسكريين إلى وضعنا تحت سابع أرض في سجن وزارة الدفاع لمدة 3 أسابيع نلنا فيها نصيبنا من الضرب والتعذيب والإهانات. إلى ان صدر قرار بنقلنا إلى سجن رومية وكان معنا ميلاد حبشي وعدد كبير من أبناء دير الأحمر. وبعد 3 أشهر صدر قرار بإخلاء سبيلنا مقابل كفالة مالية. لكن أحدا لم يخلع عنه بزة “القوات” فانتقلت إلى العاقورة مع الشباب والتحقت بإحدى دورات الوحدات الخاصة لنعود بعدها إلى بيروت ونستقر في ثكنة قرب جريدة العمل (سابقا)”.

“شو تعبتي؟ بعد ما بلشنا”. صحيح. فحياة إيبول قبل ليلة 13 شباط 1989 ليست إلا مجرد نزهة في حديقة عمر ملون بالأبيض والأسود. نعم نزهة، على رغم الصفعة القوية التي طبعها القدر على خده عندما فقد والده وهو لا يزال في عز سن المراهقة فتحول الصبي الذي كان يعيش عالمه بين أولاد جيله إلى رب البيت. ما قبل تلك الليلة لن يكون كما بعدها. بعدها كانت الولادة الثانية لإيبول عطالله.

“تلك الليلة كانت الأخيرة من حياتي الأولى. كنت مع مجموعة من الرفاق في مبنى المؤسسة اللبنانية للإرسال. وقرابة الثانية عشرة ليلا تلقينا امرا من القيادة بالتوجه بالملالات إلى مشروع الأرمن السكني في ضبيةلتأمين المساندة لسرية المدرعات التي كانت بأمرة الرفيق طوني مرقس. قبل وصولنا إلى هناك حصلت معركة عند نقطة الصندوق الوطني .عندما وصلنا إلى مشروع الأرمن السكني كان القصف عنيفا وانقطع الإتصال مع القيادة. أنا كنت على مدفع 7/12 عم بأمن الحماية للشباب فجأة لاحظت انو ملالتي هيي الوحيدة الباقية بالساحة. ما بعرف شو صار مع الرفاق. كل اللي بتذكرو انو ملالتنا كانت الوحيدة بأرض المعركة. وبس صرنا مكشوفين طلبت من الشباب يرجعوا لورا واحتمينا بالبنايات. هونيك انتهى الفيلم”.

نعم انتهى فيلم حياة إيبول التي كان يعيشها بوجه طبيعي، بأحلام لا تتسع لها حدود الأرض… يصمت قليلا. يتنهد يتنفس لكنه يصر على ان يكمل المشهد الأخير: “لحظتا ما بعرف شو صار. لهلق ما بعرف شو صار. كل اللي عرفتو انو قذيفة B7 انطلقت من مسافة قريبة جدا يمكن ما بتتخطى ال 10 أمتار وسقطت على الملالة بشكل مباشر وانفجر مدفع 12/7 بوجي. ما عدت عرفت بعدين شو صار. كل شي بتذكر إنو الجزء الأعلى من جسمي اللي كان خارج الملالة ما عدت حاسس في. نزلت إلى داخل الملالة وطلعت منا زحفا. بعدني بتذكر إنو كان في حيط أبيض. توجهت صوبو. الإصابة كانت كتير قوية. ما صرخت، مع انو كنت موجوع. بذكر إنو نظفت تمي من اللحم والعظام لأنو ما عدت قادر اتنفس. كنت عم بختنق. وتكيت راسي عالحيط بين الواعي والمغمى عليي. وبس تطلع قذيفة أوعا وارجع نام او فوت بغيبوبة… ما بعرف.. كل شي واعي عليه كانت كلمات رفاقي الي كانو يمرقوا من حدي ويقولو: “حرام استشهد”… طعان حبشي كان معي بالملالة وانصاب بكتفو كان عم يقول: يا حرام كيف مات بول” رجعت ذكرتو بهالكلمات بس زرت لبنان . وما صدق إنو كنت واعي. حتى انا ما كنت مفكر حالي بعدني عايش. فكرت أنو متت. والميت متل ما كان يخبر جدي بيضل يسمع لمدة ساعة او ساعتين ويتواصل مع أهلو وعيلتو .. فكرت إنو عم بمرق بهاللحظات. صرت صلي وأطلب الغفران من ربي تا يسامحني… بس الساعتين طولو كتير… كتير… وما عدت إتحمل الوجع لدرجة صرت أطلب من ربي انو ياخذني قبل ما تنتهي مهلة الساعتين”.

في مستشفى سان لويس سمع إيبول الأطباء يقولون للشباب الذين تولوا نقله مع باقي المصابين: “ما فينا نعملو شي. خدوا من هون”. فالإصابة كانت بليغة جدا وأدت إلى محو معالم وجهه كاملا. الفم الأسنان، الأنف حتى أن إحدى عينيه انحرفت من محورها بعد تحطم عظام الخد. لكنه لم يفقد النظر. من هناك تم نقله إلى مستشفى سان جورج في عجلتون حيث خضع لعملية تنظيف الجروح وتم إحداث ثقب في عنقه، ولم يستيقظ من مفعول حقن المورفين إلا بعد ثلاثة أيام.

 

أكثر من مرة سأل الممرضات اللواتي كن يتجرأن على دخول غرفته عن حجم إصابته فكان الجواب “ما تعتل همّ. عندك إصابات طفيفة بالوج كم يوم وبتضهر”. في تلك اللحظات يتذكر إيبول رفاقه الذين استشهدوا معه ويترحم عليهم. هادي خضرا أصيب في رأسه وعاطف حبشي والباقون أصيبوا بجروح مختلفة. وعلى رغم رسائل الإطمئنان التي كانت تبثها الممرضات له إلا أن كثرة النرابيج والضمادات التي كانت تغطي كل وجهه وعدم قدرته على التكلم كل هذا كان ينبئه بأن إصابته تتخطى حدود “الطفيفة”. وبدأ يتلمس مدى خطورتها. في تلك الأثناء سمعت والدته عبر إذاعة “لبنان الحر” التي كانت تبث أخبار المعارك نبأ إصابة إيبول الذي كان أرسله عمه إلى مديرية التحرير في الإذاعة ويطلب فيه من والدته التوجه إلى مستشفى سان جورج في عجلتون. لكن إمكانية الوصول إلى جونيه كانت شبه مستحيلة بسبب صعوبة التنقل برا وإمكانية الإنتقال بحرا كانت محفوفة بالمخاطر. واستغرقت الرحلة من الدورة إلى عجلتون 4 أيام.

عندما وصلت والدته إلى باب الغرفة حيث كان يرقد إيبول في سريره أصيبت بالإغماء. وتمت معالجتها على يد الممرضات. ولم تنجح باقي المحاولات. إلى أن جاء اليوم التالي وكانت والدته بدأت تتعود على مشهد تشوه وجه فلذة كبدها. لكنها لم تتمكن من مواجهته إلا بعدما تناولت حبوبا مهدئة. “بس فاتت حسيت أنو وضعي سيئ لا بل ميؤوس منو. صحيح إنو كنت عم بشوف بعين وحده وكنت بين الواعي والنايم بسبب المورفين اللي عم يعطوني اياه لتسكين الوجع بس حسيت أنو في شي كتير كبير وفهمت. وبس كنت إسألا عن وضعي تقللي ما تعتل همّ. راح تصير منيح. وبين سؤال وسؤال تضهر لبرا تبكي وترجع لعندي وتبرر سبب خروجا المتكرر بإنها ما بتتحمل ريحة الشاش والأدوية. بس عيونا الحمر وصوتا اللي كان يرجف دايما كانوا كفيلين بفضح وجعا على إبنها”.

زيارات الأهل والأقارب والأصدقاء اقتصرت على شقيق إيبول الذي كان يخدم معه في سرية المدرعات وبعض الأقارب بسبب صعوبة التنقل برا. وكانت مدة الزيارة محددة لكل شخص بأربع دقائق فقط. وبعد 10 أيام تم نقله إلى مستشفى سيدة لبنان حتى يكون قريبا من مرفأ جونيه وجاهزا للسفر للمعالجة خارج لبنان. هناك التقى بعدد من الرفاق الذين أصيبوا خلال المعارك منهم ميلاد حبشي آمر السرية الذي كان أصيب بفخذه وروبير حبشي. لكنه كان عاجزا عن الكلام بسبب الوجع والتخدير الناتج عن حقن المورفين . بعد 14 يوما تم إحداث ثقب في معدته بهدف تثبيت نربيج يتم من خلاله إدخال الطعام بواسطة حقنة كبيرة مباشرة إلى المعدة. “تمنيت لو متت لأنو الوجع ما كان محمول. وجع العظام المفتتة والنباريج بمعدتي والثقب بزلاعيمي والشاش اللي مغطا كل وجي وما في إلا عين وحده بنص وجي بالكاد عم شوف فيا… وأكتر شي كان معصبني إنو ما قادر إحكي مع إمي وإسألا عن أحوالا ولا قادر إشكيلا وجعي”.

رحلة العلاج التي كانت مقررة إلى فرنسا تحولت وجهتها إلى إيطاليا. والسبب؟. حتى إيبول لم يعرف في حينه أسباب تحول مسار رحلة العلاج  ولا يريد ان يعرف.. كل ما يعرفه انه يعيش اليوم في إيطاليا مع زوجته وولديه وإلا كان حتما سيموت كل يوم فيما لو بقي في لبنان لأسباب تتعلق أولا بطريقة التعاطي مع حالات مماثلة وكيفية اندماجه في المجتمع.

نعود إلى مرفأ جونيه وتحديدا إلى اللحظة التي حملوا فيها إيبول إلى الباخرة ويروي. “كان الوزير السابق الدكتور طوني كرم عم يهتم بمعاملات سفري إلى الخارج للعلاج. عندما وصلت إلى المرفأ سأل كيف راح آكل خصوصا ان المسافة طويلة؟ فخرج مسرعا وأخبروني انه استقل السيارة وتوجه فورا نحو مستشفى سيدة لبنان واحضر حقنة لإطعامي في الباخرة. لكن حجمها كان صغيرا ولم يدخل معدتي أي نوع من الطعام والسوائل حتى وصولنا إلى قبرص. ومن هناك تم نقلي مع 20 عنصرا راوحت إصاباتهم بين الخطيرة والأقل خطورة في طائرة عسكرية مجهزة تابعة للجيش الإيطالي وتم حقني بكمية من المورفين ولم استيقظ إلا في مطار روما. أذكر أنه كان هناك عنصر أصيب بقذيفة فوسفورية وتعرض لحروق من الدرجة الأولى وكان يصرخ طيلة الرحلة بسبب الوجع”.

في مطار فيرونا كانت سيارات الإسعاف في انتظار الطائرة حيث تولى المسعفون مع طبيب إيطالي يدعى تشوللي ولبنانيون من بينهم فيكتور طراد نقل الجرحى إلى مستشفى “سان فورتولو” ويكرر”فورتولو” بس بلفظا بورتولو لأنو ما بقدر سكر شفافي ع الآخر”. وهنا بدأت قصة إيبول مع الغربة خصوصا أنه كان عاجزا عن الكلام والتعبير ولا يتقن اللغة الإيطالية: “أول 15 يوم كنت كل ما ارفع إيدي تا إحكي يفكروني موجوع ويعطوني إبرة مورفين لدرجة ما عدت قادر إرفع إيدي ولا حتى إسترجي إرفعا تا قللن بدي فوت ع الحمام”. كنت وحدي وبقيت وحدي لمدة 3 أشهر ما شوف حدا ولا حدا يزورني ولا حتى يتصل فيي. أساسا لو اتصلو ما فيني إحكي. بذكر اول مرة اتصلت إمي بعد 3 أشهر كان معي شاب إيطالي صرت إكتبلو عالورقة الأسئلة وإسمع صوتا. حسيت إنو هون النهاية. تمنيت لو سمعو كلمة أحد الشباب على مرفأ جونيه بس قللن “لوين آخدينو؟ اتركو يموت هون مع أهلو”. تصوري إنو بالمرحلة الأولى كنت مفكر حالي بفرنسا. صرت قول معقول؟ شو هالفرنسي اللي بيعلمونا إياه بالمدارس بلبنان؟ ليك كيف بيحكوا فرنساوي هون. ما بتفهم شي. حتى عرفت بالآخر إني بإيطاليا”.

في الأشهر الثلاثة الأولى عاش إيبول على المضادات وحقن المورفين بسبب الإلتهابات التي تعرض لها خلال السفر. وبين حقنة مورفين ومضادات للإلتهاب ثلاث جرعات فقط من الطعام بواسطة الحقن في النربيج الموصول مباشرة إلى المعدة. أكثر من مرة حاول ان يصرخ، ان يقطع النرابيج والأمصال وينزع عن وجهه الشاش الأبيض والضمادات لكن مفعول المورفين في جسمه كان كفيلا بالحد من ردود فعله. لكن وجعه الداخلي كان أكبر من آلام الجسد.

أكثر من مرة استسلم ليأسه، لوحدته، لصمته وصمت العالم القاتل من حوله. أقفل على نفسه. قرر ان ينعزل. وفعلها أكثر من مرة. كان يخشى ان ينظر في المرآة إلا عندما يكون وجهه مغطى بالشاش الأبيض. وعندما يتم نزعه لتنظيف الجروح كان يرفض مطلقا النظر إلى المرآة نزولا عند تمني الطبيب المعالج او الممرضة. حتى اليوم لا يزال يتردد في النظر طويلا إلى المرآة. “لشو؟ بعرف انو شكلي مش كتير حلو بالمبدأ”.

أول مرة رأى فيها وجهه كان بالصدفة “كنت فايت ع الحمام مع الممرضة. وبطبيعة الحال في مراية جوا. فجأة تطلعت وشفت وجي. خفت من حالي. حسيت حالي راح افقد الوعي. تماسكت ضربت المراية وضهرت انا وعم اتخزق من جوا لأنو ما قادر إحكي ولا صرخ ولا حتى إبكي. بس عيني اللي كانت بنص وجي كانت عم تدمع. أبدا ما توقعت كون مشوه لهالدرجة. على أساس جروح بسيطة بس اكتشفت إني صرت بلا وجه او بالأحرى وجه من دون معالم. من يومها بلشت حالة الإنهيار وما في حدا إحكي معو”.

هو خاف من نفسه من التشوهات التي لحقت بوجهه ومحت كل معالمه لكن ماذا عن الآخرين؟ “كتار كانوا يجوا تا يزوروني بس يوصلو ع باب غرفتي  يغيبوا عن الوعي. في أبونا كان عم يدرس اللاهوت بإيطاليا حاول على شي 4 مرات يفوت لعندي وكل ما يوصل عالباب يغيب عن الوعي. كان قلبي يوجعني عليه وحاولت فهِّم الممرضات إنو ما بقا يضغطوا عليه بس آخر مرة عطيوا مورفين وتجاوز عتبة الغرفة وتواجهنا”.

وحده يوسف رحمه الذي كان يتلقى العلاج  في نفس المستشفى نتيجة إصابته بشكل مباشر في ظهره مما أدى إلى إصابته بالشلل التام أنقذ إيبول من أزمته النفسية ووضع حدا لانهياره النفسي وعزلته. “في نهار دخل يوسف على غرفتي .كان قاعد على الكرسي المتحرك والبسمة ما فارقت وجو. اطلعت في وفكرت إنو هالشاب اللي عمرو 18 سنة ما بقا قادر يمشي ولا يتحرك .مع هيك عم يضحك ويمدني بالمعنويات. حسيت حالي صغير. ضعيف. مصيبتو قوتلي معنوياتي. وكانت التقليعة .قلت خلص أنا لازم اتغير. لازم اتقبل وجعي وتشوهاتي. وهيك صار. وكل ما تمرق فكرة سودا براسي إطحنا. أكيد كان في كتير طلعات ونزلات بس بلشت قلع شوي شوي. وقررت انو ما بقا استسلم. قررت اتحدى وعيش وإلا كنت سافرت على العالم التاني بعد ما خلصو هوليك “الساعتين”.

(يتبع)

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل