.jpg)
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1545
لم تكن المرة الأولى التي يتحدث فيها رئيس “تيار المردة” النائب سليمان فرنجية عن “اتفاق” كان يمكن أن يحصل بينه وبين “القوات” وعن طلبات محددة تقدمت بها “القوات” تتعلق برئاسة الجمهورية تحديداً في حال أيدت انتخابه وكانت له حظوظ في الوصول إلى قصر بعبدا. قبل أن يعلن ترشيحه تجنب فرنجية الإشارات العلنية إلى هذا الأمر وتعاطى معه وكأنه لم يحصل. ولكن منذ انخرطه في المعركة الرئاسية ضد العماد ميشال عون ركز على إثارة هذه المسألة وعمم المعلومات التي أراد ترويجها على أكثر من طرف وشخصية إعلامية للتداول بها والتعاطي معها لاحقاً على أساس أنها معلومات متداولة في السوق ومبنية على وقائع.
تأخذ بعض المراجع على النائب سليمان فرنجية أنه يمعن في ارتكاب الأخطاء منذ بدأ مساره، نحو إعلان ترشيحه إلى الرئاسة، وأنه لم يعد حتى يستطيع أن يخرج من المكان الذي حشر نفسه فيه بعدما كانت هناك مخارج كثيرة مؤمَّنة له.
بعد عودته من لقاء باريس مع الرئيس سعد الحريري لم يدرك فرنجية الإشارات السلبية التي أتته من حلفائه في 8 آذار وتحديداً من مقربين من “حزب الله”. ولم يقرأ مدى الزعل منه الذي كان بدأ يخيم على دارة العماد ميشال عون في الرابية. وبدلاً من أن يتوجه مباشرة للقاء الجنرال المرشح المتمسك بترشيحه مضى في التحضير لمعركته وكأن على الجنرال أن ينسحب له على أساس أنه امتلك مفتاح الوصول إلى قصر بعبدا. وحتى بعد أن التقاه في تلك الزيارة الباردة البعيدة عن الإعلام لم يتراجع. لقد ذهب إلى الرابية ومعه قراره بالإستمرار في المعركة. لم ينتظر أن يطلب منه العماد عون أن يبقى على تعهداته السابقة بدعمه بل خرج من اللقاء وكأنه اتخذ القرار بعدم العودة إلى ذلك المكان الذي اختار منذ العام 2005 أن يكون ملجأه الأمين.
تصرف فرنجية وكأن الرئاسة أعمت بصيرته بعد تفاهمه مع الرئيس سعد الحريري. بينما كان عليه أن يحصل على التوافق المسيحي على هذا الترشيح قبل أن يعتبر أنه بات رئيساً وعلى الآخرين أن يؤيدوه. هكذا فعل عندما بدأ يتحدث بصيغة “أنا كرئيس للجمهورية”.
في مقابلته التلفزيونية الوحيدة بعد عودته من باريس كان بإمكانه أن يرمم التصدعات التي حصلت في علاقته مع العماد عون ولكنه زاد في انتقاده له مراهناً على دعم “حزب الله” والقوى التي أيدت خطوة تبني ترشيحه من الرئيس سعد الحريري إلى الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط وحسب أنها تشكل له أكثرية 70 صوتاً ولا ينقص إلا أن يتأمن النصاب ليكون الرئيس المقبل للجمهورية.
عندما تعطلت عملية الإنتخاب واتجهت “القوات اللبنانية” إلى الإتفاق مع العماد ميشال عون على ترشيحه للرئاسة كان أيضاً بإمكان النائب فرنجية أن يعود إلى المربع الذي انطلق منه في تأييد العماد عون طالما أنه حظي بالتوافق المسيحي الأكبر. ولكنه بدل ذلك استمر في معركته التي صارت بمثابة خيار وقرار معاً. لم يكن من الجائز أن يصور النائب فرنجية وكأن لقاء معراب موجه ضده شخصياً.
في اللقاء الإعلامي الثاني الذي ضمه في بنشعي مع عدد من الصحافيين ارتكب الخطأ الذي وقع فيه في مقابلته التلفزيونية. حتى “تيار المستقبل” كانت لديه ملاحظات على ما تسرب من اللقاء واعتبر أنه يكتفي بما يصدر عن فرنجية مباشرة. كانت إطلالة بنشعي بعد إطلالة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله التي تبنى فيها عاطفياً وسياسياً دعم ترشيح العماد عون مقدراً جرأة “القوات اللبنانية” في دعم هذا الترشيح أيضاً الذي أتى واضحاً وصريحاً بعكس الخلل الذي رافق ترشيح باريس والتسريبات التي تلته. صحيح أن نصرالله لم يعلن تخليه عن فرنجية كحليف ولكنه كان حاسماً في دعم عون. وهنا ذهب فرنجية إلى اعتبار أن السيد نصرالله “سيد الكل”. كيف لرئيس جمهورية لبنان الماروني أن يكون هناك سيد له؟ الرئيس يأخذ بالإعتبار حجم “حزب الله” ولكنه لا يجعل منه سيداً عليه.
أكثر من ذلك لم يكن من المفيد للنائب فرنجية أن يعود إلى نغمة انتقاد “القوات اللبنانية” واستعادة وقائع يرويها على طريقته من اللقاءات التي كانت تحصل داخل اللجنة المشتركة بين الطرفين: “القوات” و”المردة”. فهل اعتبر أن هذه المرويات تنهي تفاهمات لقاء معراب؟ وأنها ستعيد تعطيل العلاقة بين “القوات” و”التيار” على رغم إعلان الطرفين أن ما حصل في معراب يتعدى مسألة رئاسة الجمهورية. وبالتالي كان من الأفضل له أن يأتي إلى هذا التفاهم لا أن يحاول التشويش عليه على قاعدة أن من لديه 70 صوتاً لا ينسحب لمن لديه 40 مضيفاً أن العماد عون لم يحصل على أكثريته النيابية إلا من خلال الأصوات التي مده بها “حزب الله”.
لم تبدأ الإتصالات بين “القوات” و”المردة” قبل الإنتخابات الرئاسية. قبل أن يخرج الدكتور سمير جعجع كانت هناك اتصالات. وعلى رغم استمرار الإختلاف في المواقف السياسية كان هناك تفاهم دائم على ضرورة تهدئة الأجواء على الأرض وأن يكون هناك تنسيق بالحد المقبول. وهذا ما أسهم في احتواء بعض الأحداث الأمنية المحصورة التي حصلت في ضهر العين وبصرما.
ولكن تحديداً بعد حادث بصرما برزت الحاجة إلى أن تكون هناك لجنة تنسيق دائمة لأن الطرفين “القوات” و”المردة” كانا يريدان ألا تتكرر أي حادثة من هذا النوع وألا تترك أي حادثة، إذا حصلت، أي ذيول ومن هنا بدأت لقاءات على مستوى التنسيق الأمني العملاني.
قبل أن يحصل لقاء الأقطاب الأربعة في بكركي بدأت في العام 2013 لقاءات سياسية بين الطرفين بمسعى من مطران أستراليا أنطوان طربيه وعلى هذا الأساس تشكلت اللجنة من الوزير السابق يوسف سعاده والمحامي وضاح الشاعر وميشال حايك عن “المردة” والنائب فادي كرم وطوني الشدياق والدكتور إيلي خوري عن “القوات”. وعلى هذا الأساس عقدت هذه اللجنة اجتماعات دورية كان يتم التركيز فيها على القضايا المسيحية المشتركة المتعلقة بالحضور المسيحي في الدولة والمشاركة في السلطة والإنخراط في الوظائف الرسمية والعامة ووضع تصورات حول الأخطار التي تهدد المسيحيين في لبنان والمنطقة والتوافق على أن من يصل إلى أي موقع في السلطة يكون همه تأمين هذا الحضور المسيحي. ولكن على رغم ذلك بقي هناك اختلاف في التوجهات السياسية الأساسية. بقيت “القوات” في 14 آذار و”المردة” في 8 آذار. وما زاد من درجة ترييح الأجواء لقاء القيادات المارونية في بكركي وخصوصاً الدكتور سمير جعجع والنائب فرنجية والتأكيد المتبادل على تطبيع العلاقات.
صحيح أن اللجنة السياسية لم تستمر وسط هذه الأجواء الإيجابية في عقد لقاءات دورية ولكن كانت هناك لقاءات بين يوسف سعاده وطوني الشدياق. عندما طرح سعاده فكرة الإنتخابات الرئاسية كان هناك اتفاق على التعاطي بإيجابية مع هذا الموضوع على أساس أن من يصل إلى قصر بعبدا يكون حاضناً للجميع. النائب فرنجية لم يكن يخف موقفه بأنه لن ينتخب الدكتور سمير جعجع وبأنه في حال انتخابه سيتعاطى معه كرئيس للجمهورية وكان رد “القوات” مماثلاً. ومن خلال هذه الصراحة المتبادلة كان هناك اتفاق أيضاً أن لا يكون أي طرف مشاكساً للآخر وأن يكون هناك تنسيق ورأي في القضايا المطروحة ومن ضمنها الحقائب الوزارية. أما في مسألة قيادة الجيش فإن فرنجية نفسه لم يكن حاسماً في موضوع دعم وصول العميد شامل روكز ومشى داخل مجلس الوزراء مع التمديد للعماد جان قهوجي بينما كانت “القوات” تتواصل مع روكز من خلال النائب فريد مكاري ولم تكن في كل الأحوال ممثلة في مجلس الوزراء لأنها من الأساس خارج هذه الحكومة.
على ضوء هذه المعطيات إن ما يهم “القوات” هو أن لا تأخذ أحلام الرئاسة أحلام التفاهم المسيحي ـ المسيحي وتعتبر أن ما يمكن البناء عليه أولاً هو التفاهم الذي حصل في معراب مع العماد ميشال عون. وبالتالي بدل أن يستمر النائب فرنجية في سلوك الإتجاه المعاكس من الأفضل إعادة قراءة المرحلة ليس على أساس الخيارات الشخصية بل على أساس روحية ما يؤمن فعلاً الإجماع المسيحي الذي يجب أن يشكل معبراً للإجماع الوطني. وبعدما كان البعض يتحجج بأن المسيحيين غير متفقين وبعدما تم تفاهم معراب لا يمكن أن تعود العقدة إلى مربع آخر: فرنجية ينسحب إذا أيد الرئيس الحريري العماد عون والحريري يتمسك بفرنجية طالما لم ينسحب.