في ساحة مار بطرس كان اللقاء مع راهبين مارونيين يتابعان دراستهما في جامعات روما. من من هناك انطلقنا في زيارة المدينة التاريخية. ساحات روما هي المحطات الاساسية لكل سائح. وفي كل منها جزء من تاريخ الامبراطورية الرومانية الزائلة والقارة الاوروبية المتحوّلة. وفيها كلّها تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الثابتة. ولا عجب في ذلك. ألم يعِد يسوع تلاميذه بأن “ابواب الجحيم لن تقوى عليها”؟! في شوارع عاصمة الكنيسة الكاثوليكية العظيمة التي تضم اكثر من مليار نسمة، حضور تاريخي وفاعل لكنيسة متواضعة لا يتجاوز عدد ابنائها العشرة ملايين. إنها الكنيسة المارونية.
يعود حضور الموارنة في الفاتيكان الى قرون. خلالها تغيّرت جيوسياسة الشرق والغرب. في الشرق سقطت الامبراطورية العثمانية. واعلنت دولة لبنان الكبير في احتفال حضره بطريرك الاستقلال الاوّل الياس الحويك. وتعرّضت الدولة الفتية الى الكثير من الثورات والحروب متأثرة بالمحاور التي قامت في المنطقة والتي شكّلت جزءًا من الحرب الباردة. وتعرّض الموارنة الى الكثير من الاضطهادات والخسارات في الدور السياسي والحضور الديموغرافي. أما في الغرب فسقطت انظمة وقامت أخرى. تأسّست دول على انقاض الامبراطوريات. حدثت ثورات غيّرت وجه التاريخ ووجهته. ابرزها الثورة الفرنسية في العام 1798.
تأثر الموارنة بكل هذه التحوّلات الجيوسياسية في الشرق كما في الغرب. وبخاصة حضورهم في روما. ولكن “ارتباطهم الايماني” الوثيق بعاصمة الكثلكة دفعهم للتمسّك بهذا الحضور الفاعل والمتفاعل. مع هذين الراهبين، اللذين يتخصصان في اللاهوت والتاريخ، كانت رحلة في تاريخ هذا الحضور الذي يعود الى عشرة قرون تقريباً مروراً بمحطاته الأساسية جغرافياً وتاريخياً. كيف لا والبطريرك الماروني بشاره الراعي كان ترأس قبل أيام احتفال تكريس مذبح على اسم مار مارون في كاتدرائية فولينيو الايطالية! ولكن كيف وصل شفيع الطائفة المارونية الى ايطاليا؟!
.jpg)
كانت هامة مار مارون (وهي عبارة عن جمجمة) محفوظة في دير مار يوحنا مارون في كفرحي منذ نهاية القرن السابع. لذلك كان يعرف الدير بـ “دير ريش موران” (أو رأس سيدنا). خلال الحملة الصليبية الاولى اخذها راهب من رهبانية مار مبارك كان يرافق احد امراء فولينيو عملاً بتوصية رؤساء الكنيسة اللاتينية التي تقضي بجلب ذخائر قديسي الشرق لحفظها في اوروبا. وبالفعل حفظت الـ “هامة” منذ العام 1130 في دير البنيدكتان في بلدة “Sasso Vivo” (“الصخر الحي” او “الحجر الحي”) في فولينيو. لا يؤكّد المؤرخّون ما اذا كان اسم البلدة الايطالية اتى من “كفرحي” (البلدة الحيّة) التي تشبه بلفظها “كيفا حَيو” (الحجر الحي)، او انها صدفة! في الحالتين احيت تلك الذخائر علاقة متينة بين الكنيسة المارونية وابرشية فولينيو الايطالية. وقد خصّ المؤرخ “جاكوبيللي” فصلاً عن القديس مارون والكنيسة المارونية في كتابه الصادر في القرن الرابع عشر عن تاريخ فولينيو. وفي العام 1450 نقلت ذخائر مار مارون لتُحفظ في تمثال نصفي في مغارة الكاتدرائية.
لم تنسَ الكنيسة المارونية ذخائر شفيعها. فقد كتب عنها بطريركها الشهير اسطفان الدويهي. وتقصى إثرها المطران يوسف الدبس. وفي العام 1997 بدأت مفاوضات بين أبرشية البترون المارونية وأبرشية فولينيو الإيطالية تولاها النائب الأسقفي منير خيرالله (أسقف أبرشية البترون حالياً) بتوجيه من راعي الأبرشية يومها المطران بولس إميل سعادة لإعادة قسم من الهامة الى مقرّها الاساسي في كفرحَي. وبالفعل استعاد الدير التاريخي في 6 كانون الثاني من العام 2000 قطعة من ذخيرة شفيع الطائفة ووضعت في تمثال نصفي في كنيسة الدير.
في 24 كانون الثاني الماضي لبى البطريرك الماروني دعوة أسقف فولينيو لترؤس احتفالات شفيع الأبرشية Saint Feliciano. وأشرف على نقل هامة مار مارون الى تمثال شرقي صنع من خشب الأرز وعلى وضع قطعتين منها في تمثالين آخرين. واحد نقل الى المدرسة المارونية في روما، والآخر سيوضع في مقر البطريركية في بكركي. كما كرّس مذبحا على اسم القديس مارون في الكاتدرائية وضع فوقه التمثال.
أكملت المسير في شوارع روما برفقة الراهبين الصديقين وإذ بنا نصل الى شارع الموارنة! (Via dei Maroniti). يقع في هذا الشارع بناء المدرسة المارونية القديمة التي تأسّست في العام 1584 لتنشئة الاكليروس الماروني. تشكّل تلك المدرسة جزءًا أساسياً من تاريخ الطائفة وصلة وصل ثقافية وروحية بين الشرق والغرب. تخرّج منها العديد من البطاركة والاساقفة. ولمعت اسماء تركت بصماتها في الكنيستين الفاتيكانية والمارونية مثل ابراهيم الحاقلاني وجبرايل الصهيوني ويوحنا الحصروني ويوسف سمعان السمعاني والبطريرك اسطفان الدويهي الذي كتب تاريخ تلك المدرسة. الشارع لا يزال يحمل اسم الموارنة رغم ان الاكليركيين هجروه منذ نهاية القرن الثامن عشر وتوزّعوا في اديرة لاتينية بعد ان صادر مدرستهم جيش نابوليون انسجاماً مع المبادئ العلمانية للثورة الفرنسية، ومن ثم باعتها الحكومة الفرنسية بالمزاد العلني. خلال مئة عام لم يكن للموارنة موطئ قدم في روما ولكن حضورهم استمر في الفاتيكان.
الحديث عن تاريخ الطائفة في الفاتيكان يطول. تابعته مع الراهبين أثناء التجوال في شوارع روما وأزقتها التاريخية. وإذ بنا أمام المدرسة المارونية الجديدة. شكل هندسي خارجي يتلاءم مع المدينة التاريخية. وفي الداخل كتابات سريانية وتماثيل ورسومات تؤكّد الهوية المارونية. ما يعكس تصميم الموارنة على الحفاظ على حضورهم في الفاتيكان وعلى التمسّك بهويتهم المارونية. في الداخل راحت الصور المعلّقة على الجدران تكمل القصة. مشاهدها تستحضر لحظات من التاريخ. اكليريكيون بعباءاتهم السوداء وقد اتّسخت بأعمال البناء الذي بدأ في العام 1904. وأساقفة ملتحون تحلّقوا حول بطريركهم في زيارات تاريخية للمدرسة ولحاضرة الفاتيكان ولقاءاتهم مع بابواتها. هنا يكمل المونسنيور طوني جبران سرد التاريخ في جلسة قهوة حميمة. المدرسة الجديدة هي نتاج جهد وتصميم المطران الياس الحويك الذي انتدبه البطريرك يوحنا الحاج لهذه المهمة. وقد نفذها بصدقات الموارنة وتبرعاتهم في لبنان والعالم. كانت المدرسة عبارة عن اكليريكية صغرى واكليريكية كبرى. كان الشبان يأتون صغاراً بالشروال والطربوش. وكان الرومان ينظرون اليهم بتعجب. والبعض يسخر من لباسهم. حتى ان احد الاكليريكيين طلب من رئيسه الاذن بعدم الخروج من المدرسة بلباسه الشرقي!
لن تطول فترة اقامة الاكليروس الماروني في المدرسة الجديدة. مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تحوّلت مرة ثانية الى ثكنة عسكرية. وأغلقت بعد الحرب حتى التسعينات من القرن الماضي حين اتّخذ البطريرك نصرالله صفير قراراً بترميمها وإعادة فتحها. فكانت بداية القرن الواحد والعشرين بداية مرحلة جديدة في المدرسة المارونية في روما.
سأل الراهبان عن الأوضاع في لبنان والمنطقة. على رغم تطور وسائل الاتصال والتواصل يبقى لسماع الخبر من فم الآتي من لبنان نكهته الخاصة. أجبتهما أن وقع المصالحة المسيحية – المسيحية جيد جداً على المستوى المسيحي والوطني على رغم انزعاج البعض منها لأسباب سياسية ضيّقة. ولكنها، يا للأسف، لن تؤدي الى انتخاب رئيس للجمهورية. أما في سوريا فالحرب طويلة. وما مؤتمر جنيف سوى واحد من محطات المفاوضات العقيمة… ثم أضفت دعونا في الحضور الماروني في الفاتيكان. فهو افضل من الحديث عن الشرق حيث يتراجع الحضور المسيحي الى درجة خطيرة. ولنبقَ في خبر ذخيرة “رأس” مار مارون. فهو افضل من الحديث عن بلد بلا “رأس”.
كانت تلك “زيارة” لبعض من محطات الحضور الماروني ومواقعه في عاصمة الكثلكة. لو اردت اكمالها لوجب علي التعريج على اديرة الرهبانيات، والتوقّف عند احتفالات إعلان قداسة شربل ورفقا والحرديني على مذابح الكنيسة الجامعة، واستذكار تكريس تمثال مار مارون في ساحة القديس بطرس… ما يتطلّب أيامًا من المَسير، وصفحات من السرد…
ودّعت الراهبين. عادا الى الدير ليغوصا من جديد في أبحاثهما التاريخية واللاهوتية. وجودهما هنا جزء من الحضور الماروني في الفاتيكان وصفحة من تاريخ طويل سيستمر لقرون… ربما لا يدركان ذلك!