ما هي ظاهرة الطلاق العاطفي التي تجتاح عائلاتنا ومجتمعاتنا؟

تمرّ العلاقات البشريّة بمراحل عدّة، خصوصاً الثّنائيّة منها، صداقة، حب، خطوبة، زواج، طلاق. ليس هناك علاقة زوجية سعيدة وناجحة بالمطلق، إذ لا بدّ من الصعوبات والمطبّات التي تعترض حياة الزوجين المشتركة، والتي غالباً ما يتخطيانها للبدء من جديد. لكن ماذا لو لم ينجحا في ذلك؟ ماذا لو عاشا ما يُعرف بالطلاق العاطفي، الصامت، النفسيّ؟ الزواج أساس الأسرة التي تشكّل الخليّة الأولى في بناء المجتمع، وهو يقوم على آداب وفنّ في التعامل بين الزوجين. هو علاقة إنسانيّة، يتبادل الزوجان في كنفها الحقوق والواجبات تجاه بعضهما البعض.

أمّا ركائزه فهي الحبّ، التواصل العاطفي، الإحترام، الثقة، التفهّم، الإهتمام بالنفس وبالآخر، القدرة على تخطّي الصعوبات، تقبّل الآخر في أوقات ضعفه ومرضه، الإيجابيّة والإنفتاح، التضحية وغيرها.

لعلاقة زوجية متوازنة لا بدّ من الكثير من التفهم والإستيعاب والتضحية والمصارحة، والقليل القليل من التسلّط والأنانية وإهمال الآخر. فيعيش الزوجان معاً في السراء والضراء.

تمرّ العلاقة الزوجيّة بمراحل متعدّدة، سعيدة حيناً وحزينة حيناً آخر، تتجاذبها يميناً ويساراً، فيفتر التواصل العاطفي أحياناً، وتسود الصراعات، والمشكلات التي تُعتبر كالخبز اليومي في الحياة المشتركة، ثمّ تتوطّد العلاقة بعدها وتشتدّ أواصرها.

إلّا أنّ استمرار الزوجين بالعيش معاً تحت سقف واحد، لا يعكس حتميّة السعادة الزوجيّة، فالأهمّ هو نوعيّة هذه الحياة، وكيفيّة استمراريتها: هل يعيش الزوجان رضىً زوجيّاً؟ أو حياة روتينيّة فارغة من الأمل والفرح؟ أو يعيشان صراعات يوميّة لا تنتهي؟ أو طلاقاً عاطفيّاً؟ ما يُعرف أيضاً بالطلاق النفسي والصامت.

هذه الظاهرة التي تجتاح عائلات المجتمع اللبناني، هي انفصالٌ ضمني للزوجين، مع استمرارهما بالعيش في المنزل الزوجي معاً، كلّ يغنّي على ليلاه، غريبان تحت سقف واحد، لا آمال أو مصالح زوجية مشتركة، أهداف لا تلتقي، إهمال وعنف يصلان إلى العداوة تحت راية الزواج، حتّى الفراش لا يجمعهما في آخر النهار.

إتّفاق ضمني على الانشقاق، وقافلة الزواج تسير، لكنه زواج مختلف، يستمرّ بسبب الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والدينية، وليس بدافع المحبّة وإنجاح العلاقة الزوجية، فيعيشان زواجاً وطلاقاً مع وقف التنفيذ. وكم من الجدران تحتضن عائلات مشتّتة ضمنيّاً، إلّا أنّها تتظاهر بالسعادة.

حالة خاصّة

ترتدي ديما أجمل الملابس والحليّ كلّ ليلة سبت، وتخرج برفقة زوجها للسهر في أحد الملاهي، مع عدد من الأصدقاء. تلبس ديما وجهاً جديداً خلال السهرة، تدّعي الحبّ والسعادة أمام الجميع، وتتبادل وزوجها كلمة “حبيبي” مراراً، وترقص، ويراقصها، إلّا أنّها بعد عودتها إلى البيت، تخلع مع ملابسها وجهها السعيد، وتنام في غرفة مستقلّة عن غرفة زوجها، الذي يخلد للنوم بعد إلقاء التحيّة على “صاحبتو” التي تعرفها جيداً.

“أهلي هيك بدّن”، تقول ديما، “الطلاق عيب، بدّك الناس يحكو علينا؟ وأنا من وين بدّي جيب مصاري تا عيّش الولاد وعلّمن، هيك أظبط حلّ”.

أما من وجهة نظر الزوج فيقول: “خلّيا تربّي الولاد وتهتمّ بالبيت، أحسن ما إدفع لخادمة، وأساتذة وتاكسيات، هيك أوفر، والولاد بيضلّو مضبوبين”.

أسباب الطلاق العاطفي

للطلاق العاطفي أسباب داخليّة، أيْ ما يتعلّق بالأسباب النفسيّة، العاطفيّة، من حبّ ومشاعر وإنفعالات. وأسباب خارجيّة، كلّ ما له علاقة بالمجتمع، الأهل، العائلة، الدين، المال، المستوى الإجتماعي والثّقافي وغيرها.

الأسباب الداخليّة:

– فنّ التّعامل مع الآخر.

– عدم فهم الإختلاف بين الجنسين وخصائص كلّ منهما.

– الظّنّ بأنّ الشّريك هو انعكاس لنا، وقد وجد فقط لتحقيق رغباتنا.

– عدم فهم سمات شخصيّة الشّريك (إنطوائي-انبساطي) والتّعامل معه على هذا الأساس.

– عدم احترام عادات الآخر الخاصّة.

– عدم الحفاظ على خصوصيّة العلاقة الزوجيّة والأسريّة.

– غياب الحبّ، عدم الرغبة بالمعاشرة، العدوانيّة، عدم الشّعور بالأمان، غياب الرّغبة بالبقاء معاً.

– المرض النفسي.

– الإدمان على المخدرات، الميسر، وسائل التواصل الإجتماعي.

– الإضطرابات الشخصيّة: الوسواس، الهستيريا…

– إضطراب التواصل وعدم التكيّف مع التغييرات في الأسرة: ولادة جديدة، مراهقة أحد الأبناء…

– الصمت الزوجي (لا تعبير عن المشاعر أو المشكلات)، غياب حتّى أثناء التّواجد.

– الخيانة الزوجية.

– الغيرة المرضية.

الأسباب الخارجيّة:

– التجربة العائليّة السابقة لدى عائلة كلّ من الزوجين، ما يرغبان بعيشه من جديد، وما يرفضانه بشدّة.

– التجربة العاطفيّة السابقة: زواج، خطوبة، حبّ أو علاقة عابرة.

– إخفاء أحد الشريكين معلومات هامّة عن الآخر قبل الزواج.

– فرق كبير في العمر.

– الفرق في المستوى الثقافي والإجتماعي.

– الإنشغال بالعمل خارج المنزل لوقت طويل.

– السفر.

– العلاقة مع الأسرتين الأصليّتين للشريكين وما تسبّبه من ضغوط خارجية.

– عدم الإكتفاء الجنسي.

– نقص في مهارات التعامل الزوجي: الكلام المعسول، الهدايا، المفاجآت، تذكّر المناسبات، الدعوات.

– إهمال المظهر الخارجي والنظافة الشخصيّة: تبرّج، عطر، المظهر المغري للمرأة.

– التعرّض لمشكلة إقتصاديّة: فقدان وظيفة.

– المرض.

– الإغراءات خارج الزواج.

كيف نتفادى الوقوع في الطلاق العاطفي؟

كي لا نقع في الطلاق العاطفي في حياتنا الزوجية، علينا أن نعي ضرورة التعبير عن مشاعرنا الواحد تجاه الآخر. كذلك، على الثنائي التمتّع بالقدرة على تغيير القواعد الزوجية والعائلية التي ورثها عن الأهل ليتماشى مع المستجدّات الحياتية، في حال لم تتناسب مع وضعه الراهن، خصوصاً في حال طرأ تغيير في حياته مثلاً: ولادة، مرض، مشكلات في العمل… وبالتالي تقبّل المراحل التي يمرّ بها الشريك، من خلال تفهّم ظروف الآخر مثل حالة الحمل وغيرها.

المشكلات الزوجية ليست نهاية العالم، فهي من ضروريات الحياة المشتركة اليومية، ولا بدّ من استيعابها والعمل على معالجة أسبابها، مع المحافظة على حسن التواصل مع الشريك من تبادل المشاعر، الهدايا، المفاجآت، تذكر المناسبات كأعياد الحب والميلاد، كما ضرورة المحافظة على النظافة وجمال المظهر الخارجي ( عطر، حلي…) لتجنّب الملل والروتين.

ومن شروط الحياة الزوجية الناجحة، الوحدة والأهداف المشتركة، والتضحية في سبيل الآخر، فلا نتخلّى عنه في حال المرض المفاجئ، المشكلات الإقتصادية. فالأمل وتوقّع الأفضل في المستقبل، والنّظرة الإيجابيّة للأمور والأحداث تخفّف من وطأة المشكلة الحالية، وتضفي جواً من السعادة على الزوجين، من خلال التركيز على حسنات الآخر وميزاته، وتخطّي نواقصه وعيوبه.

أسباب الطلاق العاطفي

ـ بقاء الأولاد بين الأم والأب.

–  الأسباب الإجتماعيّة والعائليّة: رفض المجتمع والعائلة لفكرة الطلاق المطلق.

– الأسباب الإقتصاديّة والمصالح المشتركة بين الزوجين.

– الأسباب الدينيّة: المسيحيّة والإسلام لا يشجّعان على الطلاق.

– عدم قدرة الطرفين أو أحدهما على البدء من جديد.

لا تخلو علاقة زوجيّة من رياح تعصف بها يميناً ويساراً، تسبّبها الضّغوط الحياتيّة الدّاخليّة والخارجيّة، كالمرض، تدخّل الأهل، المشكلات المادّية، الحمل والولادة، مراهقة الأبناء، زواج الأبناء وغيرها من الأسباب. تصمد العلاقة الزوجيّة بوجه التّحدّيات أحياناً، وتسقط أحياناً أخرى. ثمة علاقات تزداد روابطها بعد التجربة الصّعبة، وبعضها للأسف ينهار، فيكون الإنفصال سيّد الموقف.

إنّما للإنفصال أيضاً طريقان يسلكهما الأزواج في حال انعدام شروط الحياة الزّوجية المشتركة، فإمّا الطّلاق، ويبدأ كلّ واحد منهما طريقه من جديد، وإمّا الطّلاق العاطفي، إذ يستمرّان بالعيش معاً، منفصلين ضمنيّاً، لا حبّ، لا ودّ، لا حوار، ولا فراش يجمعهما آخر النهار. فهل يُعتبر الطّلاق العاطفي الخيار الأمثل للإنفصال؟

المصدر:
الجمهورية

خبر عاجل