
وصف راعي أبرشيّة جبيل المارونيّة المطران ميشال عون المصالحة التي تمت أخيراً بين “التيار الوطني الحر” الذي يتزعمّه العماد ميشال عون و”القوات اللبنانية” برئاسة الدكتور سمير جعجع، بأنها “مصالحة عميقة، ويجب أن نفرح لهذا التفاهم، لأننا نحتاج أن نكون موحَّدين، لأن الوضع في لبنان وفي الشرق، لا يسمح بأن يكون المسيحيون مشرذمين”.
وفي لقاء مع “الراي” على هامش زيارته للكويت، حيث شارك في احتقالات الطائفة المارونية بعيد شفيعها القديس مار مارون، رفض المطران عون “العودة الى المربعات الطائفية”، معتبراً من ناحية أخرى أنه “ليس من مصلحتنا كمسيحيين أن ننقسم الى قسمين، أي قسم مع الشيعة وقسم آخر مع السنّة”.
وفي ما يلي نص الحوار:
- كيف نظرتم الى المصالحة التي تمت أخيراً بين “التيار الوطني” و”القوات”… وهل يمكن وصفها بالمصالحة المسيحية أم أنها بمثابة تفاهم سياسي، أملاً بالاستحقاق الرئاسي؟
– اعتبرها مصالحة عميقة، لأننا نريد الحوار ونريد من جميع الأفرقاء اللبنانيين أن يتحاوروا. هذا هو موقف الكنيسة التي دعت الجميع الى الحوار وقبول الآخر ووضع الاهداف السامية المشتركة التي تبني الوطن. الكنيسة رحّبت بهذا الحوار، وشجّعت توسيعه لمصلحة الوطن عموماً ولمصلحة المسيحيين خصوصاً، لأنه أراح الأجواء، وما يتمّ تعبيده على المستوى القيادي، ينعكس في شكل ايجابي على مستوى القاعدة الشعبية. وحتى قبل حصول هذا التفاهم في معراب (مقر جعجع)، كنت أرى نواباً ومسؤولين من “التيار الوطني” ومن “القوات” يتحاورون ويجتمعون معاً في مناسبات خاصة، ويضحكون ويتبادلون القُبل، إذاً لم يكن هناك عداء بينهم، رغم تباين مواقفهم السياسية، في الوقت الذي كان الغليان سيد الموقف على مستوى الشعب، لذلك، وفور إعلان “اتفاق معراب”، ارتاحت هذه القاعدة الشعبية. أضف الى ذلك أننا نحتاج الى أن نكون موحَّدين، لأن الوضع في لبنان وفي الشرق، لا يسمح بأن يكون المسيحيون مشرذمين. فلكي يكون لنا حضور قوي، علينا أن نكون متضامنين، وعندما نتضامن، لا يستطيع أحد أن يتجاهلنا، مثلما يتم تجاهلنا ونحن منقسمون.
- هل تعتقدون أن “مصالحة معراب” من شأنها إعادة التوازن الوطني وتعزيز مفهوم الشراكة أم انها عودة الى المربعات الطائفية؟
– نرفض العودة الى المربعات الطائفية، وننادي بأن لبنان هو وطن للجميع، ويجب على كل طائفة أن تتمتع بحقوقها وبواجباتها، ولا نعمل فقط من أجل طائفتنا، بل من أجل لبنان. لكن في بعض الأحيان، عندما يشعر المسيحي بأنه مهمّش في أي مركز من مراكز الدولة، نجد نوعاً من الشعور بأنه لم يعد للمسيحي مكان في لبنان، والهجرة هي الحل الأمثل، لذلك، علينا ان نتّحد، ليس لكي نتقوقع ونعيش في مربّع طائفي، بل لكي يكون لنا كمسيحيين دور فاعل اكثر في بناء الوطن الذي نريده للمسلمين والمسيحيين على السواء.
- هل من سبيل لتعميم أجواء المصالحة؟
– أعتقد أن أجواء المصالحة تُعمّم، لأن القنوات بين الأحزاب ليست مقطوعة حالياً، وأنا أعلم أن ثمة حوار وجسور بين “القوات” و”المردة”، وحوار مع “التيار الوطني” وحزب “الكتائب” لم تنقطع ابداً، رغم أي مواقف تم اتّخاذها في بادئ الأمر، للوصول الى رؤية مشتركة على المستويين السياسي والوطني.
- ماذا تقولون للمسيحيين المتوجّسين من تفاهم عون – جعجع مثل “الكتائب” وآخرين؟
– يجب أن نفرح لهذا اللقاء (بين عون وجعجع)، وهذا التفاهم، يجب أن يمتد الى كل المسيحيين في هذه الأيام الصعبة، وخصوصاً أننا لانزال منذ ما يقارب السنتين، من دون رئيس جمهورية، نحن في وقت يوجب علينا أن نكون متضامنين على الأهداف السامية التي تثبّت وجودنا في لبنان وتجعلنا شركاء أقوياء لنا وزننا في الوطن، وهذا لا يتم إلا في حال كنا متفقين.
لكن عندما نتحدّث عن “أوقات مصيرية” على مستوى وجودنا كمسيحيين وعلى مستوى مشاركتنا، فممنوع أن نكون منقسمين، وإلا سيتم الاستفراد بنا، وسيسيرون من دوننا، لذلك يجب أن نفرح بهذا التفاهم وهذا التضامن، وأوجّه نداء الى “الكتائب” او “المردة” أو أي حزب مسيحي آخر أو أي زعيم مسيحي آخر من المستقلّين، وأقول لهم: هذا هو وقت التضامن.
- بدا البطريرك مار بشارة بطرس الراعي أكثر ميلاً في البداية إلى دعم مبادرة الرئيس سعد الحريري لترشيح النائب فرنجية… ما هو الموقف بعد تبنّي جعجع لعون؟
– سيدنا البطريرك كان دائماً يقول: “أنا لا أدخل في لعبة الأسماء، ولا اريد ترشيح أحد”. وتجد سيدنا البطريرك حزين جداً لرؤيته، رأس الدولة المسيحي ليس موجوداً، لذلك، فهو يبارك أي مبادرة يمكنها أن تقرّب من الوصول الى انتخاب رئيس بغض النظر عن الأشخاص، إن كان عون أو فرنجية أو جعجع أو أياً كان… هو يدعو الى أن تكون اللعبة ديموقراطية كما اعتدنا عليها، أي لينزل المرشحان القويان الى البرلمان، ومعهما مرشح ثالث حظوظه أقل مثل النائب هنري حلو (من كتلة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط)، ومن يجمع أكثرية الأصوات يربح، وبالتالي نبارك له الفوز، ويكون لنا رئيس عندها، لكن يبدو أن ثمة حسابات أخرى عند المسؤولين والزعماء بعلاقاتهم مع الخارج، تدفعهم الى التريّث من أجل حصول توافق على شخص معيّن.
- ألا تشعر الكنيسة بقلق من وجود مرشحين للرئاسة، أحدهم مدعوم من الشيعة والآخر من السنّة؟
– لا اعتقد أنه يوجد أي خوف من هذه المسألة، وكما سبق وذكرت، ليس من مصلحتنا أن ننقسم الى قسمين، أي قسم مع الشيعة وقسم آخر مع السنّة، لأننا عندها نكون قد أصبحنا تابعين للسنّة وتابعين للشيعة. بينما في حال كنا متفقين ومتضامنين، فنحن نتحاور مع السنّة والشيعة من الند الى الند ولسنا تابعين، وندير أمور البلد معاً. إذا الانقسام يضعفنا.
- تصاعدت أخيراً الأصوات التي تشكو من الإمعان في التعرّض لحقوق المسيحيين في ادارات الدولة… هل اللحظة مناسبة لطرح عناوين طائفية وجعلها أولوية في خضم الأخطاء الوجودية التي تدهم لبنان، وتحديداً المسيحيين من بوابة الفراغ الرئاسي؟
– الفراغ الرئاسي له دور اساسي في هذه الأمور. لكن نجد في بعض الأحيان تجاهلاً لبعض الوظائف التي يشغلها مسيحي في حال تقاعد شاغل هذه الوظيفة أو هذا المنصب، فلا يوجد أي سبب لا يدعو لاستبداله بمسيحي آخر، لذلك، كان لا بد من المطالبة ولفت النظر. ولكن في الوقت نفسه، أريد أن أتوجّه الى أولادنا المسيحيين الذين في معظم الأحيان، لا يتقدّمون لشغل بعض الوظائف المحدّدة في الدولة. فمثلاً قوى الأمن الداخلي، عندما تدعو الى التطوّع في صفوفها، نجد ألف طلب من اخواننا المسلمين مقابل 50 طلباً للمسيحيين أو 100 طلب فقط، فمن دون شك، سيكون عدد المسلمين أكبر من عدد المسيحيين في هذه الوظيفة. لذلك، ندعو أولادنا المسيحيين الى تفضيل وظيفة الدولة على الهجرة. وأنا لا احمّل المسؤولية في الوظائف للمسلمين فقط، بل للمسيحيين، لكي يكون لديهم حضور في كل القطاعات. نعم هناك بعض الغبن بحق بعض الوظائف للمسيحيين، ولكن ما يزيد هذا الغبن، هو قلّة وجودنا وقلة عددنا في التقدّم والترشّح الى الوظائف الحكومية، واطالب المسؤولين بالمحافظة على التوازن الطائفي الذي بُني لبنان عليه، وأطالب أولادنا المسيحيين بأن ينخرطوا بالوظائف العامة.
- كلمة أخيرة؟
– أدعوا جميع زعمائنا المسيحيين، إلى أن يتضامنوا على ما هو أساسي، لأننا في مرحلة دقيقة لكي يكون حضورنا فاعلاً ومتوازناً مع حضور اخواننا المسلمين، واذا تناسينا الطموحات الشخصية، فبامكاننا انتخاب رئيس للجمهورية وان نكون فاعلين في البرلمان وفي مجلس الحوار.
كما حيّا راعي أبرشيّة جبيل المارونيّة المطران ميشال عون الكويت أميرا وحكومة وشعباً “لأن اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً يشعرون في الكويت بأنهم في وطنهم الثاني، اذ لديهم كنائسهم، ويمارسون شعائرهم الدينية بكل حرية، وهذا الأمر تشكر الكويت عليه”.
وقال عون “انها المرة الأولى التي أزور هذا البلد الجميل المضياف الذي يحترم الانسان والثقافات والأديان”، واصفاً اعلان بلدية الكويت أخيراً وجود موافقة لديها لدراسة تخصيص أرض لبناء كنائس جديدة بأنه “قرار تشكر عليه البلدية ورئيسها والسلطات المدنية على الارض، لأنه اذا ما تمّ تخصيص مكان للعبادة والصلاة، فهذا لا يكون سبباً لأي مخاوف، بل على العكس، واذا نظرنا الى ما يحصل للمسيحيين في العراق وفي سورية، لعرفنا الحياة المترفة التي يعيشها المسيحيون من جميع دول العالم في الكويت، واتمنى لو كانت كل البلدان العربية تقتدي بالكويت من حيث تسامحها وانسانيتها وكرمها، لذلك احترام الاديان وقبول الآخر، تدعو اليه كل الاديان”.