لمسات كيسنجر كما عرفها الشرق الأوسط

هنري كيسنجر، عميد الدبلوماسيين والمخططين الاستراتيجيين الأميركيين لا يحب التقاعد. ما زال يشعر أنه قادر على مواكبة الأحداث واستنباط الحلول، وتدمير كل ما يمكن أن يؤثر سلبًا على المصالح التي يدافع عنها. وأحسب أن عقلاء روسيا ما زالوا يذكرون دوره الريادي في إضعاف الاتحاد السوفياتي عبر انفتاح إدارة ريتشارد نيكسون على الصين ضمن حسابات صراع القطبين – يومذاك – الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

كان كيسنجر يخطط لاستغلال الصين والإمعان في تقسيم الكتلة الشيوعية عبر اللعب على التناقضات المصلحية بين «عملاقيها»، وفي الوقت ذاته يدير بحصافة وحذق «التعايش» مع موسكو. وبالفعل، خرج المارد الصيني من القمقم ونجحت واشنطن في تحييده بينما تعمل على جرّ موسكو إلى «مستنقع» أفغانستان الذي غدا «فيتنام الاتحاد السوفياتي».

تخطيط كيسنجر التدميري لم يتوقف عند الاستفراد بالاتحاد السوفياتي وتوريطه وصولاً إلى إنهاكه وتفتيته، بل خبرته ديار العرب، حيث ما زال كثيرون يتذكرون مشاريع «العزيز هنري» – كما كان يدعوه الرئيس المصري السابق أنور السادات – وأبرزها «حرب أكتوبر (تشرين الأول)» التحريكية الناتجة عن الإطاحة بأصدقاء السوفيات في «حركتين تصحيحيتين» صديقتين لواشنطن شهدتهما دمشق (خريف 1970) والقاهرة (1971).

نظاما حافظ الأسد وأنور السادات كانا حقًا ثمرة «الكيسنجرية»، ليس على صعيد الاصطفافات الإقليمية فحسب، بل – وهذا هو الأهم – استنهاض غول المذهبية والطائفية في البلدين المتاخمين لإسرائيل أيضًا. ولقد بيّنت الأحداث لاحقًا، كما نعيش اليوم، حقيقة الدور المذهبي الفئوي لنظام الأسد في سوريا، وتبعات استغلال الدين وزجّه في معارك «الرئيس المؤمن» لتصفية حساباته السياسية مع خصومه في الشارع المصري. ومثلما تحوّل النظام «العلماني» في دمشق إلى قاعدة للحرس الثوري الإيراني ومحمية لحزب الله، كان «الرئيس المؤمن» أول رئيس عربي يصالح مناحيم بيغن وينشئ علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.

اليوم كيسنجر يبشر بإعادة تنشيط علاقات الود والتعاون بين واشنطن وموسكو فوق المسألتين الخلافيتين في أوكرانيا وسوريا. ولقد قرأت بالأمس مقالة له يروي فيها كيف أنه مع زميله السياسي والصحافي و«المستشرق» يفغيني بريماكوف ترأسا بين 2007 و2009 ما عُرف في واشنطن بمجموعة «المسار 2» التي ضمت نخبة من الساسة والعسكريين المتقاعدين الأميركيين والروس لتعزيز التعاون وتبديد التوتر في العلاقات الأميركية الروسية.

وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي السابق تحدث بالتفصيل عن نشاط هذه المجموعة، واتصالاتها مع القيادتين في البيت الأبيض والكرملين. وأشار تحديدًا إلى أن أحدث نشاطاتها تناول الأزمتين الأوكرانية والسورية. وفي الشأن السوري قال «بما يخصّ سوريا، يبدو بوضوح أن اللاعبين المحليين (داخل سوريا) والإقليميين (في الشرق الأوسط) عاجزون عن إيجاد الحل إذا تركوا وحدهم. ومن ثم فإن جهودًا أميركية – روسية متجانسة تنسّق مع قوى كبرى أخرى قد تنتج خطة لحلول سلمية في الشرق الأوسط وربما في غيره».

وأنهى بالقول: «على البيت الأبيض والكرملين السير أبعد من الظلامات والمظلوميات، والبدء بالتصدي للتحديات الأكبر التي ستواجه بلدينا في السنوات المقبلة».

ما قاله كيسنجر عن الشرق الأوسط، وسوريا بالذات، يتكامل تمامًا مع نهج إدارة باراك أوباما. ولئن كان الكلام عن صرف واشنطن اهتمامها عن الشرق الأوسط لتركيزه على التحدي المستقبلي الآتي من الشرق يوحي بقلقها من صعود مكانة الصين، فإن اهتمام كيسنجر بالتعاون والتنسيق بين واشنطن وموسكو لا يبدو بعيدًا إطلاقًا عن هذا الاعتبار. وهو كما استقوى بالأمس على السوفيات بإطلاق المارد الصيني، فإن الخوف من هذا المارد يبرّر تعاونه مع الروس.

ثم إن في واشنطن هاجسًا آخر ولد انطباعًا خطيرًا، بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، عند بعض ساستها وكبار عسكرييها هو أن الغرب لا يمكن أن يتعايش مع «الإسلام السياسي السنّي» المتعدّد المرجعيات، بعكس «الإسلام السياسي الشيعي» ذي المرجعية الواحدة!.. وها هي إيران، الدولة الوحيدة التي يحكمها «الإسلام السياسي الشيعي»، تجسّد خير تجسيد ما توفره وحدانية المرجعية من ضبط وربط. كذلك فإن إيران لاعب آسيوي وخليجي مهمّ في حسابات واشنطن. وبالتالي، سيكون منطقيًا تمامًا أن تسعى واشنطن لكسبها في صفها بما أن القيادة الحالية في طهران – مثل قيادة الكرملين الحالية – تعتبر نفسها في «حرب مفتوحة» مع «الإسلام السياسي السنّي».

ثم إن التوتر الراهن بين روسيا وتركيا – التي أعادها رجب طيب إردوغان إلى سلطة «الإسلام السياسي السنّي» – يشكل اليوم عاملاً حيويًا في رسم الخارطة الجيو – سياسية للشرق الأوسط برمّته وليس منطقة الشرق الأدنى أو الهلال الخصيب وحدها.

وبناءً عليه، ما تكشفه الأحداث المأساوية في سوريا توحي بوجود تفاهم ضمني بين موسكو وواشنطن وطهران، برضا إسرائيل، على ما يلي:

أولاً، ضرب «الإسلام السياسي السنّي» على امتداد المنطقة مهما كلّف الأمر.

ثانيًا، إخراج الأكراد من هذا المعادلة تمهيدًا لتأسيس كيان كردي كبير، يصعب أن تسلم تركيا من تداعياته.

ثالثًا، بعد ضرب «الخيار العربي» في المنطقة على أيدي واشنطن ثم طهران، المباشرة بإنشاء كيانات فئوية تحل محل كيانات «سايكس – بيكو» التي شاخت وترهّلت.. بعد قرابة 100 سنة من رسم حدودها.

رابعًا، حتى الصين «خصم المستقبل» لديها مصالح مشتركة مع الجبهة العريضة ضد «الإسلام السياسي السنّي»، وكذلك القومية التركية، في مجابهتها النزعات الانفصالية في إقليم سنكيانغ ويغور أو تركستان الشرقية.

ماذا عن رد الفعل عربيًا؟ أزعم أن لا بديل عن إدراك المكوّنات المصلحية للتحالف العالمي العريض، واستيعاب حقيقة أن خوض حرب ضد العالم بأسره ليست الحل، خصوصًا أن «الإسلام السياسي»، بشقيه السنّي والشيعي، جلب حتى اللحظة على المنطقة كوارث هي بغنى عنها.

بل إن بعض أعنف الإرهاب المُلصق بـ«الإسلام السياسي السنّي» صُنع في دهاليز الجهات الأمنية في دول «الإسلام السياسي الشيعي». وفضلاً عن «داعش»، فإن علاقات بعض شخصيات «القاعدة» مع إيران معروفة، وكذلك همّة الاستخبارات السورية في تصنيع «فتح الإسلام» للبنان وظاهرة «أبو القعقاع» وهداياها «القاعدية» للعراق.

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل